نحتفل بمرور عقدٍ من الطموح الوطني المتمثل في انطلاق رؤية السعودية 2030، ونقف إجلالًا لمسيرةٍ استثنائية تقودها حكمة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، حفظه الله، وتتابع تفاصيلها بعزمٍ وتمكينٍ مباشر من ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز –أيده الله–. فقد تحوّلت الرؤية من طموحٍ مرسوم إلى واقعٍ مُنجز، ومن فكرةٍ ملهمة إلى أرقامٍ تتحدث عن نفسها وشواهدٍ يلمسها القاصي والداني.

حتى أصبحت منجزاتها تتحدث بلغة الأرقام، عبر برامجها المتعددة بإحصائيات نوعية تعكس حجم التحول وعمق الأثر. ففي برنامج الإسكان ارتفعت نسبة تملك الأسر السعودية من (47%) إلى نحو (60%) خلال سنوات قليلة، في خطوةٍ تتسارع نحو مستهدف (70%) بحلول 2030. وفي برنامج جودة الحياة شهدت المملكة توسعًا غير مسبوق في قطاعات الترفيه والثقافة والرياضة، مما أسهم في تحسين نمط الحياة وخلق فرص اقتصادية ووظيفية جديدة، وجعل المدن السعودية أكثر جذبًا وجودة عبر أنسنة المدن وتطوير البرامج النوعية. وأسهم ذلك في حصول السعودية على الترتيب 22 عالميًا في تقرير السعادة العالمي لعام 2026، والمرتبة الأولى عالميًا في مؤشر التماسك الاجتماعي ضمن الدول العشر الأوائل.

وتنوعت نهضتها بين: صناعية ولوجستية واستثمارية، فبرنامج تطوير الصناعة الوطنية والخدمات اللوجستية (ندلب) رفع المحتوى المحلي إلى ما يقارب (59%)، وعزّز الصادرات الصناعية وتقدم سلاسل الإمداد، مما يدعم بناء اقتصاد صناعي تنافسي عالمي، وأصبحنا اليوم نفتخر بعبارة «صنع في السعودية». وفي جانب الاستثمار، قاد برنامج صندوق الاستثمارات العامة نموًا نوعيًا في الأصول التي تجاوزت (3.5) تريليون ريال، مع استهداف يتجاوز (10) تريليونات، ليصبح الصندوق ضمن أعلى خمسة صناديق استثمارية عالميًا، ويعزز مكانة المملكة كقوة استثمارية عالمية.

كما اعتنت الرؤية بتمكين الإنسان السعودي، من خلال برنامج تنمية القدرات البشرية، فارتفعت مشاركة المرأة في سوق العمل إلى (33.5%) متجاوزة مستهدف 2030، كما تجاوز عدد المتطوعين (1.2) مليون متطوع. وتواصل المملكة دعم المهارات والشهادات الاحترافية عبر برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث وبرامج صندوق تنمية الموارد البشرية (هدف)، مما أسهم في تحقيق المركز الثاني عربيًا و38 عالميًا في التنمية البشرية لعام 2026، وتصنيف السعودية ضمن الدول ذات «التنمية البشرية المرتفعة جدًا». وتقدمت الجامعات السعودية في التصنيفات العالمية، متجاوزة مستهدفات الرؤية بوجود 5 جامعات ضمن أفضل 200 جامعة عالميًا، بل إن بعضها حقق مراكز متقدمة جدًا؛ فجاءت جامعة الملك فهد للبترول والمعادن في المرتبة (2) عالميًا في الابتكار والاختراع، في قائمة أفضل 100 جامعة حول العالم الحاصلة على براءات اختراع أمريكية لعام 2025، بعدد 320 براءة اختراع أمريكية مسجَّلة في عام 2025، كما جاءت جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في المرتبة (11) في ذات المنافسة؛ وذلك وفق تصنيف الأكاديمية الوطنية للمخترعين NAI المعتمد على بيانات مكتب براءات الاختراع الأمريكي USPTO، وحققت جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية المرتبة الأولى وطنيًا و29 عالميًا في جودة التعليم وفق تصنيف التايمز في التأثير. كما حققت المملكة المركز الثاني عالميًا في عدد الجوائز الكبرى بمعرض «آيسف 2025» بـ23 جائزة عالمية، وتقدمت إلى المركز 46 عالميًا في مؤشر الابتكار العالمي (GII) 2025، مع نمو بنسبة 25.5% في طلبات براءات الاختراع الدولية بين عامي 2024 و2025. إن هذه الأرقام والمراتب لا تعني مجرد تصنيف مشرف فقط؛ بل تعكس قوة منظومة البحث والابتكار في المملكة، وتحول جامعاتها إلى منصات عالمية.

