في الوقت الذي ساد فيه الاعتقاد بأن الحرب بين الولايات المتحدة وإيران قد أوشكت على الانتهاء، عادت طبول الحرب لتدق من جديد، هكذا يبدو المشهد اليوم مع عودة المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، عقب فترة اعتقد كثيرون خلالها أنها قد تفتح الباب أمام تهدئة طويلة، وربما تسوية سياسية تنهي سنوات من التوتر المرير، غير أن الأحداث الأخيرة أعادت المنطقة إلى نقطة البداية، وأثبتت أن السلام الهش لا يصمد طويلًا إذا لم يستند إلى اتفاقات تعالج الأزمة من جذورها، لا مظاهرها فقط.

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم لا يتعلق بمن أطلق الشرارة الأولى، بل يدور حول أسباب عودة الحرب من الأساس، ولماذا أخفقت كل الجهود التي بُذلت خلال الفترة الماضية في بناء تفاهمات تمنع تكرار هذا السيناريو، من الواضح أن الإجابة عن هذا السؤال تكشف أن الأزمة بين واشنطن وطهران لم تكن يومًا خلافًا عابرًا يمكن احتواؤه عبر هدنة مؤقتة، بل هي صراع استراتيجي تتداخل فيه اعتبارات الأمن والنفوذ والاقتصاد والتحالفات الإقليمية والدولية.

لا شك في أن الاتفاقات المؤقتة تستطيع تأجيل الانفجار، لكنها لا تستطيع معالجة الأسباب التي تقف خلفه، فكلما هدأت جبهات القتال عادت الملفات العالقة إلى الواجهة مرة أخرى؛ من البرنامج النووي الإيراني، إلى العقوبات الاقتصادية، مرورًا بالنفوذ الإقليمي وأمن الممرات البحرية، وهذه القضايا لا يمكن حسمها عبر القوة العسكرية وحدها، كما أنها لا تُحل بمجرد إصدار بيانات سياسية تدعو إلى ضبط النفس.

الحرب، مهما بلغت دقتها التقنية، لا تصنع استقرارًا دائمًا، وقد تحقّق أهدافًا عسكرية محدودة، لكنها تفتح في المقابل أبوابًا جديدة للأزمات، فالضربات المتبادلة لا تقتصر آثارها على أطراف الصراع، بل تمتد إلى المنطقة بأسرها، وتنعكس على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد، ولهذا فإن العالم لا ينظر إلى المواجهة الأمريكية الإيرانية باعتبارها أزمة ثنائية بين طرفين، بل باعتبارها تهديدًا للاستقرار الدولي بأكمله.

ومن أكثر ما يثير القلق أن المنطقة لم تعد تحتمل حربًا جديدة، فالشرق الأوسط يعيش مرحلة مختلفة عن العقود الماضية، فقد أصبحت التنمية الاقتصادية وجذب الاستثمارات وتنفيذ المشاريع الكبرى أولويات رئيسية لدى كثير من دوله، وهذه الأولويات تحتاج إلى بيئة مستقرة، لا إلى أجواء يسودها التوتر والقلق، فالمستثمر يبحث عن الأمن قبل الأرباح، والأسواق تتأثر بالشائعات قبل الوقائع، وأي تصعيد عسكري ينعكس سريعًا على الثقة في الاقتصاد، كما أن استمرار الحرب يضع المجتمع الدولي أمام اختبار صعب، فهل سيكتفي بإصدار بيانات القلق والدعوة إلى التهدئة، أم سيتحرك بصورة أكثر فاعلية لإعادة الأطراف إلى طاولة المفاوضات؟ لقد أثبتت التجارب أن الاكتفاء بإدارة الأزمات لا يمنع تكرارها، وأن السلام الحقيقي يحتاج إلى معالجة جذور الخلاف، لا إلى تأجيل الانفجار حتى موعد آخر.

وفي المقابل، لا ينبغي التقليل من أهمية الدبلوماسية -حتى وإن بدت اليوم عاجزة عن وقف التصعيد- فالتاريخ يعج بحروب انتهت عند طاولة المفاوضات بعد أن عجزت القوة العسكرية عن حسمها بشكل نهائي، ولهذا فإن العودة إلى الحوار ليست علامة ضعف، بل انعكاس لإدراك حقيقي بأن استمرار المواجهة يحمل خسائر متبادلة، وأن كلفة الحرب غالبًا ما تتجاوز بكثير أي مكاسب سياسية أو عسكرية، ومن المؤكد أن دول المنطقة تتابع هذه التطورات بعين القلق، لأن أي اتساع للصراع ستكون له انعكاسات تتجاوز حدود الدول المتحاربة، لتشمل التجارة الدولية وأسواق المال وأمن الطاقة وحركة الملاحة البحرية.

لقد عادت الحرب للأسف، ولكن علينا ألا نفقد الأمل، والبديل عن الحوار ليس النصر الحاسم، بل مزيد من الدمار وعدم اليقين، وإذا كانت القوة قادرة على تغيير موازين المعارك، فإنها لا تستطيع وحدها بناء سلام مستدام، بل الإرادة السياسية المدعومة برؤية واقعية ومسؤولية دولية هي من تستطيع وحدها أن تحول الهدنة المؤقتة إلى استقرار دائم، والسؤال الذي يطرح نفسه الآن بقوة هو: هل أُعطيت الدبلوماسية الفرصة الكافية لتنجح؟ فالتاريخ يعلمنا أن الحروب تبدأ بقرار، لكنها لا تنتهي إلا بقرار آخر أكثر شجاعة، قرار يضع مصلحة الشعوب فوق حسابات الصراع، ويجعل السلام هدفًا لا مجرد هدنة مؤقتة، وبين صوت السلاح وصوت العقل، يبقى الأمل معقودًا على أن ينتصر الخيار الذي يحفظ الأرواح، ويصون الاستقرار، ويمنح المنطقة فرصة تستحقها لبناء مستقبل أكثر أمنًا وازدهارًا.