تأسست القدس كمنطقة حضرية قبل الميلاد بـ4000 عام، أي في نهاية العصر النحاسي كما يسميه الجيولوجيون. نزح إليها وما جاورها عرب كنعانيون من الجزيرة العربية قبل 3000 سنة من الميلاد ثم استوطنها النبي داوود قبل 1000 عام من ميلاد المسيح وحسب عدد من المصادر فقد تلا هذا التاريخ بمائة عام بناء هيكل سليمان المثير للجدل حالياً. بعد ذلك استولى الآشوريون على مملكة بني إسرائيل كما سموها. وفي عام 333 ق.م. يستولي الاسكندر الأكبر على بلاد فارس وما جاورها ويجعل فلسطين تحت الحكم اليوناني، وبموته في 323 ق.م. يتناوب البطالسة المصريون والسلوقيون السوريون على حكم هذه المنطقة حتى تم ضمها إلى الإمبراطورية الرومانية في عام 60 ق.م. بالرغم من عدد من الثورات ضد تواجد الرومان ومعظمها ثورات يهودية وبعضها عربية، استمروا في فلسطين وقام الإمبراطور قسطنطين ببناء كنيسة القيامة في عام 323م بعد زيارة والدته لهذه المدينة وتحديد المكان المفضل للبناء واعتناقه هو للديانة المسيحية. في زمن البيزنطيين امتزج العرب ومعظمهم قد اعتنق الديانة المسيحية مع المسيحيين وبعض اليهود من أوروبا. بعد سنة ونصف من بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وبعد أن كان الأقصى هو القبلة، نزلت الآية القرآنية بتحويل القبلة من الأقصى إلى مكة المكرمة لعموم المسلمين. انتصر المسلمون وسيطروا على المدينة (بيت المقدس) للمرة الأولى في عهد عمر بن الخطاب واستمر ذلك حتى زمن الحملات الصليبية ما بين عام 1100 و1187م. أتى صلاح الدين الأيوبي بعد ذلك بقرن تقريباً ليحكم سيطرة المسلمين على فلسطين من جديد. تلا ذلك عصر المماليك والعثمانيين إلى زمن وعد بلفور في مطلع القرن الماضي وبدء هجرة اليهود من أوروبا مجدداً إلى فلسطين وهذا الحدث وما تلاه لا يحتاج إلى إيضاح.
تعددت الروايات حول تأسيس حرم الأقصى، منها ما يتحدث عن دور النبي إبراهيم عليه السلام وأنه وضع قواعده بعد أربعين عاماً من وضع قواعد الكعبة وهذه هي الأقرب والأكثر اعتماداً في عدد من كتب التاريخ كما يبدو. على أن من شيد المسجد على النمط الذي نراه اليوم (قبة الصخرة) كان عبدالملك بن مروان في عام 688م ويقال إنه فعل ذلك تعزيزاً لمكانة المسجد لدى المسلمين في الشام في منافسة تاريخية بينه وبين عبدالله بن الزبير والي الحجاز آنذاك.
لا أعرف بالضبط ما المقصود بـ«تحرير الأقصى» تلك العبارة التي دائماً تتردد في مواقع التواصل للدلالة على الموقف المعارض لأي فكرة للسلام مع دولة إسرائيل. سأستبعد مفهوم تحرير مدينة القدس بأكملها لأنها لم تعد مطلباً عربياً منذ مدريد وأوسلو، لذا فهل المقصود بالأقصى عودة القدس الشرقية؟ ماذا لو حدث ذلك تحت أي ظرف وعادت هل سيعني ذلك منع المسيحيين واليهود من ممارسة طقوسهم الدينية في هذا الجزء من المدينة؟ بالطبع لا، إذ لم يفعل ذلك لا عمر بن الخطاب كما جاء في (العهدة العمرية) ولا صلاح الدين الأيوبي في (معاهدة الرمله). إذن فالحديث عن «تحرير الأقصى» يتلخص في تحديد هوية من يدير شؤون هذه الأماكن المقدسة؛ بمعنى آخر ولمحاولة الخروج من مأزق هذه الولاية، قد نفكر خارج الصندوق في يوم ما ويطالب العالم بتأسيس هيئة دولية منبثقة من الأمم المتحدة ومنظمة التعاون الإسلامي والفاتيكان وإسرائيل تضم ممثلين عن جميع الأديان الثلاثة ومهمتها الوحيدة الإشراف على هذه الأماكن وتطويرها وصيانتها وحفظ الأمن لزائريها بتمويل من الأمم المتحدة ونخرج من هذه الدوامة.
نلاحظ من خلال هذا السرد الموجز مطلع هذه المقالة أن هذه الأرض كانت مطمعاً لعدد من الإمبراطوريات منذ تأسيسها، ولولا اندثار تلك الإمبراطوريات لوجدنا مطالبات شعوبهم للعودة إلى فلسطين كما هي مطالبات اليهود حالياً. والواضح أيضاً أن فلسطين تؤول في كل وقت لمن غلب ووجود إسرائيل في هذا الزمن ليس إلا حلقة ضمن عدد كبير من الحقب الزمنية الماضية. تواجد إسرائيل حالياً الذي لم يمض عليه إلا 72 عاماً قد يكون قابلاً للاستمرار لعقود أطول قياساً على المتغيرات والأنظمة الدولية الحديثة بل وقوة هذه الدولة عسكرياً.
من هنا قد نخلص إلى أن أهم شروط السلام والتطبيع مع إسرائيل حالياً والتي يمكن أن تطالب بها الدول العربية والإسلامية عموماً ما عدا الفلسطينيين، إضافة للسلام والعلاقات الاقتصادية الثنائية، ضمان حرية الأديان وزيارة الأماكن المقدسة وسهولة دخولها والخروج منها. الشروط الأخرى المتصلة بالأرض يفترض أن تبقى شأناً فلسطينياً لم يعد للعرب خارج فلسطين دور فاعل به منذ أن قبل الفلسطينيون الجلوس مع الإسرائيليين على طاولة المفاوضات.
كاتب سعودي
DeghaitherF@
فهد إبراهيم الدغيثر
ما المقصود بتحرير الأقصى ؟
22 أغسطس 2020 - 22:28
|
آخر تحديث 22 أغسطس 2020 - 22:28
تابع قناة عكاظ على الواتساب


