تمثّل الحاجة المُلحّة، والضرورة القصوى، مبرّراً منطقياً ومقبولاً للارتحال لسانياً من اللغة الأم إلى أيّ لغة أخرى، طلباً لغاية يعسُر الوصول إليها عبر اللّغة الأم، وتتطلّب الحاجة المسيّسة إلى نشدانها في مظانها عند اللّغات التي أُبدعت بها، فإن أمكن ترجمتها إلى اللغة الأم كان ذلك أوفق وأجدر، وإن تعذّر ذلك فلا بأس من التعاطي معها بما تقتضيه الحاجة وتلزمه الضرورة.

وحين النّظر إلى واقع الحال في الجامعات العربية نجد أنّها ظلّت رهينة لسطوة اللغات الأجنبية عليها، وهو أمر مفهوم كون أغلبها تأسّست تحت وطأة الاستعمار الغربي، فضلاً عن كون المعارف الحديثة في جذرها الأساسي مصاغة ومنتجة بالإنجليزية في الدرجة الأولى، تليها الفرنسية، فمن الطبيعي أنّ كل معرفة تُنتج بلغتها، ويظل الجميعُ عالة عليها، إما بالتعامل معها على النحو الذي أنتجت به، أو ترحيلها عبر جسر الترجمة إلى اللّغة الأم، كلٌّ حسب قدراته وحاجته واستيعابه.

وهنا نستطيع أن نحدّد مكامن القصور في حركة الترجمة العربية، التي «استكانت» لحالة الاستلاب، وتعاملت مع المناهج الغربية بلغاتها دون الدخول في مجازفة ترجمتها، بما يؤسس لمناهج علمية ذات جذور راسخة عبر كافة المراحل الدراسية الجامعة، وبالغاً ما بلغ التقدير في الارتهان للغة الأجنبية في العلوم التطبيقية اليوم، لشيوعها وسطوتها، وأنها لغة التواصل العالمية، إلا أن ذلك يبقى غير مقبول إذا كان الأمر يتعلق بمنهج دراسي ذي صلة بالهوية، ولا يتطلّب التعاطي في درسه وتحصيله على الإنجليزية أو أي لغة أجنبية أخرى.

خذ مثلاً جامعة الرياض للفنون، التي جعلت من الإنجليزية لغة تدريس وتحصيل أكاديمي، وحجيتها وفق ما جاء على لسان وكيلة وزارة الثقافة للشراكات الوطنية وتنمية القدرات الأستاذة نهى قطان في لقاء تلفزيوني، بالقول

«نبغى نأخذ ثقافتك ونصدرها للعالم»، وهي حجة أوهى من أن تصمد أمام حقائق مهمة، من أبرزها أنه وبين سائر المعارف الإنسانية، تبرز الفنون بوصفها العنصر المعبّر عن الهوية الثقافية لأيّ أمّة، بما يتوجّب تحصيلها عبر اللغة الأم، وتقديمها على هذا النحو للعالم؛ لأن في ذلك تعميقاً لقيمة الاعتزاز، عند دارس الفنون نفسه، ومنتجها، والمنوط به بثها بوصفها «جيناً» إبداعياً مرتبطاً ببيئته، ومعبراً عنها، ولن يكون في مقدوره لعب هذا الدور إذا تحتّم عليه دراسته فنونه بغير لغته الأم، وتوطّن في روعه شعور بالاستلاب بما يتكبّده من مشاق التعاطي مع لغة أجنبية للتعبير عن محيطه المحلي، بتعقيد ما هو بسيط، و«تعجيم» ما هو مفصح وظاهر وجلي

الأمر الآخر أنّ الفنون في أصلها قرينة بالموهبة، ومُستهلَكُ اللغة فيها يقل كثيراً عن بقية العلوم التطبيقية النظرية الأخرى، وجوهر مستندها قائم على استدعاء وتوظيف التراث والقصص الشعبية والمفردات الثقافية الخاصة بالمجتمع في الأعمال المنجزة، سواء كانت بصرية، أو أدائية، أو سمعية، أو غيرها من أنماط الفنون، مما يعطي المنتج بصمته المتفردة، وتعبر عنه أجلى تعبير، كل ذلك يتطلب التعامل مع الفنون ودراستها عبر اللغة العربية، تأصيلاً، وتأكيداً على الارتباط الوثيق بين اللغة والهوية والفنون. على نحو ما عبّر عن ذلك الدكتور بخيت المطرفي، بقوله: «لا أحد يدعو هنا إلى إغلاق الباب أمام الإنجليزية أو رفض الانفتاح على التجارب العالمية في تعليم الفنون. فالجامعات الفرنسية تُدرِّس فنونها بالفرنسية، واليابانية باليابانية، والكورية بالكورية، مع نوافذ مشرعة على اللغات الأخرى بوصفها أداةً للتواصل لا وعاءً للهوية.

الفرق شاسع بين أن تُضاف لغة وبين أن تُزاح لغة، والعالمية لا تبدأ بالتخلي عن اللغة التي تحمل الثقافة في جوهرها، بل بتوطين تلك الثقافة في عمق لا يتزعزع، ثم تقديمها للعالم من موقع قوة لا من موقع تبعية.

جامعة تدَّعي أنها ستُصدِّر الثقافة السعودية إلى العالم بينما تُقصي العربية من قلب تجربتها التعليمية تشبه مَن يريد أن يُطعم الضيوف وليمةً محلية لم يُحكم طبخها بيده ولا بأدواته».

الأمر الثالث أن الموروث الفني العربي ذاخر وكنيز ومحتشد بالمراجع المصاغة بالعربية، بل إن السبق العربي في تأصيل مصطلحات الفنون يضعها في الصدارة العالمية، بما يعني توفر المراجع الكافية والمناسبة لتدريس الفنون بالعربية في كافة المراحل، وضمان المراجع اللازمة بوفرة ونسق علمي منضبط، فليس ثمة حاجة أو ضرورة تلجئ الدارس إلى مرجع أجنبي، إلا من باب «الوجاهة» المصطنعة، و«الاستعلاء» الثقافي المتوهّم، في زمن الاستلاب والتباهي بكل ما هو غربي.

الغاية التي تنشدها جامعة الرياض للفنون بتصدير ثقافتنا إلى العالم، لا شك غاية نبيلة، لكن لن تكون الإنجليزية هي الحامل المناسب لهذا العبور، فذخائر الفنون العربية وكنوزها، المتوارثة عبر أجيال وأجيال تتطلب وعياً يضعها في سياق منهجي قابل للتدريس بالعربية، بصورة تعبّر عنه هويتها دون طمس، وتمكن من التعامل معها دون استلاب، وتصديرها للعالم منتجاً عربياً، وسعودياً مفصحاً بلغته، ناطقاً بلسانه، حاجزاً مقعده العالمي بكل أريحية، وهو أمر يتطلب الثقة في ما نملك، والقدرة على تطويعه وجعله منتجاً بمواصفات عالمية دون الإخلال بجوهر هويته، عندها فقط سيدرك العالم أن ثمة فنوناً أصيلة، جديرة بأن يطلبها من مظانها وبلغتها، أو يسعى إلى ترجمتها إلى لغته وفق حاجته بمثل ما ترجمنا منه ما احتجنا إليه، فلا أقل من ندية مماثلة في أمر نملك أسباب التفوق فيه بشكل مبهر ومؤثر وخلّاق، وتنتظره الإنسانية متى ما أحسنا طرحه وقدّمناه دون وجل، وباعتزاز راسخ، وفي هذا الكفاية والغنى.