ليست كل صفقة كبيرة صفقة جيدة، وبعض أفضل الصفقات في عالم الأعمال هي تلك التي امتلك أصحابها الشجاعة الكافية لعدم إتمامها. فالمشكلة في الاستحواذ الخاطئ أنك لا تشتري شركة فقط؛ قد تشتري معها ديونها، ونزاعاتها، وعقودها السيئة، ومشكلاتها التشغيلية، وأحياناً مستقبلاً لم تكن تخطط له.
ولهذا فإن بعض أكثر الأخطاء فداحة في عالم الأعمال تبدأ، للمفارقة، بفرصة بدت في لحظتها رائعة. شركة تريد أن تكبر، وأخرى تبدو مكملة لها، وأرقام أولية مغرية، وربما انسجام بين أصحاب القرار؛ فيكبر الحماس وتتسارع المفاوضات، ثم يأتي التوقيع، وبعده تظهر الأسئلة التي كان ينبغي أن تُطرح قبله. ومع ذلك، يظل الاندماج والاستحواذ من أقوى أدوات بناء الشركات وتوسيعها وإعادة تشكيلها؛ فمن خلال صفقة مدروسة تستطيع الشركة دخول سوق جديدة، أو امتلاك تقنية، أو زيادة حصتها السوقية، أو تنويع إيراداتها، أو إعادة هيكلة نشاطها. وفي سوق سريعة التحوّل، قد لا تكون الصفقة طريقاً للنمو فحسب، بل أداة للاستدامة والبقاء.
ولهذا استوقفني حديث المهندس عبدالله العبيكان، رئيس مجلس إدارة غرفة الرياض، في منتدى الجوانب القانونية للاندماج والاستحواذ للشركات والفرص الاستثمارية، عندما وضع في مقدّمة التفكير في الاندماج سؤالاً أراه أساسياً: «حرّر لماذا نندمج». فالـ«لماذا» ليست سؤالاً إنشائياً؛ على مجلس الإدارة والإدارة التنفيذية أن يعرفا بدقة ماذا يريدان من الصفقة: سوقاً جديدة؟ تقنية؟ حصة سوقية؟ كفاءة تشغيلية؟ أم أن القرار تحركه حماسة عابرة أو علاقة شخصية أو الرغبة في أن تصبح الشركة أكبر؟ فالحجم ليس إستراتيجية، والاستحواذ ليس إنجازاً لمجرد أنه تم.
وبعد تحديد الهدف تأتي البدائل. فالشركة الذكية لا تقع في حب الصفقة قبل أن تسأل إن كانت تحتاج إليها أصلاً. ربما تحقق الغاية حصة إستراتيجية، أو مشروع مشترك، أو تحالف تجاري، أو شراء أصل أو تقنية، بدلاً من الاستحواذ على شركة كاملة. والسؤال الصحيح ليس فقط: هل الشركة المستهدفة جيدة؟ بل: هل هذه الصفقة هي أفضل وسيلة لتحقيق هدفنا؟
وهنا تظهر قيمة المستشار القانوني قبل صياغة العقد، لا بعدها. فمن الخطأ أن يصل المحامي بعدما تكون الأطراف قد اتفقت تجارياً على كل شيء، وكأن مهمته تحويل الاتفاق إلى صفحات قانونية. فالهيكل نفسه جزء من القرار الاستثماري: هل تُشترى الأسهم أم الأصول؟ هل يتم الاستحواذ دفعة واحدة أم على مراحل؟ ما الموافقات المطلوبة؟ وما الالتزامات التي ستنتقل أو تبقى؟ أحياناً يغيّر اختيار الهيكل مخاطر الصفقة بقدر ما يغيرها السعر.
ثم تأتي المرحلة التي قد تحدد مصير ملايين الريالات: الفحص النافي للجهالة (Due Diligence)، وهو أوسع كثيراً من مراجعة المحامي للعقود. فالفحص القانوني يبحث في الدعاوى والعقود والتراخيص والالتزامات والملكية الفكرية والعمالة وبنود تغيّر السيطرة، بينما يختبر المالي جودة الإيرادات والديون والتدفقات والتوقعات، وينظر الضريبي والتجاري والتشغيلي والإداري إلى التزامات الشركة وسوقها وعملائها وأنظمتها وموظفيها وقدرتها على الاندماج. فقد تكون الشركة سليمة قانونياً لكنها لا تستحق السعر المطلوب، وقد تبدو أرقامها ممتازة بينما تعتمد نسبة مؤثرة من إيراداتها على عميل يستطيع المغادرة غداً. والفحص الجيد لا يبحث عن شركة بلا عيوب؛ بل يميّز بين الملاحظة العابرة والمخاطرة الجوهرية التي تؤثر في السعر أو الهيكل أو القرار نفسه.
واكتشاف المخاطر لا يعني بالضرورة قتل الصفقة، بل قد يعني إعادة هندستها. فقد تقود نتائج الفحص إلى تخفيض السعر، أو ضمانات وتعويضات، أو استبعاد أصل أو التزام، أو وضع جزء من المقابل في حساب ضمان، أو ربطه بالأداء المستقبلي، أو معالجة خطر قبل الإغلاق. فالمحامي الجيد لا يكتفي بإخبار موكله بوجود الخطر؛ بل يساعده على تحديد من يتحمله، وكيف يُسعّر، وكيف ينعكس في العقد.
ولهذا فإن ما يبدو توفيراً في كلفة المشورة قبل الصفقة قد يتحول إلى واحد من أغلى بنودها بعد إتمامها. وأتعاب صفقة لم تتم قد تكون من أفضل الأموال التي أنفقتها الشركة إذا كشف الفحص أنها لم تكن تستحق أن تتم أصلاً. وأحياناً تكون أفضل نصيحة يقدّمها المستشار لموكله: لا تشترِ.
لكن التوقيع ليس نهاية الاختبار. بعد الإغلاق تبدأ مهمة دمج الإدارات والأنظمة والثقافات، والمحافظة على الموظفين والعملاء الرئيسيين، وتحقيق القيمة التي بُني عليها سعر الصفقة. فليس كل كيان أكبر كياناً أقوى، وليس كل استحواذ نمواً.
وهنا تكمن أهمية هذه الأداة للشركات السعودية اليوم. ففي اقتصاد يتوسع، وقطاعات يعاد تشكيلها، وشركات عائلية تنتقل بين الأجيال، وتقنيات تغير نماذج الأعمال بسرعة، قد يكون الاندماج والاستحواذ أداة للنمو أو إعادة الهيكلة أو دخول قطاع جديد أو بناء شركة أكثر قدرة على الاستمرار.
وفي النهاية، مجلس الإدارة لا يُطلب منه أن يحب الصفقة، بل أن يتخذ بشأنها قراراً مستنيراً. وجود البدائل، وجودة المعلومات، والمخاطر التي كُشفت، كلها جزء من جودة القرار. وأحياناً لا يكون نجاح المجلس في إتمام الصفقة، بل في امتلاك الشجاعة للتراجع عنها.
لذلك يبدأ النجاح قبل غرفة التفاوض، عندما يجلس مجلس الإدارة والإدارة التنفيذية بعيداً عن بريق الأرقام وحماس الصفقة، ويجيبان بصدق عن السؤال الأول: لماذا؟ فإذا كانت الإجابة واضحة، تُدرس البدائل، ويُختار الهيكل، وتُفحص الصفقة وتُوزع مخاطرها، ثم يأتي السعر والعقد والتوقيع. أما إذا لم نستطع تحرير «لماذا» من البداية، فربما يكون أفضل قرار استثماري نتخذه هو ألا نندمج أصلاً.


