أنا ضعيف جدّاً أمام لحظة الفراق. أبكي وجعي بحرقة، أكاد أذوب مع دموعي،

أرى تمزّق روحي، وأشاهد تصدعات قلبي بعيون اختلطت دموعها بسواد العين. ليس في معجم الإنسان كلمة تحمل من الوجع ما تحمله كلمة الفراق. مجرد مرورها على السمع يوقظ ذكريات كانت نائمة، ويبعث صوراً ظنّ أصحابها أنها غادرت الذاكرة.

ما أكثر ما يكتشف الإنسان أن الزمن ينجح في إخفاء الألم، لكنه يعجز عن اقتلاعه من جذوره!

الفراق امتحان لا ينجو منه أحد. يمر على القصور كما يمر على الأكواخ، ويطرق أبواب الملوك كما يطرق بيوت الفقراء.

لا يفرّق بين قوي وضعيف، ولا بين شاب وشيخ، ولا بين عاشق وعابد. الجميع يقفون أمامه متساوين، يتكسر كبرياؤهم، وتنصهر قلوبهم، وتملأ أعينهم الدموع.

فراق الموت هو أقسى أنواع الفراق، زلزال رهيب يعصف بالأرواح. يرحل الأحبة، ويبقى كل شيء كما هو، إلا أن الحياة نفسها تصبح مختلفة. يظل الكرسي في مكانه، وتبقى الثياب معلقة، وتظل الصور تبتسم بصمت، لكن صاحبها غاب إلى الأبد.

عندها يدرك الإنسان أن بعض الغياب لا يعوّض، وأن هناك أسماء لا يستطيع الزمن أن يصنع لها بديلاً.

فراق الحبيب هو الحكاية التي أنجبت أجمل قصائد العرب، وأشدها وجعاً.

لا شيء يكسر القلب أكثر من أن يبقى الحبُّ حيّاً، بينما تمضي الحياة في اتجاه آخر. ولعل أشهر من جسّد هذا الألم العاشق العربي قيس بن الملوح، الذي عاش عمره كله أسيراً لحب ليلى العامرية، ثم رآها زوجة لرجل غيره.

لم يجد ما يطفئ نيران قلبه إلا الشعر، فخرجت من أعماقه تلك الأبيات التي ما زالت تهز وجدان العاشقين:

بِرَبِّكَ هَل ضَمَمتَ إِلَيكَ لَيلى

قُبَيلَ الصُبحِ أَو قَبَّلتَ فاها

وَهَل رَفَّت عَلَيكَ قُرونُ لَيلى

رَفيفَ الأُقحُوانَةِ في نَداها

كَأَنَّ قُرُنفُلاً وَسَحيقَ مِسكٍ

وَصَوبَ الغادِياتِ شَمِلنَ فاها

فقال له: طالما سألتني بربي، نعم. فما كان من قيس إلا القبض على جذوة مشتعلة من حطبٍ حتى أحرقت كفيه ثم خرّ مُغمىً عليه.

ليست هذه الأبيات سؤالاً عن قبلة، ولا عن لقاء، وإنما صرخة إنسان يرى حلم عمره بين يدي غيره، ولا يملك إلا أن يسأل ليشقى.

فراق السفر يحمل لوناً آخرَ من الحزن، يشعرك بأن قلبك يغادر مع المسافر، ويبقى الوعد باللقاء معلقاً بين الأمل والخوف. تشتاق القلوب إلى صوتٍ، إلى رسالةٍ، وإلى وجهٍ اعتادت رؤيته. قد يعود المسافر، وقد لا يعود، فتظل الأرواح تترقّب الموانئ والطرقات والمطارات كما لو أنها تنتظر جزءاً منها.

يبلغ الحب ذروته عندما يصبح السؤال نفسه عذاباً، وتغدو الإجابة أشدّ قسوة من الصمت.

عجيب أمر الفراق! يبعد الأجساد، لكنه يزيد الأرواح قرباً. يطفئ اللقاء، لكنه يشعل الذكرى. وربما عاش عاشقان في مدينتين متباعدتين، بينما لا يفترقان في القلب لحظة واحدة. وربما اجتمع آخران تحت سقفٍ واحد، أحدهما يغني والآخر لا يجيد الإنصات.

كم من بيتٍ فقد دفئه برحيل أمه، وكم من مجلس خف ضجيجه بعد غياب صاحبه، وكم من مدينة أصبحت غريبة؛ لأن شخصاً واحداً لم يعد يسير في شوارعها. ليست قيمة الأماكن في حجارتها، وإنما في الذين يملؤونها

أقسى ما يصنعه الفراق أنه يعلم الإنسان قيمة الأشياء بعد غيابها.

يدرك قيمةَ كلمةٍ لم يقلها، واعتذارٍ أخّره، ويدٍ لم يُمسك بها، ولقاءٍ ظنّ أنه سيتكرر بلا نهاية.

الحياة قصيرة إلى حدٍّ لا يسمح بتأجيل المودة، ولا بتأخير الصفح، ولا بإخفاء مشاعر الحب خلف أسوار الكبرياء.

كثير من الذين رحلوا كانوا ينتظرون كلمةً طيبةً، وكثير من الذين بقوا يتمنّون لو عاد الزمن دقيقةً واحدةً؛ ليقولوا ما عجزوا عن قوله.

يبقى الفراق قدراً مكتوباً على البشر، لكنه لا يستطيع أن ينتصر على الذكرى،

فالمحبون قد تغيب وجوههم، لكنهم يواصلون الإقامة في القلوب، وتظلّ أسماؤهم تنبض كلما مرت نسمة، أو هطل مطر، أو عبر طيف قديم.

أجمل ما يتعلمه الإنسان من الفراق أن الحب الصادق لا يقاس بطول اللقاء، وإنما بعمق الأثر.

فثمة أشخاص يغيبون عن الدنيا، لكنهم يظلون يسكنون العمر كله، كأنهم لم يرحلوا أبداً.