هناك قطاعات تستطيع الدول أن تخفي تعثرها فيها لسنوات، وقطاعات أخرى يصعب تجميل واقعها مهما حاولت، الطيران واحد من أكثر القطاعات التي تكشف حقيقة الدول وكفاءة إدارتها وانفتاحها على العالم، وقدرتها على استيعاب التقنية.

أصبحت المطارات وشركات الطيران والمجال الجوي جزءاً من صورة الدول والطريقة التي تنظر بها إلى المستقبل، فالدول المتقدّمة والناهضة التي ترسم لها مكاناً في العقود المقبلة، تضع الطيران في قلب مشاريعها الكبرى.

من الصعب أن تتصور دولة تريد بناء اقتصاد حديث وجذب الاستثمارات بينما طائراتها قديمة ومطاراتها متهالكة وشركاتها تكافح لتوفير قطع الغيار.. إيران نموذج واضح لهذه الحالة.

دولة عدد سكانها 90 مليون نسمة، ومساحتها تتجاوز 1.6 مليون كيلومتر مربع، ولديها موقع جغرافي يمكن أن يمنحها دوراً في حركة الطيران بالمنطقة، كما أنها ليست حديثة عهد بالطيران، فالخطوط الإيرانية تأسست عام 1946م وهناك تقريباً 30 شركة طيران و49 مطاراً، مع ذلك عندما تنظر إلى واقع الطيران الإيراني اليوم تجد أنه متأخر عشرات السنوات عن محيطه.

الأسطول المدني الإيراني يضم 200 طائرة لكن جزءاً كبيراً من هذه الطائرات يبقى على الأرض فترات متفاوتة، ومتوسط عمر الطائرات في إيران 29.3 سنة، تنقل نحو 18 إلى 23 مليون مسافر سنوياً، وهو رقم متواضع في بلد سكانه يناهزون الـ100 مليون، بينما يبلغ عمر أسطول الطائرات في دول مثل السعودية وقطر والبحرين والإمارات بين 5 إلى 9 سنوات، وتنقل أساطيلها مئات الملايين سنوياً.

مع شح الأرقام التشغيلية تعاني الطائرات الإيرانية من نقص كبير في قطع الغيار والمحركات وخدمات الصيانة والتمويل والتأجير، في صناعة تعتمد على سلسلة إمداد عالمية شديدة التعقيد، وهذا يضاعف تحديات الصيانة واستدامة التشغيل ويزيد الضغط على السلامة.

حاول الإيرانيون تعويض ذلك بالتصنيع المحلي وإصلاح بعض المكوّنات وإطالة أعمار الطائرات، ونجحوا أحياناً في إبقاء طائرات قديمة بالخدمة لفترات معينة، لكن هذه الحلول في النهاية لا تعالج المشكلة.

صناعة الطيران الحديثة لا تقوم على مهارة إبقاء الطائرة القديمة أطول فترة ممكنة، وإنما على منظومة متكاملة من المصنع والتمويل والصيانة والتدريب والرقابة والتحديث المستمر.

على الضفة الأخرى من الخليج دول أصغر من إيران في المساحة وعدد السكان استطاعت أن تبني خلال سنوات منظومات طيران عالمية، وحوّلت موقعها الجغرافي إلى قيمة اقتصادية.

أما السعودية فالفارق أصبح أبعد بكثير، نحن أمام استثمارات بعشرات المليارات في المطارات والأساطيل والتقنية والخدمات اللوجستية وربط الطيران بالسياحة والتنمية والمدن الجديدة.

نعم، العقوبات لها دور كبير في واقع إيران الحالي لكن الفارق بينها وبين جيرانها الخليجيين لا يمكن اختزاله بالعقوبات، لأن السؤال الأهم ما الخيارات التي أوصلت إيران أصلاً إلى هذه العزلة؟

الدول تختار أين تضع مواردها، وما هي الملفات التي تستنزف طاقتها السياسية والاقتصادية، وما هي الصورة التي تريد أن تكون عليها بعد 20 عاماً. وحين تنشغل دولة مثل إيران على مدى نصف قرن بخلق صراعات إقليمية ومشروعات ممتدة خارج حدودها، من الطبيعي أن تدفع قطاعاتها المدنية الثمن.

حتى الموقع الجغرافي الذي كان يفترض أن يكون أحد أهم أصول إيران الجوية فقد جزءاً كبيراً من قيمته، فالمجال الجوي الإيراني كان بالإمكان أن يصبح مصدراً مهماً لرسوم العبور، إلا أن التوترات العسكرية المتكررة دفعت الشركات الدولية إلى تجنّبه، فالثقة في الطيران عنصر اقتصادي والشركات تبحث دائماً عن المسار الآمن.

المواطن الإيراني يدفع ثمن كل هذا التخلف، وهكذا تتحوّل مشكلات الطيران إلى قيود إضافية على الاقتصاد كله.

قل لي كيف هي مطاراتك، وما عمر طائراتك، وإلى كم مدينة في العالم تستطيع الوصول مباشرة، وما حجم الحركة في أجوائك، وكم تستثمر في التقنية والملاحة والخدمات اللوجستية، وسأعرف الكثير عن اقتصادك وطموحك ونظرتك إلى المستقبل، لأن الدول التي تفكر في الغد تبني المطارات، وتشتري الطائرات، وتفتح الأسواق، وتستثمر في الإنسان والتقنية، فهي تعرف أن الطيران حين ينمو تتحرك معه السياحة والتجارة والاستثمار والخدمات والمدن.

لو أن جزءاً من الجهد والمال الذي أنفق على القلاقل والصراعات والمشروعات خارج الحدود ذهب إلى تحديث المطارات والطائرات والاقتصاد والبنية التحتية وتحسين حياة الإيرانيين، ربما كنا اليوم نتحدث عن مركز طيران إقليمي كبير على الضفة الأخرى من الخليج، لكن الطائرات، مثل الاقتصاد، لا تطير بالشعارات.