أصبح وجه القرية (شاحباً) على غير ما كان عليه بالأمس، ولبست الملامح الراضية أقنعة التوتر والقلق؛ إذ قلّما اجتمع في موسم واحد؛ يباس الفرع؛ وجفاف الضرع، واختلاف الطبع، وزادت الطين بلّة؛ حادثة ألقت بثقل ظلالها على الجميع، برغم أن المتسبّب وافد؛ إلا أنه صار كل واحد خائفاً على نفسه ويدوّر الفكة؛ ولو بالسفر إلى غير وجهة.
وكاد المرجفون يلصقونها التهمة في ظهر الغلبان (جيعان) المحسود على تركة خلّفها أسلاف ما ينشرع في بحورهم، وبما أن الفقيه، حاول الارتباط بأُم جيعان، فباءت محاولاته بالفشل؛ وحاقت في وجهه رمادة؛ تزعّم الموقف، واستعد بتوفير شهود الزور لإدانة (جيعان)، وحبك المؤذن القصة؛ ومررها لزوجته، التي لها مقدرة على الغيبة والنميمة؛ بحكم لياقتها التي تساعدها على سرعة الانتقال، وما اكتفت بإذاعة الخبر بين نسوة القرية، بل أشاعت الخبر المُلفق في أودية وشعاب تشترك فيها أكثر من قرية.
قرر (جيعان) الشردة من الديرة؛ تفادياً لتبعات اتهام، ربما يودي بحياته؛ والمسكين لا في بطنه ولا في ظهره؛ ولأنه لا يثق إلا بالمُرابي (شبعان الرأسمالي) لجأ إليه كونه يؤمن بلُغة المصالح؛ وما هلا شافه وهو يعرف أن حبل المودة بينهم ملشلش؛ هشّ له وبشّ، وفزّ من مقعده وأجلسه مكانه؛ وقرّب له زبدية السمن وصحن تمر؛ وحلف عليه ليختفس؛ فاختفس؛ وداخله يردد (خفسوا بك لأم السامط)، ثم ناوله فنجال قهوة، وقال شُرحة اللافي عِلمه، ردّ عليه؛ أعلامنا خير والصلاة على النبي، البلاد ما عاد يا عم شبعان فيها سرّة، وأنا ودي ألحق بالطحاطيح في الظهران، واشتغل في أرامكو، وبغيتك تفزع لي بقروش، وإن شاء الله لأردّها لك من ساعة استلم أول راتب.
رد عليه؛ ونعم وكفو، وأبشر بسعدك، ولو إنّك ما جيت في وعدك؛ ومثلك ما ينرد له طلب؛ وبدأ يكنكن ويلكّن؛ قائلاً؛ لكن كِنْ السيولة هذي الأيام لك عليها؛ وحلف له با غلظ الأيمان أن حلاله عند الناس، وأوصله لمرتبة التيئيس؛ ثم بدأ في مساومته؛ مرة يقول؛ ودك تعطيني أمك؟ ومرة يقترح عليه؛ ينتف له شعرة من شاربه الكث لتكون رهناً؛ ولاحظ (جيعان) أنه يتمهزأ به؛ وللبدع ردود؛ فقال؛ أمي ما بتأخذ بعد الذيب جُعري؛ فحمّر وجهه؛ وأضاف؛ وشنبي أكرم من ميلانك وذهبك وفضتك؛ وكان (شبعان) متكي فاستقعد؛ وقال؛ تغلط عليّه وانته في بيتي؟ فقال؛ لانك لوّيا ما فيك مُخ، وما جمّلك في عيون حمران البطون إلا فلوسك، وتراني أعرف منين لك هذي الميلان يا سرّاق نسوان مكة؛ فلا تخليني أبذح الفحذة، وأشهّر بك بين الشاني والعاني؛ شَعُر بالخطر؛ فلطّف له القول؛ وحلف له أنه يمزح وما درى أن صدره قصيف، وأضاف؛ وينك من آبوك اللي ما كان أوسع من صدره، علّق في داخله؛ ولا أوسع من بطنك.
قال (شبعان الرأسمالي) لا تزعل يا ولدي؛ تراني ما جيت أدوّر لك انت اللي جيتني برجلك والسلفة اللي تبغاها با دبّرها لأنك من ريحة غالين، وجيعان يقول في نفسه؛ والله إنك كذاب؛ فقال؛ ترهن عندي شقّة مسقوي على بير عِدّ وباحرث واثبّي واصرم لين توفي دَينك! ردّ عليه؛ مدخلي عليك خلّها عثّري؟ فقال؛ يفتح الله؛ واستدرك ثم قال؛ إن كانت عثّري باعطيك خمس عشرة فرانسي؛ ردّ عليه؛ والله ما تكفّي ولا توفّي، قال؛ وإن خليتها عثري ومسقوي تبشر بخمسة وثلاثين جنيه جورج؛ قال (جيعان)؛ تم؛ وتلفت ليطمئن أن ما أحد يسمع، فقال؛ تردها أربعين وانت ما تشوف الطريق؛ والا أربعمية من ورق الشيبة؛ علّق؛ هات ويسير خير.
