التهاون مع أنصاف المواهب يؤدي إلى تدني الذائقة، ومع استمرارية تقديمهم، يصنع منهم النموذج للجيل الأحق، فكل جيل يبحث عن القدوة، وإن كانت القدوة متواضعة سيأتي الناتج جيلاً متواضعاً في مواهبه.
ومن الأخطاء المضرة التصفيق لأنصاف المواهب.
في السابق، كان المشرفون على التلفاز والجرائد والمجلات لهم عمق معرفي وفني يُقيّمون المواهب، ولا يُقدّمون أحداً إلا وقد أثبت مقدرته، وجدارته بامتلاك الحد الأدنى من الجمال الفني.
والحكايات كثيرة لأولئك المشرفين حين تم منع أنصاف المواهب من الظهور، أو منع كل من كان خارج سياق الأداء العام السامي.. وكان المشرفون على إجازة الأعمال الفنية والأدبية مشهوداً لهم بصفاء الذائقة، وأمانة الحرص على تقديم من يستحق.. في ذلك الوقت أوجد أنصاف المواهب سبيلاً للظهور والارتضاء بمقاعدهم في التصنيف بأن يكونوا في الصف الرابع أو العاشر، وبهذه الكيفية ظلت الذائقة مرتفعة وراقية، وظل كبار الفنانين خيطاً فاصلاً بين الإبداع وبين أنصاف المواهب، والتزموا بعدم تقديم من به اعتوار.. ومع تردي الأوضاع الفنية، تسلل أنصاف المواهب من خلال تقليد الكبار (وهذا في الجانب الغنائي) وبدؤوا من هذا الطريق، حتى لم يعد هناك من كبير، تناثروا في كل جهة، وقد ساعد في انتشارهم تعدد القنوات، وتغيّر وسائل الإرسال، حتى أصبح الفضاء الغنائي متسعاً، وأصبحت المساحات تطالب بـ(هَلْ مِنْ مَزِيدٍ).
والمزيد هذا، قدم أنصاف المواهب والطقاقات لأن يتسيدوا المشهد!
هذا التسيب، والإفراط في الهيافة لن يضر أصحاب الذائقة المرتفعة لكونهم وصلوا إلى نهاية العمر، الضرر الفادح سيكون لهذه الأجيال التي ما زالت في مرحلة التكوين، وأعظم الأضرار الحادثة مسح أو محو النموذج الفني والأدبي، وها نحن نرى بداية ذلك الضرر من خلال تقديم أنصاف المواهب وتسيّدهم، والتأكيد على أن هذا هو النموذج، والبكاء اليوم سيكون مناحة في الأيام القادمة.
وحقاً، سقوط النموذج يعني سقوط الذائقة الاجتماعية، وستتوالى حالات السقوط.
نعم، أعرف معادلة التغيرات الاجتماعية بفعل الحركة الزمنية، التي تنص على أن كل التغير يحمل معه نموذجه الخاص، ذلك النموذج الذي يرضى به المجتمع المتغيّر، أعرف ذلك، وكتابتي هنا وبهذه الصيغة ليس بكاءً على عمر مضى، بل بكاء على ذائقة تهشّمت تماماً، ولا تسعفني مخيلتي في تصور جدية وجمال النموذج القادم.


