قطع صوت الدقّ نومة (ورطان)، فنهض مردّداً: كل ما شافتني هذي المخلوقة باغفي وانتسم لي ساعة، قامت تقربع وتقرقع، وتنبّش وتفتش لها على شغلة تنكد بها عليّه بنت نيصان، كنّ دقّها وسط رأسي، سحب الباب، وإذا بها محتضنة المهراس بين قدميها، والوِدِي بيدها، تدق حِنّا، اشتله بحناه وحدحد به من ركن جناح يطل على ساحة المسيد، والفقيه والأولاد في الظلة يتحفظون جزء عمّ، صاح الفقيه، الله يجعل ايدك بالكسر يا من حذفت، بغيت تغديني أنا والورعان رُمعه.

لزم (ورطان) الصمت، ومرته نزلت تلاحق مهراسها. مدّ نظره إلى حوش (جلاب الكباشة) وإذا هو في فيّة الحماطة، وصبيّته قبالته، اشتل عمره ووجّه، وما هلا استقعد، قالت زوجة الجلاب (من جا بدون داعي يقعد بدون فراش) لمح في زوجها وفي خاطره بيردّ عليها، لكنه اكتفى بصب فنجال من المصفاة، وقرّب منه صحن بلح رنيَه، فقال، ودّنا ببراد شاهي شيره، فحرّك الجلّاب رأسه، وقامت الزوجة وهي تزرم مرددة، أُخرى بعد يتشرّط أبو صندحة كما زبرة الصانع.

لفّ عمره، ونشد، اسلم وش هذي الخطوة اللي جرّتك ويلينا؟ ردّ عليه، لك الله اني تحاليت البُراد يهب من الخلف، وغفيت وما غطت عيني إلا وبنت نيصان تدق، دقوا محاشم أبوها فوق هضاب الصُنّة، علّق الجلاب ليسليه، ما يعطي من بنات فاطمة إلا الله، ودخيلك فيها لا تصخاها ترى وقفتها معك ما يوقفها أخوك ولد أمك وآبوك، لو ما غير تشطّي وتقصّب وتعفّي وتصرم وتديس، وتفزع مع اللي يحفظون الجميل، والعاقل خصيم نفسه، فقال، يا الرفيق أنا ودّي بحُرمة كما السبع العادي، ما هب كما هذي تتضيمر كما الأفعى وتتسلبى كما الشبّارة، ولو لقصتك لقصتها والقبر.

نقل الجلاب المسند على شماله، مع حطت البراد الشاهي، فرفع الغطا ونكّسه مرتين ثلاث، وحط الفنجال عِقال فيصل على (عُنق الغوري) وقال خله يخدر، وقابل صاحبه بالوجه قائلاً، لا تجحد الفضل، والله إنها مودمانية، ولا هي دون شيء، صليبة راس، ولولا الله ثم هي، يكنّك قد بعت تركة أهلك بالباع والذراع ولما بقّى منها رباع، وتبسّم وأضاف، ليتك تلمح في هيالتها وجسامتها وأنت كما القُراد في قعر البعير، ثمّن تمقّل هذي اللي معي تخرع طايفة من الجنّ لك الله لو ما اغمض عيوني لتموت همّتي، وغمزه في فخذه الأيسر، مضيفاً، تحسبني مدري عنك يا فحل البساس، لو ما لقيت عندك بنت نيصان ما يكيّف راسها، تكون قد زقت بك لام الدمون، وبدأ يقصّد (يا حيّ لي يا زكي كرام، اللي يشرّف لنا المقام، يهبد كما هابد الغمام، يدعق عضايد في الظلام، ويروي البلاد المسنيّة) فالتقط (ورطان) عوداً يابساً، وكسره ورماه باتجاهه قائلاً: (كسرت في عينك عود، وثوّرت في عفلتك عبرود، والشرّ ما يعود).