ودّع (جيعان) أمه التي ما كفّ نونها؛ تبكي وتلوم، فاحتج على بكاها، وقال؛ أنا رجّال وش أقعد أسوي عندك ترضعيني، وما صدق أنه لقي له مكان مع بن رجا، الذي قال؛ ترى حدّي الطايف، ومنياك تدبر نفسك، سلّمه جنيهاً للأجرة والمعوشة؛ فحلف ما يركب إلا جنبه في الغمارة، وما أطمأن قلبه إلا بعدما طمى الموتر من صفا البراقه، وطلب من السواق يشغّل شريط سعيد عمر، (قال ابن مصلح قلوب اهل المحبة شفافيق؛ ون كان كذّبتني فالمح وشُف يا نعيسان).
كان (جيعان) من أنبه عُمال أرامكو تعلّم بسرعة؛ وأتم دراسته؛ وخلال سبعة أعوام، غدا أحد أبرز الكوادر التي يعتمد عليها الخواجات؛ وتهندم بالبدلة الافرنجي؛ وأعجبته نفسه؛ فصار ينادي بحقوق العُمال؛ وخصوصاً بعدما حفظ أغلب ما جاء في كتاب كارل ماركس (رأس المال) وحذّرته الشركة من تحريضه زملائه على الإضراب، والمطالبة بزيادة الرواتب؛ ولم يستجب، فقررت الشركة فصله، ولم يجد بُدّاً من العودة إلى القرية.
حطّ جيعان (شبعان) في رأسه وعزم يبيّعه كل ما يملك؛ وبعد أيام الحفاوة؛ وما جاء به له من هدايا؛ خصوصاً الرادي؛ الذي يحرك له مؤشره كل ليلة على (صوت العرب) ثم حبك الحِيَل، فطلب منه يموّل الأهالي؛ لتعزيز روح الاشتراكية، سأله؛ شنهي الاشتراكية؛ فأجابه؛ نعطي كل فلاح مبلغاً من المال، وندخل المواطير؛ ونحافظ على الثروة الحيوانيّة، وأهل القرية شراكة في اللقمة والجغمة، بلاد واحدة من أعلى الشعب إلى أسفله؛ الفَرْقة واحدة، وضيفنا واحد؛ ومبدانا واحد؛ والشور شور الأكثرية من المزارعين، ووشوشه إذا عجزوا عن السداد خُذ بلادهم لك وأنا ما ابغي إلا تسقط ديني وإن كان بعد لك شفّ في الكهلة تراها جتك لو ما غير تتشمشم نسمتك.
شكّك (الرأسمالي) في نوايا (الاشتراكي)؛ ولكنه يجيد الإقناع بلغة الأرقام؛ وأقسم له بأنه سيخليه حديث الناس؛ ويصير مثل البنك الدولي (العوايد كلها تصب فيه)، يأخذ أرباحه؛ وبقية الأموال تُصرف على عوامل الإنتاج؛ حفر آبار، وتوفير أسمدة؛ وزراعة أشجار مثمرة، وتزبيب العنب؛ وعيّن نفسه أميناً للصندوق والمحاسب، والفقيه رئيس مجلس الإدارة؛ والمؤذن السكرتير، والشاعر مدير العلاقات العامة؛ ونجح في تمرير حيلته؛ وأوصى الأهالي كلما استلم أحدهم مبلغاً من (شبعان) يسلمه الفلوس، ليسافر ويؤمّن لهم مواد الانتاج.
اشترى سيارة وحراثة، واحتفت القرية بالتطور؛ الذي سبقت به كل جيرانها؛ وكل شهر يسافر (جيعان) يقضّي بدراهم (شبعان) بعض المُتفق عليه، والباقي يشتري لنفسه به عقارات في مكة وجدة، وحانت ساعة الفصل، فلجأ (جيعان) لشيخ القبيلة، وقال؛ يا شيخنا صاحبك (شبعان) امتص دم ودسم الأرامل والأيتام والشيبان والكهيل، (مرابي) ما يخاف الله؛ وأضاف؛ لا ووده يغيّر دين الناس؛ يمدح الاشتراكية، ويقول؛ الحياة مادة؛ وكلام لا جانا من الله ولا من رسوله؛ فاستدعاه الشيخ، وقال؛ إما رجال تلزم حدّك والا رفعت بك للدولة، فلزم الصمت وعرف أن (جيعان) نكسه على دماغه؛ تبوأ (جيعان) موقع الرأسمالي، وصار (شبعان) يقيم الكلب ويقعد مكانه؛ وكلما شافه أهل القرية؛ قالوا؛ ذقها؛ ليتها من عيونك؛ ويشمتون به؛ مرددين؛ علوة من بغاه كله خلاه كله.


