أضع نفسي مكان صاحب مزرعة سعودية يدخل المزاد الدولي لمزارع إنتاج الصقور، وعن يمينه مزارع إنتاج محلية، وعن يساره منتجون قدموا من دول تمتلك تجارب طويلة في إنتاج الصقور، لا توجد هنا مساحة واسعة للمجاملات، فالصقر أمام المشتري، والمواصفات عالية الجودة، والسعر تحدده المنافسة، والنتيجة تظهر بوضوح عند إتمام البيع.


لهذا أرى أن إحدى أهم قصص المزاد لا توجد فوق منصة المزاد نفسها، وإنما داخل مزارع الإنتاج السعودية التي وجدت خلال الأعوام الأخيرة سوقًا مفتوحة تستطيع من خلالها اختبار جودة إنتاجها أمام منافسين من أنحاء مختلفة من العالم.


شهد المزاد عام 2025 مشاركة 19 مزرعة سعودية من إجمالي 67 مزرعة تمثل 23 دولة، وارتفع إجمالي عدد المزارع المشاركة بنسبة 20% مقارنة بالعام السابق، بينما زاد عدد الدول بنسبة 21%، هذه البيئة تضع المنتج السعودي وسط منافسة فعلية وتتيح للصقار مقارنة السلالات والمواصفات والأسعار داخل مكان واحد.


أرى في هذه المنافسة مكسبًا للمزرعة السعودية قبل أن تكون تحديًا لها، السوق المغلقة قد تمنح المنتج راحة مؤقتة، لكنها لا تخبره كثيرًا عن موقعه الحقيقي، أما عندما تعرض المزرعة إنتاجها إلى جوار مزارع إنتاج أمريكية وأوروبية وآسيوية، فإن المقارنة تصبح يومية ومباشرة، ويصبح المشتري هو الحكم.


ويخرج المنتج من هذه التجربة بمعرفة لا تقل قيمة عن المبيعات، يعرف السلالات التي يزداد عليها الطلب، ويتابع المواصفات التي يبحث عنها الصقار، ويرى طريقة تقديم المزارع الأخرى لإنتاجها، ويتعرف إلى أصحاب تجارب مختلفة، ثم يعود إلى مزرعته وفي ذهنه صورة أكثر وضوحًا عما تحتاج إليه دورة الإنتاج التالية.


وقد ظهرت خلال الأعوام الماضية نماذج سعودية رفعت حجم مشاركتها أو نجحت في بيع إنتاجها المعروض، وبرزت صقور من إنتاج محلي استطاعت الوصول إلى المراكز المتقدمة في المسابقات، لتكشف وجود قدرة سعودية على المنافسة عندما تجتمع جودة الإنتاج مع اختيار السلالات ومعرفة احتياجات الصقار.


أعتقد أيضًا أن الحديث عن اقتصاد الصقور يبدأ من هذه النقطة تحديدًا، فهي نشاط يحتاج إلى معرفة بالسلالات، ورعاية بيطرية، وتغذية، وتجهيز، وأيدٍ متخصصة، ونقل، وتسويق، وعلاقات مع المشترين، كل صقر يصل إلى منصة البيع تقف خلفه سلسلة من الأعمال والخبرات، وتزداد قيمة هذه السلسلة مع نمو السوق.


ويمنح قرار تخصيص أشواط فئة «الفرخ» في مسابقات الملواح للصقور المباعة من خلال المزاد بعدًا جديدًا لإنتاج المزرعة، فهو يلفت الانتباه أيضًا إلى المزرعة والسلالة التي خرج منها الصقر، وهذه العلاقة بين الإنتاج والمزاد والمنافسة مهمة جدًا في رأيي، لأنها تحول سمعة المزرعة من خطاب تقوله عن نفسها إلى سجل يمكن للصقار متابعته، والمزرعة التي تنتج صقورًا تحقق نتائج متقدمة ستجد أثر ذلك في نظرة المشترين إلى إنتاجها مستقبلاً، حينها سنعرف الأثر الحقيقي للمزاد على مستقبل إنتاج الصقور في المملكة.