لم يعد أخطر ما يهدّد خصوصية الإنسان هو اللص الذي يقف أمام منزله، ولا ذلك الذي يراقب تحركاته من بعيد. ففي كثير من الأحيان، أصبح صاحب المنزل نفسه هو من يتولى هذه المهمة دون أن يشعر. فهو يخبر الجميع متى غادر، وأين سافر، وكم سيغيب، ثم يوثق ذلك كله بالصوت والصورة، وينشره طواعية على وسائل التواصل الاجتماعي، وكأنه يكتب تقريراً يومياً مفتوحاً لكل من يشاهده.

هنا تتغير قواعد اللعبة تماماً.

فاللص الذي كان يحتاج قديماً إلى أيام، وربما أسابيع، حتى يتأكد من خلو المنزل من أصحابه، لم يعد بحاجة إلى كل ذلك. يكفيه اليوم أن يراقب «الستوري» الخاص بك، ليعرف ما كان يحتاج في الماضي إلى مراقبته بنفسه.

وقد أعادت واقعة متداولة أخيراً في إحدى الدول العربية هذا السؤال إلى الواجهة، بعدما كشفت التحقيقات عن سرقة منزل إحدى الأسر المعروفة إثر سفر أفرادها إلى خارج البلاد، بينما كانت تفاصيل الرحلة تُنشر تباعاً عبر وسائل التواصل الاجتماعي. والمفارقة أن الجناة لم يكونوا غرباء، بل من أشخاص يعرفون الأسرة ويتابعون ما تنشره. فكان «الستوري» كافياً لتأكيد خلو المنزل، وتحوّلت المعرفة إلى وسيلة للاستطلاع، ثم إلى جريمة.

لكن القصة في حقيقتها لم تكن قصة سرقة.. بل قصة وعي.

فاللصوص لم يتطوروا وحدهم.. بل نحن أيضاً تطورنا في مساعدتهم.

في تقديري، لم تعد المشكلة في تطور أساليب الجريمة بقدر ما أصبحت في تراجع وعينا الأمني أمام اندفاعنا لنشر كل تفاصيل حياتنا. لقد دخلنا دون أن نشعر عصر الكرم الرقمي؛ حيث أصبح بعض الناس أكثر سخاءً في مشاركة تفاصيل حياتهم مما ينبغي، بينما الحقيقة أن اللصوص وحدهم هم الذين استفادوا من هذا التطور أكثر مما استفدنا نحن.

تبدأ القصة بصورة من المطار، ثم «ستوري» من وجهة السفر، ثم تعليق عابر يقول: «إجازة عشرة أيام». وفي اللحظة نفسها، يبدأ شخص آخر في جمع هذه التفاصيل، لا ليشاركك فرحتك، بل ليبني منها خريطة كاملة لحياتك.

ولعل أخطر ما كشفته تلك الواقعة أن الخطر لا يأتي دائماً من الغرباء، بل قد يأتي أحياناً ممن يعرفونك جيداً، ويتابعونك أكثر مما تظن. فالثقة قيمة عظيمة، لكنها لا تُغني عن الحذر، والصداقة لا تعني أن كل تفاصيل حياتك يجب أن تكون متاحة للجميع.

وفي علوم الأمن، هناك حقيقة لا تتغير: أخطر المعلومات ليست دائماً المعلومات السرية، بل المعلومات الصغيرة التي تبدو بلا قيمة إذا نُظر إليها منفردة، لكنها تصبح شديدة الخطورة عندما تُجمع معاً. صورة، وموقع، وموعد سفر، ومدة غياب.. وفي النهاية تتشكل أمام المجرم صورة شبه كاملة عن حياتك اليومية.

وهنا يبدأ ما يعرف أمنياً بالاستطلاع المفتوح (OSINT)؛ حيث لا يحتاج المجرم إلى اختراق هاتفك أو حساباتك، لأنك تكفلت بنفسك بتزويده بالمعلومات التي يحتاجها.

ولهذا، لم يعد الحديث عن الخصوصية مجرد شأن اجتماعي أو خيار شخصي، بل أصبح جزءاً من الأمن الوقائي. فالقانون سيلاحق الجاني ويعاقبه، لكنه لن يستطيع أن يمنع الإنسان من منح المجرم معلومات لم يكن ليصل إليها لولا أنه نشرها بنفسه.

وليس المقصود أن نتوقف عن مشاركة لحظاتنا الجميلة، وإنما أن ندرك الفرق بين مشاركة الذكرى، ومشاركة المعلومات التي قد تتحوّل إلى مخاطر أمنية على الإنسان وأسرته وممتلكاته.

ولعل ما يدعو للتأمل أن بعض المستخدمين أصبحوا أكثر حرصاً على حماية كلمات مرور حساباتهم البنكية من حرصهم على حماية تفاصيل حياتهم اليومية، مع أن الأخيرة قد تكون الطريق الذي يبدأ منه الضرر كله. فالأمن الرقمي لا يبدأ من كلمة المرور فقط، بل يبدأ من سؤال بسيط ينبغي أن يسبق كل منشور:

هل يحتاج الناس فعلاً إلى معرفة هذه المعلومة؟

وهنا يظهر الجانب القانوني الذي كثيراً ما يُغفل. فالإفراط في نشر المعلومات الشخصية قد لا يكون مخالفة في حد ذاته، لكنه قد يفتح الباب لسلسلة من الجرائم اللاحقة؛ من السرقة والاحتيال، إلى انتحال الشخصية، والهندسة الاجتماعية، والابتزاز الإلكتروني. ولهذا، فإن الوعي الأمني اليوم لم يعد مسؤولية الجهات المختصة وحدها، بل أصبح مسؤولية كل مستخدم يحمل هاتفاً في جيبه.

وفي المملكة العربية السعودية، حيث ننعم ولله الحمد بمجتمع ينعم بدرجة عالية من الأمن والاستقرار، تبقى هذه النعمة دافعاً لمزيد من الوعي، لا سبباً للتهاون. فالأخذ بالأسباب لا ينتقص من الثقة في أمن الوطن، بل يجسّدها، ويعكس وعياً بأن الوقاية كانت وستبقى الشريك الأول للأمن.

فالخصوصية اليوم لم تعد تعني أن تغلق باب منزلك فقط، بل أن تعرف أيضاً متى تغلق كاميرا هاتفك، ومتى تؤجل النشر، ومتى تحتفظ ببعض التفاصيل لنفسك. فليس كل ما نعيشه يستحق أن يُنشر، وليس كل ما يُنشر يستحق أن يُعرف.

وقد لا تستطيع أن تمنع وجود اللصوص.. لكن تستطيع أن تتوقف عن العمل لديهم مرشداً سياحياً.