منذ فجر السابع عشر من تموزـ يوليو، حين ارتفعت أعمدة الدخان معلنة سقوط أول القتلى الأمريكيين، دخلت المنطقة زمناً سياسياً جديداً تتكشف ملامحه يوماً بعد يوم، غير أن فهم هذا الزمن لا يبدأ من الحدث ذاته، بل من طبيعة النظام الذي صنعه. ليست الحرب الدائرة اليوم في الشرق الأوسط صراعاً بين قوتين تتنازعان النفوذ، بل هي فصل جديد من قصة قديمة عنوانها نظام اختار منذ ولادته أن يكون مشروع فوضى لا مشروع دولة، فإيران التي تلقّت من المجتمع الدولي فرصة نادرة للخروج من عزلتها عبر مذكرة إسلام آباد، لم تحتج سوى ثلاثة أسابيع لتنقلب على توقيعها وتعود إلى سيرتها الأولى، تقصف السفن التجارية في مضيق هرمز وتحوّل شرياناً حيوياً للاقتصاد العالمي إلى أداة ابتزاز، وكأن قدرها ألا تجيد من لغات السياسة إلا لغة الرهائن، رهائن كانوا بشراً في سفارة طهران عام تسعة وسبعين، فصاروا اليوم ناقلات نفط وممرات ملاحة واقتصادات شعوب بأكملها، ثم جاءت جريمتها في استهداف دول الجوار لتكشف الوجه الحقيقي لهذا المشروع، فاستهداف الأعيان المدنية بصواريخها الغادرة لم يكن عملاً عسكرياً ضمن حسابات الردع، بل اعتداء آثم على أرض دول عربية ذات سيادة لم تعلن حرباً على أحد، والمثال الأبرز استهدافها الإجرامي للمنشآت النفطية في الكويت ومحطات تحلية المياه التي يشرب منها المدنيون، وهي أهداف لا يختارها جيش يقاتل جيشاً، بل نظام يعاقب الشعوب على جريرة لم ترتكبها ويرى في معاناة الأبرياء ورقة تفاوض، والمفارقة أن طهران التي ترفع منذ أربعة عقود شعارات المقاومة والكرامة لم توجّه صواريخها يوماً نحو من تدّعي مقاومته بقدر ما وجّهتها نحو جيرانها العرب، فحيثما امتدت يدها امتد الخراب، من بيروت المخطوفة إلى صنعاء المدمرة إلى بغداد المستنزفة، واليوم تحاول تصدير محنتها إلى ضفة الخليج العربي الأخرى، حيث تنهض مشاريع التنمية والعمران، لكنها تصطدم هناك بمنظومة دفاعية متيقظة وإرادة راسخة حوّلت اعتداءاتها إلى شظايا تتساقط في الفراغ، وإذا كان بعض المحللين يجادلون بأن إيران أثبتت قدرتها على الصمود، فإن الحقيقة الأعمق أن هذا الصمود المزعوم ليس سوى قدرة نظام على التضحية بشعبه إلى ما لا نهاية، فأي إنجاز هذا الذي يتحقق بإحراق اقتصاد البلاد وعزلها عن العالم وتحويل شبابها إلى وقود لمغامرات لا ناقة لهم فيها ولا جمل، وأي عقيدة تلك التي ترى النصر في كل خراب والكرامة في كل حصار، إن ما ينتظر المنطقة في الأسابيع المقبلة، سواء جاء على شكل حملة عسكرية حاسمة تقتلع أنياب هذا المشروع أو تسوية تكبّله بقيود صارمة، يجب أن ينطلق من درس لم يعد يحتمل التجاهل: أن استقرار الشرق الأوسط لن يتحقق بترويض سلوك طهران مرحلياً، بل بإنهاء قدرتها نهائياً على تهديد جيرانها، فالمنطقة التي قدّمت للعالم رؤى التنمية والانفتاح والمستقبل لم يعد مقبولاً أن تظل أسيرة نظام لا يجيد سوى صناعة الأزمات، والتاريخ لا يرحم من أُتيحت له فرصة السلام مراراً فاختار في كل مرة طريق النار. وحدها الشعوب التي اختارت البناء على الهدم، والمستقبل على الشعارات، ستكتب الفصل الأخير من هذه المواجهة، أما النظام الذي راهن على الفوضى طريقاً للبقاء فسيكتشف، كما اكتشف كل أشباهه عبر التاريخ، أن الفوضى لا تحمي أحداً، وأنها تلتهم صانعها قبل ضحاياه.