أصبحت المعارض اليوم في المملكة العربية السعودية إحدى الركائز الرئيسة التي تعكس حيوية الاقتصاد الوطني، وتسهم في تعزيز الاستثمار، وتوسيع الشراكات، ونقل المعرفة، واستقطاب الخبرات العالمية، ومع تسارع وتيرة التنمية، تحولت هذه الفعاليات إلى منصات تجمع بين الطموح والابتكار، وتفتح آفاقاً جديدة أمام القطاعات الاقتصادية والصناعية والخدمية، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030. ويؤكد هذا الحراك المتنامي أن صناعة المعارض تجاوزت دورها التقليدي، لتغدو محركاً للتنمية الاقتصادية، وأداة فاعلة في بناء اقتصاد أكثر تنوعاً وتنافسية، يعزز مكانة المملكة مركزاً إقليمياً وعالمياً للأعمال والفعاليات، وبحكم خبراتي الطويلة والممتدة ومتخصصاً في قياس الأثر التنموي، أرى أن إنشاء مؤشر وطني لصناعة المعارض يمثل خطوة إستراتيجية تنسجم مع مسيرة التحوّل الاقتصادي القائم على المعرفة. ويأتي هذا المؤشر بوصفه منظومة متكاملة توفر معلومات دقيقة تدعم صناعة القرار، وتعزّز الاعتماد على التحليل العلمي في رسم السياسات وتطوير القطاع....
ينطلق المؤشر من قياس الأثر الاقتصادي الشامل للمعارض، متجاوزاً الإيرادات المباشرة إلى رصد الآثار الممتدة عبر سلاسل الإمداد، بدءاً من خدمات الإقامة والنقل، ووصولاً إلى الترجمة والتجهيزات التقنية والخدمات المساندة، ويمنح هذا الترابط صورة واضحة عن إسهام قطاع المعارض في الناتج المحلي، ومدى دعمه لتنويع القاعدة الاقتصادية، كما يمتد دوره إلى قياس جودة الاستثمارات والصفقات التي تنشأ خلال المعارض، مع التركيز على التحوّل نحو التصنيع المشترك، والشراكات البحثية، والاستثمارات ذات القيمة المضافة، بما يعكس جاذبية المملكة مركزاً إقليمياً للأعمال، ويسهم في تعزيز ثقة المستثمرين ودعم نمو رأس المال الوطني والدولي، وفي جانب الموارد البشرية، يقيس المؤشر حجم مشاركة الكفاءات الوطنية في الوظائف المتخصصة، مثل التخطيط الإستراتيجي، والتصميم، وتقنية المعلومات، الأمر الذي يوفر مؤشرات دقيقة تساعد على توجيه برامج التأهيل والتدريب، وتعزز انتقال سوق العمل نحو المهارات المعرفية والابتكارية.
كما يرصد المؤشر نسبة الاعتماد على المنتجات والخدمات الوطنية في تنظيم المعارض، بما يشمل التجهيزات، والخدمات الإعلامية، والمواد الغذائية، وهو ما يمنح صناع القرار رؤية أوضح لدور القطاع في دعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وتعزيز مرونة سلاسل الإمداد، ورفع مستوى المحتوى المحلي، ويولي المؤشر اهتماماً بقياس الإنفاق السياحي المصاحب للمعارض، مع التمييز بين المدن الرئيسة والمناطق الواعدة، بما يدعم التوازن التنموي بين المناطق، ويعزز دور المعارض في تنشيط الحركة السياحية والاقتصادية في مختلف أنحاء المملكة.
ولا يقتصر التقييم على رضا الزوّار والعارضين، وإنما يشمل كفاءة التواصل، ومدى تحوّل اللقاءات المهنية إلى شراكات مستدامة، بما يعكس جودة بيئة الأعمال، ويعزز مكانة المملكة وجهة مفضلة للفعاليات والاستثمار، كذلك يشمل المؤشر قياس الحضور الإعلامي الإيجابي للمعارض، إلى جانب متابعة تطبيق معايير الاستدامة في إدارة الفعاليات، مثل كفاءة استخدام الطاقة، وإدارة المخلفات، والمحافظة على الموارد، الأمر الذي يرفع القدرة التنافسية للمعارض الوطنية، ويعزّز فرص استقطاب الفعاليات الدولية..
وتتجاوز أهمية المؤشر حدود الرصد والمتابعة إلى استشراف المستقبل من خلال تحليل البيانات التاريخية واستخلاص الاتجاهات، بما يساعد الجهات الحكومية والقطاع الخاص على التخطيط المبكر، وتوجيه الحوافز نحو القطاعات الأكثر نمواً، وبناء قاعدة معرفية تدعم الدراسات الاقتصادية المستقبلية....
وفي الختام، يمثل المؤشر الوطني لصناعة المعارض بوصلة إستراتيجية تقود تطوير القطاع، وتربط بين المعرفة والاستثمار، والاستدامة والإعلام، والوظائف والتنمية الاقتصادية، بما يعزز مكانة المملكة مرجعاً عالمياً في اقتصاد الفعاليات، ويجعل المعارض رافداً مؤثراً في تحقيق مستهدفات التنمية الشاملة.


