منذ انبلاج فجر الرؤية القديرة، تغيّرت الكثير من المفاهيم في المجال الصحي التخصصي الذي وجد دعماً وعنايةً خاصةً من ولي العهد الأمين، مما مكّن ربّانه والقائم على أمره من أن يستشرف خططاً طموحةً وبرامج واستراتيجيات متقدّمة، خرجت بمنظومته التقليدية إلى آفاق أرحب، مواكبةً للتطور العالمي، ليصبح مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث رأس الرمح في حركة التطور الكبيرة في المجال الصحي التخصصي، متبوئاً مراكز متقدمة في مجالات كثيرة، أبرزها زراعة الأعضاء، واستخدام الروبوتات، بما قلّل أمد الطبابة، بوسائل أكثر نجاعةً، وأكثر أماناً.
على ذات خطى النجاح المضطرد الذي دأب «التخصصي» على تسجيله في دفتر الإنجازات، يستعد لعقد مؤتمر «أحدث التطورات في طب الأورام الجينومي» في العاصمة الرياض الأسبوع القادم؛ لبحث المستجدات في علم الأورام الجينومي، وتوظيفه في صناعة القرار السريري وتطوير علاجات السرطان الدقيقة.
استضافة «التخصصي» للمؤتمر لا تبدو مجرد رغبة في تنظيم فعالية علمية جديدة، ولا مجرد مواكبة لموضوع أصبح يحتل مساحة واسعة من اهتمامات الطب الحديث؛ القصة أعمق من ذلك بكثير، إنها قصة تحوّل مؤسسي ينتقل بالسرطان من كونه مرضاً يُشخَّص وفق العضو المصاب، إلى مرض تُقرأ تفاصيله من داخل الخلية، وتُفكّك شفرته الجينية، ثم تُترجم النتائج إلى قرار علاجي أكثر دقة، ليكون الطب الجينومي جزءاً من منظومة الرعاية السريرية.
استضافة تبدو امتداداً طبيعياً لمسار علمي وعملي أخذ يتشكّل داخلها، حتى أصبح «الجين» نفسه أحد الأدلة التي يستند إليها الطبيب في اختيار العلاج.
تكمن أهمية التحوّل في أن «الطب الجينومي» تم تطويعه بأيدٍ وطنية قادرة؛ لينتقل من برنامج بحثي إلى نظام مدمج في الرعاية السريرية، خطوة رفعت عدد الفحوصات الجينومية من (22) ألف فحص عام 2022 إلى أكثر من (44) ألفاً، مع إجراء أكثر من (5) آلاف تحليل ضمن طب الأورام الدقيق، وأسهمت في تغيّر العلاج ليستفيد منه نحو 70% من الحالات المرضية الموثقة.
الطبيب أصبح قادراً على إضافة طبقة أخرى من المعرفة: ماذا تقول جينات المريض؟ وماذا تقول جينات الورم؟ وكيف يمكن تحويل هذه المعلومات إلى قرار علاجي؟
وهنا تتضح دلالة المؤتمر، كون «التخصصي» لا يناقش مستقبل الطب الجينومي من بعيد؛ إنه يناقش تجربة أصبحت جزءاً من ممارسته اليومية الفعلية، بما يمكن القول معه إن المؤتمر يمثّل منصة علمية تناقش المستجدات في الأورام الجينومية وعلاقتها بصناعة القرار السريري والرعاية الدقيقة للسرطان.
ولو عدنا بالذاكرة إلى الوراء، لأدركنا أن التصنيف الطبي للسرطان كان يعتمد على المكان الذي ظهر فيه الورم: سرطان الثدي، والقولون، والرئة، والمبيض.
وهو على خلاف الواقع اليوم، فطب الأورام الدقيق بات يضيف سؤالاً أكثر عمقاً: ما الذي يحدث داخل هذا الورم؟
وهنا ينتقل الطب من التعامل مع المرض باعتباره اسماً عاماً إلى التعامل معه باعتباره بصمة بيولوجية خاصة بالمريض وورمه؛ ليحصل المريض على العلاج الذي يناسب الخصائص الجزيئية للمرض لديه، بدل الاعتماد على نموذج علاجي واحد لجميع مرضى السرطان. توجد داخل الورم الواحد مجموعات مختلفة من الخلايا، بعضها يستجيب للعلاج، وبعضها يمتلك خصائص تساعده على البقاء والمقاومة. معرفة هذه التفاصيل ستفتح أبواباً جديدة لفهم تطور المرض وتصميم علاجات أكثر دقة.
تسلسل الجينوم ينتج بيانات هائلة، وتحليل الخلية المفردة يضيف طبقات جديدة، ودمج الجينوم مع النسخ الجيني والبروتينات والمعلومات المكانية والتاريخ الطبي والصور النسيجية يخلق مشهداً بالغ التعقيد.
وهنا يأتي دور الذكاء الاصطناعي والجينوم الحاسوبي.
فالذكاء الاصطناعي يساعده في تحليل كميات هائلة من البيانات، واكتشاف أنماط قد يصعب الوصول إليها بالطرق التقليدية، وتحويلها إلى معرفة قابلة للاستخدام الطبي.
هذه السلسلة هي المفتاح الحقيقي لفهم اختيار «التخصصي» استضافة هذا المؤتمر؛ ليحكي قصة مستشفى يحاول الوصول إلى مرحلة يصبح فيها القرار العلاجي أكثر ارتباطاً بالبيولوجيا الفعلية للمرض، وبالبصمة الجينية للمريض والورم، وبالقدرة على مراقبة المرض وتحليل تغيّراته واكتشاف مقاومته للعلاج في وقت مبكر.
الثورة الحقيقية في طب الأورام الجينومي تعيد تعريف السؤال الطبي نفسه.
الطب التقليدي يسأل: كيف نعالج السرطان؟ أما الطب الجينومي فيضيف أسئلة أكثر عمقاً: لماذا نشأ هذا السرطان بهذه الصورة لدى هذا المريض تحديداً؟
وما الذي يجعله يستجيب لهذا العلاج أو يقاومه؟
ثم كيف نستطيع اكتشاف تغيّره قبل أن يتحول إلى مشكلة سريرية واضحة؟
أسئلة تدفع علوم الجينوم والأورام الجزيئية والذكاء الاصطناعي والخزعة السائلة والأوميكس المتعدد إلى الاقتراب أكثر فأكثر من سرير المريض.
صفوة القول: يريد «التخصصي» أن يكون أحد المعالم التي تُنتج المعرفة، وتختبرها، وتحوّلها إلى ممارسة سريرية، ثم تعيد إرسالها إلى العالم ممهورة باسم الوطن. بهذا المفهوم يصبح هذا المؤتمر إعلاناً عن تحوّل أعمق من قراءة السرطان باسمه ومكانه إلى قراءته بشفرته. ومن إعطاء العلاج وفق النوع العام للمرض إلى البحث عن العلاج الذي يناسب هذا الورم لدى هذا المريض، ويجعل الطب الجينومي والأورام الدقيقة عنواناً لمرحلة جديدة من الطب نفسه.