باءت محاولات الفقيه لإقناع (ورطان) بحضور دروسه في المسجد بالفشل، قال، باعلّمك أمور دِينك، واحفظك الأصول الثلاثة، رفض وقال، إن كان تشبرني في مدّ حنطة ليت لي في اللي عندي (كما الدبا الحنان يقضم الأخضر واليابس) حلقي مليان سفان تقل في بطونهم يمنه، وبلادي كما آذاني الفار، لا تعبي الشدوق، ولا ترتق الفتوق، والحالة حالة والعيشة نخالة، ولكي يكسر شوكة الفقيه ويسد نفسه عن مطالبته بحضور الدروس، أضاف، وأنا أعرفك وأعرف مواريك ومساريك، يا حرامي القدور، وفادع الخدور، وشاهد الزور، وشنهي فقاهتك اللي ما جمّلتك من أبوك وأمك ماتوا يدعون عليك، خصره الفقيه وانكلت من ثغرة المسراب وكنه ما سمع شيء، وفي نفسه يقول، الله لا يجعل واحد منهم يتعلّم أنا كما اللي يقوّز الرمادة.

صحي (ورطان) فجر الخميس، نشدته زوجته، وين بتلقّي، جاوبها، باهبط، فقالت ساخرةً، تهبط تسعّر الحنطة والا تصرف الجنيهات؟ ردّ بصوت منكسر، نمدّ الساق وربّنا الرزاق، هبط يجرّ الخُطى، لا في ثمّه ولا كُمّه، في خاطره إن الله يسخّر له ابن حلال يفك زنقته، فالتقاه بعض الوعّاظ الصلفين، وكانوا يختارون عينات عشوائية من المتسوقين لامتحان سلامة عقيدتهم، ولكي يتأكدون أن الفقها يدرسون جماعتهم في كل قرية، نشدوه، وش اسمك، ردّ، (ورطان)، ما عجبهم الاسم، ولا الخِلقة تقطع الخميرة من البيت، ولا الهيئة الرثّة، فطبّلوها بسؤال، بيش تعرف ربك؟ جاوبهم من واقع الحال، اعرف ربي بالفقر، فاستلموه بالجَلْد لين بال تحته، وهو لا يدري لماذا يجلدونه.

تفقد أعضاءه، وتلفلف عماته وعدّل زنوبته، وصدر، وعيناه في السماء، وفي داخله نشيج وصدى يسخر ويعاتب، مدّ الساق وربك الرزاق، جاك رزقك اللي ما وراه، فصعبت عليه نفسه، وانفرط يبكي، ولحسن الحظ لقي لي وكر ماء، فغسل وجهه، وحلف ما يروح البيت، بتتشمت فيه المرة وهو ما عاد في صدره سعة لمخلوق، راجع حساباته، وقال، ليتني رقدت وسمعت كلامها، لكن الخطل ما تنحني قرونه، لين يلبونه بالشون بين عيونه.

وهو فوق الكظايم، أقبل عليه شقيقه (شرطان) بجمله القرحان، وطلب منه يسقيه، قائلاً، ياخه جاني ضيفان، وغداكم من غداهم اسق الجمل، وفي الركيب حطب شدّه فوق ظهره وهو بيسدك، اعتذر منه وقال: دخيلك حِل عني، ما اعرف للجمل وش ادراني بالجمّلة، تدخّل به لين وافق، وقال، ما بيكربك دروب الجمل: دلّه ع الما وهو بيشرب ونوّخه وحمّل الحطب، وما صدّق الجمل المستفزّ إن ورطان ملقيه ظهره، يجمط في الحبق، فأصدر هديراً، التفت له، وتناوله بكَرَبته، وكرّبه وهشّم عظام لحييه ولو ما هي حماته (خضراء) فزعت وفرّعت بشعرها قدام الجمل، فهكب وفكه ما في عينه قُطرة، وما روحوه إلا يزفونه، وكانوا يسامرونه على أنه ملقّي، بغوا يذبحون الجمل فحندر فيهم، يعني لا تذبحونه، وطلبوا في الفقيه علي بن صالح، فجبّر لحييه وركب له محقن ومدّ ليّاً إلى حلقه، يحقنونه بالفريقة واللبن والسمن، والرجال مقصمر، ومن كثرة الحقن، تعافى وانتفخ لين غدا كما الشكوة المنفوخة، والفقيه يتبدى عليه من الكُترة ويخرج له لسانه، بيش تعرف ربك ذلحين؟.