-A +A
أسامة يماني
في عالمنا الإسلامي اختلطت العادات والتقاليد بالدين، وكذلك الاجتهادات البشرية والآراء الشخصية المبثوثة في كتب الفقه بالمقدس، حتى أصبحت العادات والتقاليد وآراء الفقهاء في مختلف أرجاء العالم الإسلامي جزءاً لا يتجزأ من قناعات الناس الذين نشؤوا وفتحوا أعينهم عليها في عالمنا الإسلامي.

هذا الخلل الكبير في طريقة التفكير أحد أهم الأسباب الرئيسية في قتل الإبداع والتطور والتقدم. وكذلك أحد العوامل الرئيسية في خنق المجتمعات والتضييق عليها ووأد الفرحة ومحاصرتها وتحريمها بل وتجريمها بأحكام بشرية ما أنزل الله بها من سلطان.


يقول الدكتور محمد الخشت: «إن الشك المنهجي السبيل والطريق للخروج من دوامة التضليل». ويرى الدكتور الخشت «إن التفكير المنهجي الذي يتبعه ديكارت هو من أجل الهروب من دوامة الخداع والتضليل أيّاً كان احتمال مصدرها، وهو يشك في القديم ليبحث عن يقين جديد، ولذا فإن الشـك المنهجي ليس شـكاً مطلقاً من أجل التشكيك المغرض، واللاأدرية المعرفية، وفوضى الأفكار، وفوضى الواقع، بل كل ما يطلبه هو الدليل الرصين الحاسم ضد منظومة فكرية راسخة في بنية تضليلية متكاملة الأركان! ومن هنا فهو ليس شـكاً مرضياً، ولا شكاً فوضوياً، وليس تردداً بين نقيضين لا ترجيح لأحدهما على الآخر. إنه فحسـب خطوة على «طريق» نحو الحقيقة القائمة على الأفكار الواضحة والمتميزة لا على أقوال القدماء ولا سلطة قياس الحاضر على الماضي».

يقول الإمام الغزالي إن «الشكوك هي الموصلة إلى الحق فمن لم يشك لم ينظر، ومن لم ينظر لم يبصر، ومن لم يبصر بقى في العمى والضلالة». «الشك المنهجى» هو سنة أبى الأنبياء إبراهيم عليه السلام، ومن خلال هذا الشك المنهجي وعدم أخذه لما ألف عليه قومة كمسلمات، وقيام إبراهيم عليه السلام بالشك في عقائد قومه في الأوثان والكواكب والنجوم، وفق مراحل في «الاستدلال العقلي» بينتها وأوضحتها سورة الأنعام: (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ. فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَـذَا رَبِّى فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّى لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ. فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـذَا رَبِّى هَـذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ. إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِى لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ). ونُقل عن أبي هشام الجبائي قوله: «أول الواجبات هو الشك لتوقف القصد إلى النظر عليه». ويرى الجاحظ أن اليقين للعوام، والشك للخواص.

ومن المعلوم أن الشك أنواع فلا يصح أن نخلط بين أنواعها التي من أشهرها الشك المطلق، وهو شك غير ذي فائدة عقيم المنفعة، «وهو شك عقيم مرفوض قال به المذهب الشكي Skepticism، ويتخـذ أنصاره الشك منهجاً في التفكير ومذهباً فلسفياً في الحياة؛ فهـم يؤكدون عدم إمكانية معرفة حقيقة الأشياء كلها؛ ويؤكدون في عجز العقل الإنساني عن معرفة يقينية؛ لأن الحواس عاجزة ولا تقدم لنا الحقيقة، بل المظهر فقط، والحواس غير متفقة فيما بينها في الحكم على الأشياء، وفي أحيان كثيرة تقـدم لنا الكبير على أنه صغير مثل الشمس والقمر».

إن الشك المنهجي هو الطريق للوصول للمعرفة «وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ».

الشك المنهجي الطريق لعصر العقل والأساس المتين إلى ذات عاقلة تبني عصراً جديداً ومعرفة تشيد مستقبلاً باهراً.