-A +A
محمد الساعد
في عام 1989، غادر الشيخ عمر عبدالرحمن الأراضي المصرية بعد سنوات طويلة من انخراطه في جماعات مناهضة للدولة المصرية، وترؤس «الجماعة الإسلامية» المتهمة بتدبير اغتيالات ومنها قتل الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات، المصريون رغم الأدلة التي يحتفظون بها كانوا رحماء به، وهذا ما سنعرفه لاحقاً عندما يتعرض للاعتقال في نيويورك.

سمح له الأمن المصري بالسفر لأداء العمرة، ومن هناك غادر للباكستان التي كانت ملاذاً للإرهابيين والهاربين في العالم العربي، في بيشاور التقى بقادة ممن يطلق عليهم الجهاديين العرب، ثم غادر إلى السودان التي انقلب فيها الجنرال «البشير» المنتمي للإخوان المسلمين على الحكم الديموقراطي في عام 1988، البشير مكن عبدالرحمن من الإقامة في بلاده، إلا أن الشيخ الضرير فضل المغادرة إلى واشنطن بعدما تمكن من الحصول على تأشيرة دخول إليها من السفارة الأمريكية في الخرطوم في عام 1990.


احتضان الأمريكان لعمر عبدالرحمن المتهم بالإرهاب ليس الأول ولن يكون الأخير، ولم توقف واشنطن عمر عبدالرحمن إلا بعد تفجيرات برجي التجارة العالمي 1993، والذي اتهم بتحريضه ودعمه للجناة.

الدفاع عن الإرهابيين واحتضانهم في كندا وأمريكا وبقية الدول الغربية ليس صدفة ولا غباء أمنياً، بل هو فعل مقصود وسياسة ممنهجة لا يتخلى عنها الغرب بل يوظفها لصالحه، فالكثير من القضايا والأفراد التي يستخدمها الإعلام الغربي ضد الدول العربية هي في نهاية الأمر وسائل ابتزاز أو اغتيال معنوي للدول وقياداتها.

ما يحصل اليوم من دعايات وتقارير غربية ضد السعودية ومصر على سبيل المثال، هو جزء من تلك الحملات التي تدافع زوراً عن مراهقات ومراهقين هم في الأساس كوادر في جماعات إرهابية، أو ارتكبوا أعمالا تخابرية، كما فعل الصحفي الغربي «اسانج» مؤسس موقع ويكليكس، الذي لاحقته أمريكا وبريطانيا حول العالم لأنه ارتكب عملاً يرونه مخلاً بالأمن.

المعادلة الأمريكية هي نفسها المعادلة البريطانية والألمانية والكندية.. إلخ، التي احتضنت معظم الإرهابيين ومثيري الفتنة في بلدانهم الأم، خاصة الدول العربية، ففي عام 1993 مكنت بريطانيا سعد الفقيه ومحمد المسعري من العيش في لندن بشكل باذخ على خلاف اللاجئين الآخرين، ومدتهم بالمساعدة اللازمة، بل إنها تغاضت حتى عن أعمالهم الإرهابية الموثقة، ومنها محاولة اغتيال الملك عبدالله -رحمه الله- بالرغم من الأدلة القطعية التي قدمها ليس فقط جهاز الأمن السعودي بل أجهزة أخرى انكشفت العملية أمامها، إلا أن جهاز المخابرات البريطاني كما الأمريكي لديه خطة أخرى، هي إبقاء هؤلاء العملاء بين أيديهم للابتزاز والضغط على حكوماتهم، بل وتنفيذ الأجندات العابرة لزعزعة الاستقرار من خلالهم.

الشرط الوحيد الذي تفرضه المخابرات الغربية -على أولئك المعارضين- هو ألا يصدقوا أنهم مناضلون من أجل الحرية أو يقومون بأعمال مضادة في الدول الغربية، عندها ينقلب السحر على الساحر، بعض الهاربين للغرب يفهمون المعادلة، مثل المسعري والفقيه وعمر الزهراني ويحيى عسيري، وبعضهم لا يفهم ذلك الاتفاق غير المكتوب الذي يفترض أن يعيه ويجتهد في أعماله ضد بلاده.

وهو ما حصل مع عمر عبدالرحمن الذي خطط مع متطرفين التقى بهم في نيويورك لتفجير برجي التجارة 1993، بالرغم من أن الأمريكان سهلوا له الحياة في أمريكا، عندها بطشت به أجهزة الأمن الامريكية التي كانت تتوقع منه العمل ضد بلاده مصر وليس أمريكا، ولذلك لم ترحمه كما رحمته مصر من قبل وتعرض لسجن طويل استمر حتى وفاته 2017 م مع مرضه وإعاقته.

الأمر لم يتوقف على ذلك فأجهزة الأمن السعودية حذرت البريطانيين قبيل انفجارات لندن 2005 م، وكان لدى الأجهزة الإنجليزية الفرصة لإيقاف العمل الإرهابي الضخم، لكنها تباطأت وتغافلت وسمحت بمرور العملية.

العامة ربما يستغربون تلك الأفعال، لكن أجهزة الأمن الغربية التي احتضنت داعش والقاعدة ورموزهما، لديها تصور آخر، وهو الرفع من ميزانيات مواجهة الإرهاب سواء تلك الميزانيات المعلنة أو السرية التي يستطيعون التصرف بها بحرية، كما أنهم يستخدمون تلك الجماعات لتنفيذ خططهم ومشاريعهم المستقبلية في الشرق الأوسط لإبقاء دوله فاشلة وشعوبه تحت الضغط لاستخدامها يوماً ما.