كما اعتنت بالصحة والاقتصاد عناية فائقة، جعلت مراكز البيانات العالمية ترصد حجم منجزاتها الصحية والاقتصادية، ففي المجال الصحي حققت المملكة المركز الأول في جودة البيانات الصحية، وتقدمت في دقة بيانات الوفيات، وارتفع متوسط العمر المتوقع إلى 78.8 سنة. وعلى مستوى الاقتصاد الكلي، ارتفعت الأصول الاستثمارية وتقدمت المملكة عالميًا، وحققت (93%) من مؤشرات الرؤية مستهدفاتها المرحلية أو قاربت عليها، في دلالةٍ واضحة على كفاءة التنفيذ وتسارع الإنجاز وواقعية الاستراتيجية.

ولم تكن عالمية الرؤية 2030 في مجال الريادة التقنية والفضائية في معزل عن حراك التطوير والازدهار، ففي مجال التكنولوجيا والاتصالات حققت السعودية المركز الأول عالميًا في مؤشر تنمية الاتصالات والتقنية لعام 2025، والمركز الأول عالميًا في الأمن السيبراني، والمركز الأول في الذكاء الاصطناعي، والمركز الثاني عالميًا في نضج الحكومة الرقمية. وتوجت هذه الجهود بإطلاق أول قمر صناعي سعودي (شمس) إلى مدار فضائي مرتفع، بعد مشاركة رائدي الفضاء السعوديين: (علي القرني، وريانة برناوي)، في المهمة الفضائية AX‑2 إلى محطة الفضاء الدولية (ISS).

إن هذه الرؤية الشاملة قد صممت برامجها النوعية: الإنسانية والسياحة والاستدامة، وحققت المملكة المرتبة الأولى عربيًا والثانية عالميًا في الإغاثة والأعمال الإنسانية عبر مركز الملك سلمان للإغاثة. كما حققت المركز الأول عالميًا في نمو السياحة بوصول إنفاق الزوار من الخارج إلى 135 مليار ريال، وتجاوزت مستهدفات رؤية 2030 في عدد المعتمرين والزوار قبل أوانها، حيث وصل عدد الزوار إلى أكثر من (100) مليون زائر ضمن برنامج خدمة ضيوف الرحمن. وفي مجال الاستدامة، انضمت المملكة للاتفاقية الدولية للأراضي الرطبة 2025، وحققت قفزة بنسبة 23% في كفاءة الطاقة وتوفير 662 ألف برميل يوميًا، وتقدمت في مؤشرات التنمية المستدامة. كما نفذت مشاريع استراتيجية كبرى مثل «السعودية الخضراء» و«أكوا باور» التي أصبحت أكبر شركة خاصة عالميًا في تحلية المياه ورائدة في الهيدروجين الأخضر والطاقة الشمسية، وتعمل في أكثر من 12 دولة.

إنها أرقامٌ عالمية، رصدتها جهات متخصصة، تشهد بأنه: «وطن يزدهر.. وإنجازات تتحدث»، وأنه: (وطنٌ يُعاد تشكيله لمستقبل شامخ)، يقوم على أصالة ثابتة، واقتصادٍ يُبنى على التنوع، ومجتمعٍ ينمو بالوعي والطموح.

لذا، وفي هذه المناسبة الغالية، نجدد العهد والولاء على مواصلة المسير خلف قيادةٍ ملهمة، نحو مستقبلٍ تتعاظم فيه الإنجازات، وتترسخ فيه مكانة المملكة في مصاف الدول الرائدة عالميًا. وحفظ الله وطننا، وأدام عزّه، وبارك في قيادته، لتبقى مسيرة الرؤية عنوانًا للإنجاز، ونموذجًا عالميًا للتحول وصناعة المستقبل.