قلت للدكتور عبدالله الربيعة، المشرف العام على مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، ذات يوم إنني أغبطك على وظيفتك، فقد اجتمع لك فيها أجرُ الدنيا والآخرة، ففرصة العمل في القطاع الإنساني لا تُقدَّر بثمن. والحقيقة أنني أغبط كل من يعمل في مجال الخدمات الإنسانية والخيرية، وهو ليس عملاً سهلاً كما يتصوّر البعض، بل يتطلّب صفاتٍ خاصة تجتمع فيها الرغبة والكفاءة!

كنت وما زلت أنظر بإعجاب شديد إلى الجَلَد الذي يتمتع به العاملون في القطاع الخيري والعمل الإنساني؛ فهم يسخرون أوقاتهم ويبذلون جهوداً بدنية ونفسية في مجالٍ يستنزف الطاقة الجسدية والذهنية. فرغم اللذّة الخاصة للعطاء وإسعاد الآخرين، إلا أن العيش في دائرة المعاناة الإنسانية للمحتاجين والمنكوبين يثقل كاهل الجسد والعقل والقلب، ويترك ندوباً نفسية عميقة ناتجة عن الإحساس بألم معاناة الآخرين وحاجاتهم، التي قد تكون بسيطة عند شرائح عديدة من المجتمع، لكنها ماسّة عند المحتاجين العاجزين عن مواجهة ظروف الحياة وتحمل أعبائها!

وعندما تطوّعت ابنتاي في مقتبل حياتهما للعمل الخيري في إحدى الدول الأفريقية، عادتا بغير الوجه الذي ذهبتا به؛ فقد بدتا لي أكثر وعياً ونضجاً بمعاني الإنسانية وروح المشاركة. وعندما زرت مخيم الزعتري للاطلاع على جهود إغاثة اللاجئين السوريين، شعرت بمعنى آخر للحياة وقيمة ما تقدمه لنا من ملذات، إذ تتفاوت قيمتها عند الناس بقدر احتياجهم لها وقدرتهم على توفيرها. فما بدا لي رخيصاً وسهلاً في عالمي كان ثميناً وصعباً في عالم أكثر احتياجاً وأقل قدرة على مواجهة متطلبات الحياة، لذلك أصبحت اليوم أكثر قيمة عندي، حتى وإن كانت أرخص في ثمنها!

لن أنسى ما حييت مطالب بعض سكان المخيم التي لم تتجاوز الحصول على لوح طاقة شمسية لتشغيل سخّان ماء أو تلفاز صغير، في الوقت الذي تبدو فيه هذه الحاجيات من أسهل عناصر الحياة عند غالبية البشر. ومن تتاح له فرصة العمل في ميدان العمل الإنساني أو الاطلاع عليه عن كثب، يصبح أكثر إدراكاً لقيمة نعم الحياة التي ينعم الله بها علينا!

باختصار.. أعظم عمل في الحياة هي خدمة الإنسانية، وألذ شعور بالسعادة هو شعور العطاء!