اعتدنا عند الحديث عن جذب الاستثمار الأجنبي أن نركّز على الحوافز الضريبية، وسهولة ممارسة الأعمال، وسرعة إصدار التراخيص، وتطور البنية التحتية. لعقود طويلة اعتبرت هذه العناصر هي المعايير التي تتنافس من خلالها الدول لاستقطاب الشركات العالمية ورؤوس الأموال. خلال السنوات القليلة الماضية المشهد الاقتصادي العالمي تغيّر بصورة دراماتيكية، فالشركات لم تعد تبحث فقط عن أقل تكلفة أو أقل ضريبة، بل أصبحت تبحث عن بيئة تمنحها القدرة على الاستقرار والنمو لعقود. من هنا بدأت أداة جديدة تدخل في معادلة التنافس بين الدول وهي السياسة العقارية. وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى السياسة العقارية بوصفها امتداداً للسياسة الاقتصادية، وليست مجرد إطار لتنظيم الملكية. قد يبدو الأمر غريباً، وهنا يأتي السؤال كيف توظف السياسة العقارية لتعزيز النمو الاقتصادي وجذب الاستثمار النوعي دون الإخلال بتوازن السوق؟ وهذا هو السؤال الذي يبدو أن المملكة بدأت تجيب عنه من خلال هذا النظام الجديد لتملّك غير السعوديين للعقارات.

الشركات العالمية لا تنتقل إلى دولة جديدة من أجل شراء أرض أو مبنى، بل من أجل بناء نشاط اقتصادي متكامل. المصنع يحتاج إلى أرض مستقرة، والمركز اللوجستي يحتاج إلى مستودعات، ومركز البيانات يحتاج إلى موقع دائم، والمقر الإقليمي يحتاج إلى مبنى يمثل قاعدة لإدارة الأعمال. من هذه الزاوية، أصبح حق التملّك جزءاً من قرار الاستثمار نفسه، لأنه كلما شعر المستثمر أن حقوقه واضحة ومستقرة، زادت شهيته الاستثمارية على ضخ رؤوس الأموال وتوسيع أعماله والاستمرار على المدى الطويل. من هنا يمكن فهم التحوّل الذي نشهده في العديد من الاقتصادات، حيث أصبحت السياسة العقارية تكمل السياسات الضريبية والتنظيمية في جذب الاستثمار.

من هذا المنظور، يمكن التعمّق في قراءة نظام تملّك غير السعوديين للعقار في المملكة العربية السعودية. اختزال القرار في كونه «سماحاً للأجانب بتملك العقارات» لا يعكس حقيقته الاقتصادية. النظام، كما تظهر فلسفته، لا يتعامل مع العقار كسلعة، بل كأحد الممكّنات الاقتصادية التي تدعم مستهدفات رؤية 2030 في تنويع الاقتصاد، واستقطاب الاستثمار الأجنبي المباشر، ورفع الإنتاجية. الملفت أن النظام لم يتبنَّ نموذج الانفتاح الكامل، كما لم يتجه إلى الإغلاق الكامل. اختار نموذجاً وسطاً يقوم على التوازن؛ إذ حدد الفئات المؤهلة للتملّك، وربط ذلك بنطاقات جغرافية محددة، وأوجد إجراءات رقمية واضحة، وربط الملكية بالسجل العقاري، بما يحقق هدفين في الوقت نفسه: تعزيز جاذبية الاستثمار، والحفاظ على استقرار السوق العقارية.

هذا التوازن يتجاوز فكرة التنظيم التفصيلي، ليصل إلى جوهر السياسة الاقتصادية ذاتها. الدول التي تفتح أسواقها العقارية دون ضوابط قد تواجه ارتفاعاً في الأسعار أو زيادة في المضاربات أو ضغوطاً على القدرة السكنية للمواطنين. في المقابل، فإن الدول التي تغلق أسواقها بالكامل قد تفقد جزءاً من قدرتها على استقطاب الاستثمارات النوعية، لذلك أصبحت المنافسة اليوم تقوم على إيجاد المعادلة التي تحقّق الانفتاح الاقتصادي دون الإخلال بالمصلحة الوطنية.

الأهم من ذلك أن القيمة الاقتصادية لهذا النوع من السياسات يبدأ بعد شراء العقار، وليس عند توقيع عقد البيع. الشركات العالمية عندما تمتلك عقاراً لتشغيل مصنع أو مقر إقليمي أو مركز بيانات، فإنها لا تضيف صفقة عقارية إلى السوق فحسب، بل تضيف وظائف جديدة، وتقنيات متقدّمة، وإنفاقاً رأسمالياً، وسلاسل إمداد، وعقوداً مع الموردين، وخدمات لوجستية، وهندسية، ومالية.

وهنا لابد من بيان، أن نجاح هذه السياسة لا تقاس بحجم المبيعات العقارية أو عدد طلبات التملّك، وإنما بحجم الاستثمار المنتج الذي نجح في استقطابه. المؤشرات التي تستحق المتابعة هي عدد المصانع الجديدة، والمقار الإقليمية التي انتقلت إلى المملكة، ومراكز البيانات التي أُنشئت، والوظائف التي خُلقت، والقيمة المضافة التي دخلت الاقتصاد الوطني.