خصّ الله تعالى مكة المكرمة بخصائص ليست لغيرها من المُدن والبلدان؛ هي البلد الحرام الآمن الأمين، ومحضن سنوي لأكبر تجمّع إنساني، ومركز اقتصادي، وممر تجاري عتيقين، ومنها وإليها رحلات الشتاء والصيف، التي أمّنها تحالف الإيلاف مع قبائل العرب، وكان لهذا النشاط، مرجعية عدليّة، تجلت آثارها في حلف الفضول.

ولا خلاف على أن لمكة أولوية مكان، أوّل بيت وُضع للناس، وأول مهبط للوحي، وكل الأنبياء قدموا حجاجاً وزوّاراً إليها، بحسب الأثر (ما من نبيّ إلا حجّ البيت) وهي بلد مبارك ببركة كعبته (إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدى للعالمين) وأم القرى استثناء، فهي استثناء بالمطلق، كون استثنائية غيرها نسبيّة.

وبالذهاب إلى الزمن، نجد أنّ أزمنةً تفوق غيرها من الأزمان، فالسَحَرُ مُفضّلٌ على سائر أوقات الليل والنهار، والجمعة على الأسبوع، ورمضان على الشهور، والحج على الأعوام، كما أن زمن مولد الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام من أعظم الأزمنة، ومبعثه من أخلد المناسبات، ومثلما شرّف الله مكةَ مكاناً ومنزلاً وقبلة، شرّف الزمان المرتبط بها، فقداسة الجغرافيا مرتبطة بقداسة التاريخ.

هذه التراكمية لا ريب أنها حاضرة في وجدان ووعي السياسة السعودية، التي هي استثناء بين السياسات، فمن قلّدهم الله أمانة المسؤولية عن قداسة الأمكنة والأزمنة؛ ليسوا عاديّين بل هم استثنائيون؛ ولا تصح المقارنة بين العادي والاستثنائي، كون الاستثنائي لا يستوعبه إطار، ولا تُجْمِلْهُ أخبار، فهو أقرب للمثاليّة والأسطرة؛ بحكم ما يقوم صُلبه عليه من أرومة كريمة، وتديّن عفويّ غير متكلّف، وعفة نفسٍ إلا عن العلياء والتفرد، وتسامح مع كبرياء هيبة مستحقة، فالضغائن والأحقاد وردود الأفعال والصغائر ليست من صفات الاستثنائيين.

ولا يكاد يحضر موقف سياسي للقيادات السعودية في أي زمن، إلا ويعيدنا إلى الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن، طيّب الله ثراه، إذ إنه الملك الباني للكيان الوطني، ومؤسس قِيَم ومبادئ وأخلاق، وكان موفّقاً في الحرص على البدء من جوار الكعبة المشرّفة؛ والتشديد على حضور أبنائه وأحفاده وأسباطه معه حجاً وعمرةً وزيارة، لتأكيد معاني القداسة والتشريف، لما لكل ذلك من أثر وبركة في القول والفعل وإعلاء الشأن والكلمة؛ وعرفنا بالتواتر أن أولاد الملك عبدالعزيز، كانوا أول من يحضر مجلسه؛ إضافةً إلى حُسن اختيار من يقوم على التنشئة والتربية والتعليم لتتضافر معلومات المدارس، ودروس وخبرات المجالس.

شخصيّة الملك عبدالعزيز، النموذجية، جمعت القلوب حوله، ولم تبايعه القبائل دفعة واحدة في مطلع حكمه؛ بل كانت قبيلة ما تتمهل لتنظر ما يفعل هذا الملك بشيوخ وأعيان القبيلة التي سبقت إلى البيعة، وكلما عادت قبيلة من عند (أخو نورة) تستعرض سجاياه ومناقبه لتنفرج الأسارير، وتتعاقب مسيرات وقوافل المُبايعين، وأفخم بيعة كانت بجوار البيت العتيق؛ فعاد (إيلاف قريش) متجدّداً بملحمة الوحدة والتوحيد، على يد نموذج فريد من الزعماء؛ توفرت فيه (الكاريزما والبساطة) ومما رواه عنه أمين الريحاني في كتابه ملوك العرب (خفّ إلينا الملك عبدالعزيز وفي معيّته اثنان من حاشيته لا يمتازُ ظاهراً إلا بطوله؛ أين أُبهة المُلك وفخفخة السلطان، إنك لا تجدها، وإن أوّل ما يملكك منه ابتسامته؛ التي هي مغنطيس القلوب).

ومما أورده (إنّ في الملك عبدالعزيز ضميراً حيّاً كحلمه، وسرعة خاطر تقارن التيقظ في ذهنه، يبدد بكلمة واحدة غيوم الانقباض في مجلسه... وهو شديد الحافظة؛ ومتيقظ دائماً، ورجل كبير القلب والنفس والوجدان، عربيّ تجسمت فيه فضائل العرب إلى حدٍّ يندر في غيره من الملوك، ومما نقله عن مؤسس الدولة السعودية قوله «لا نسلّم بذرّة من حقوقنا، ولكننا لا نقول في أعدائنا ما يقولون فينا».

عمل الملك عبدالعزيز فور إتمام الوحدة الأقوى، على بث وبعث رسائل الطمأنة إلى القبائل والهجر والقرى والدول؛ وكانت (سعة الصدر) علامة فارقة في مقال ومقام الإمام القائد، إذ ليس في قاموسه انفعال ولا تطاول، فالنهج نهج المعاملة بالفضل حال السلام، وبالعدل إن رفعت الحرب الأعلام، ولذا قيّض الله لمشروعه النجاح والدوام، في حين أخفقت مشاريع ضيقي الصدور، وسيئ الأخلاق، ممن مُزّقوا كل ممزق، لأنها استنكفوا عن النبالة وبُعد النظر، والتعامل بالرفق والحُسنى مع شعوبهم، بل ضيّقوا على الناس فضيّق الله عليهم.

وإنسان الجزيرة العربية، الشرس بحكم ظروف وتضاريس أرضه؛ روّضتْ شراسته طيبة حكامه وحزمهم، ويظل في وجدان الملوك والقادة من آل سعود، إرثٌ من طيب أبيهم الأول، وفي جيناتهم وأخلاقهم الكثير، فهو رمز الاحتواء الأوسع في القرن العشرين، وتحت لوائه من الشعوب والقبائل والمذاهب والطوائف المُسالمة المنتمية، ما يثير التساؤل عن كيفية انصهار الجميع في بوتقة واحدة جعلت من الولاء لمن وحّدها بالحُبّ عنواناً.

تلويحة؛ البلد الذي اختاره قبلةً للمسلمين، ومحجّاً للناس؛ ومهوى أفئدة طاهرة، ومأرز إيمان حيّ وحيوي؛ هو امتداد لإرثٍ أخلاقي متجدّد، لا يُريدُ عُلوّا في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين.