يتساءل البعض ربما عن الجديد في نظام التعليم الجديد، وكأنهم يقولون بأن كل أو أغلب ما ورد في النظام كان موجوداً وكان معمولاً به. أعتقد أن نظرة فاحصة لمجريات الأمور خلال السنوات الماضية تكشف عن تغييرات كثيرة في التعليم وفي غير التعليم اقتضت ربما صدور هذا النظام. وكثير من تلك التغييرات كانت اجتهادات فردية أو غير فردية فرضتها ربما كمية محتويات التواصل الاجتماعي التي جعلت البعض يتخذ من بعضها مرجعاً لطلابه في المدرسة أو أبنائه في المنزل.

المتغيّر الآخر الذي لا بد أن نستحضره في قراءة وفهم نظام التعليم الجديد هو تحديات مستقبل سوق العمل في ضوء هيمنة الرقمنة والذكاء الاصطناعي والحاجة الماسة لنظام تعليمي يتميّز بالمرونة كي يستجيب للمتغيّرات التي باتت سريعة، فضلاً عن حجم تأثيرها وحجم التغييرات التي فرضتها وستفرضها.

من هنا نفهم لماذا لم يقتصر هذا النظام على تنظيم العلاقة بين المدرسة والطالب والمعلم، بل هو يعيد بناء فلسفة التعليم على أسس أكثر شمولاً، تضم الجودة، والعدالة، والهوية، والمرونة، والارتباط بالتنمية الوطنية.

كما أن إلزامية التعليم حتى سن الخامسة عشرة تؤكد على أهمية الاستثمار المبكر في رأس المال البشري، والحد من التسرّب، بما يضمن وصول كل طفل إلى الحد الأدنى من المعارف والمهارات التي تمكّنه من المشاركة في الاقتصاد والمجتمع.

كما أن النظام يؤكد على أن اللغة العربية لغة أساسية ليس لأنها لغتنا الأم، لكن النظام يستشعر حجم المنافسة العالمية والسوق المفتوح التي تقتضي التأكيد على اعتماد اللغة العربية لغةً أساسية للتعليم أهمية استراتيجية تتجاوز الجانب الأكاديمي، بل هي وعاء الهوية، وأداة التفكير، وحافظة الثقافة الوطنية. وفي الوقت نفسه، فإن السماح بالتدريس بلغات إضافية وفق ضوابط يحقق توازناً مهماً بين ترسيخ الهوية الوطنية والانفتاح على المعرفة العالمية، وهو توازن تحتاجه الدول الطامحة إلى المنافسة الدولية دون التفريط بخصوصيتها الثقافية.

كما أن فلسفة التعليم المتنوع جاءت تحوّلاً من فلسفة التعليم الموحد والذي يعكس النظام وعياً متقدّماً بأن جودة التعليم لا تتحقق بمنهج موحد لجميع الطلاب، بل بتعدد المسارات والفرص، وأن النظام التعليمي لا يزال مفتوحاً على المزيد من المسارات متى ما استدعى الأمر ذلك، بجانب المسارات المهنية والمتخصصة، إنشاء مدارس وفصول للبرمجة، والعلوم، والرياضيات، والفنون، والقرآن الكريم، وغير ذلك بما يراعي اختلاف الميول والقدرات، وتبني المواهب بدلاً من تذويبها في قالب واحد لأن التعليم أكثر ارتباطاً باحتياجات سوق العمل.

كما أن الكشف المبكر عن اضطرابات النمو والسلوك، وتعزيز دمج ذوي الإعاقة، ورعاية الموهوبين، وحماية حقوق الطالب، كلها مؤشرات على أن المدرسة لم تعد مكاناً للتعليم فقط، بل أصبحت بيئة متكاملة للنمو العقلي، النفسي، الاجتماعي، الانفعالي. فالطالب الذي يشعر بالأمان والاحترام والرعاية يكون أكثر استعداداً للتعلم والإبداع والابتكار.

كما أن تنظيم حقوق الطالب، ومنع تكليفه بمهام تخالف الأنظمة، يعزّز ثقافة العدالة المؤسسية داخل المدرسة ويغرس لدى الأجيال مبادئ سيادة النظام واحترام الحقوق وتحمل المسؤولية.

ناهيك عن أهمية تعزيز استقرار المنظومة التعليمية، ورفع كفاءة التخطيط بعيد المدى من خلال استحداث المجلس.

كما أن النظام أراد أن يضع حداً للجدل الدائر بين تيار التعليم الحضوري وتيار التعليم عن بُعد، فأكد على أن الأساس هو التعليم الحضوري مع أهمية الاستفادة من التعليم الإلكتروني في الحالات التي تقتضي ذلك، والاستفادة من التحوّل الرقمي.

أخيراً يبقى التطبيق لأي نظام هو المحك وهو الفيصل للحكم على نجاحه وجودته، مع الأخذ بالاعتبار أهمية أن يتمتع النظام بالمرونة الكافية والقابلية الواعية للتجربة والتطوير والتغيير كلما كان ذلك ضرورياً وحتمياً. فلا ننسى أبداً ودائماً أننا نتحدث هنا عن نظام التعليم وليس أي قطاع آخر، فالتعليم كما هو معروف ليس وزارة أو إدارة، بل هو قاطرة تجر وراءها كل قاطرات التنمية، وأي إخفاق للتعليم أو تعثر سوف ينعكس ويؤثر تلقائياً على كافة قطاعات التنمية في الوطن. أضف إلى ذلك أن المنافسة في رأس المال البشري، التي هي إحدى ميادين العولمة، يتحمّلها ويلام عليها التعليم، ومن هنا يصبح النظام التعليمي في أي بلد هو قطب الرحى وهو محط أنظار العالم اقتصادياً وسياسياً وتقنياً وعسكرياً.. إلخ.