منذ أن انطلقت الأعمال العسكرية الأمريكية الإسرائيلية في 28 فبراير الماضي، قررت إيران مهاجمة دول الخليج والأردن في جل صواريخها ومسيّراتها، وتعوذت بالله ولم تتوجه إلا بالنزر اليسير من نيرانها نحو مصالح الولايات المتحدة وتل أبيب.
وهناك عشر صياغات استخدمت لتوضيح الحجة وراء مهاجمة الخليج، بعض منها تناول حقائق معروفة ولا أحد ينكرها وهي «وجود قواعد أمريكية وغربية في الخليج»، وهذه موجودة ومعلنة في الإعلام عبر اتفاقيات، لكن هذه الفرضية تضليلية، فهي تفترض وجوب الاستخدام ما دامت القواعد موجودة، وبعضها من الخمسينات بالمناسبة، كما أنها تتجاهل قصداً تصريحات الدول الخليجية برفضها لاستخدام الولايات المتحدة لأراضيها من أجل قصف إيران.
وبعضها أكثر سخرية باعتبار الشراكة الوظيفية من شاكلة ما ذكر من أن «استهداف القاعدة بسبب اعتراضها للصواريخ الإيرانية»، وكثير منها تناول بالعموميات دون الإشارة لمنشأ الضربات ومن ذلك «رد على مصدر العدوان الأمريكي» و«الحق الأصيل في الدفاع عن النفس» في تكييف قانوني للمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة.
وكان أكثر هذه التصريحات سخرية هو تصريح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في 2 مارس، حيث قال: لا نضمر عداء لدول الخليج.. وهذا ليس هجوماً على تلك الدول، وهو تصريح تكرر بصيغة أخرى من الرئيس الإيراني بزشكيان، وتخلق بالتالي الصيغ المستخدمة تعزيزاً للسردية الإيرانية مع تفاوت زوايا تبرير مهاجمة دول الخليج، وللمطلع على الصحف الفارسية يجد أن التصريحات حول هذا الموضوع كانت في كثير منها للاستخدام الداخلي.
ولنسلم جدلاً أن الرواية الإيرانية صحيحة ونحاول أن نبحث عن كيف تثبتت إيران من هذه المزاعم، إيران مبدئياً خسرت الكثير من راداراتها وقدرات دفاعها الجوي خلال ضربات العام المنصرم والضربات الأولى هذا العام، وتلكأت موسكو عبر السنوات في تسليمها S400، وانتقدت طهران حينها منح موسكو لأطراف إقليمية أخرى هذه القدرات، ولكن بالطبع منحتها S300 ومساعدات أخرى في المجال الصاروخي.
لكن هذا الضعف في قدرات الدفاع الجوي لا يعني عمى استخبارياً تاماً فهناك المجسات السلبية (ESM/SIGINT) والتي يصعب استهدافها لأنها لا تبث إشارات، لكنها تشعرك بالتهديد دون تحديد موطن انطلاق الطائرة، وفي مايو الماضي فرضت الولايات المتحدة عقوبات على كيانات من ضمنها شركات أقمار صناعية مثل EarthEye، من جانب آخر إذا كانت إيران تعتمد على صور من مصادر مفتوحة يمكن لأي محلل أن يصل لها، فمعلوماتها مبنية على تواجد الطائرات وليس على الاستهداف بذاته.
وحتى تلكم الصور تعاني من خللين؛ الأول أن أي طائرات في مأوى محصن تحت الأرض أو حظيرة طيران فصور الأقمار الصناعية بطبيعة الحال لا تظهرها، النقطة الأخرى التي يجب أخذها بالاعتبار أن الصور في هذه المواقع تتحدث كل 24 ساعة بينما الطلعة الجوية للضربات تستغرق من 4 إلى 12 ساعة في أقصى تقدير، مما يعني أن الطائرة قد تقوم بمهمتها وتعود ويتبين من الصور أنها ما زالت في مكانها.
بالطبع قامت الحكومة الأمريكية بطلب من مواقع مثل Planet Labs وVantor بتعليق صورهما في المنطقة، مما يعني أن حتى هذه الميزة سلبت من إيران، وإذا ما تتبعنا الأشعة الحرارية فنجد أنه من الصعب البحث في المصادر المفتوحة عن أي وسيلة تعطيك تحديثاً في أقل من 3 ساعات من وقوع الضرر، كما أن رصد الأشعة الحرارية عامة لا يمكنه رصد انطلاق طائرة بتاتاً بخلاف الصواريخ على سبيل المثال.
وبالتالي الربط المنطقي بين منشأ الهجمة أو كما يسمى في الفارسية «مبداء» غير متاح، ناهيك عن أن الطائرات الهجومية بطبيعة الحال تسير بمسار متعرج لعدة أسباب من ضمنها تفادي الدفاعات الجوية إن وجدت، وهذا يبقينا مع السبيل الأخير لتحليل مصدر الهجمات وهو الذخيرة، وأول ما يدحض فرضية دور دول الخليج هو الذخيرة الثقيلة من الطائرات الشبحية وهذه الطائرات تقف في قاعدة دييغو غارسيا وليس في الخليج.
وحتى مسارات التزوّد بالوقود فهي معلنة بأنها تتم عبر الطائرات المتوقفة في إسرائيل ومن فيرفورد، ومن حاملة في البحر المتوسط، لكن إسرائيل بطبيعة الحال لم تستهدف خلال الأشهر الأخيرة تماماً من قبل طهران.
وفي غياب القدرة الإيرانية على الوصول لهذا الربط الدقيق بين المنشأ والهدف في ظل التقنيات المتوافرة، وغياب استهداف حاملات الطائرات الأمريكية وإسرائيل، يتضح أن ضرب دول الخليج يستهدف أولاً شد عصب الشارع الجائع بأننا في حالة حرب، حيث تستدعي هذه الضربات رد فعل بطبيعة الحال، والأمر الآخر أنها تستهدف رفع تكلفة النقل والتأمين وسعر النفط عسى أن يسبب ذلك ضغطاً اقتصادياً يمنح الحرس الثوري طوق نجاة.
إيران ضربت دول مجلس التعاون الست جميعها خلال الـ48 ساعة الأولى من 28 فبراير. ولا توجد منظومة استخبارية في العالم تُنجز تقييم أضرار وتتبعاً عكسياً لمصادر النيران في هذا المدى الزمني، خلاصة القول: الضربة سبقت الاستدلال وليست نتيجة له، إلا إن كنا ننقل عن غوبلز وزير الدعاية في عهد هتلر.


