إذا ما استأجر أحدنا أجيراً أو استقدم عمالة أو تعاقد مع مقاول فإما أن يتغنى بأدائهم ويمتدح عطاءهم ويعدد مهاراتهم، وإما يندد ويهدد ويحمّل حظه العاثر وسوء طالعه مسؤولية الاختيار غير الموفق.
تعاني عقلية عينات لمجموعات وأفراد خللاً في تصورها لمهامها ومساحة دورها في الحياة، لعدم قدرتها على استيعاب الفرق بين قطاعات الحكومة والقطاع الخاص، وربما غاب عنها أن مؤسسات الدولة ليست أملاكاً خاصة يتحكم فيها هوى أو رغبة أو توجه أو مصلحة شخصية، فالموظف الحكومي مثله كالأجير والعامل والمقاول مع اختلاف المقام والهندام والوصف الوظيفي.
انتهى زمن الموظف الضرورة الذي لا خيار عنه ولا بديل له، وجاء زمن التنافس بين طاقات بشرية تتمنى إتاحة الفرصة لإثبات وجودها بالقدرات الخلاقة والمنتجة والمستوعبة معنى المسؤولية والمدركة مقتضيات الواجب والمعززة وجودها بفريق عمل مؤهل بالوعي ومتسلح بالانتماء وملتزم بالموضوعية.
تداخل العام بالخاص إشكالية شأن تشابك الذاتي بالموضوعي، وللمناصب والمناقب سكرة تضيع معها الفكرة، وتقول الحكاية إن وزير التربية والتعليم القدير الراحل الدكتور محمد الرشيد قرر التجديد في إدارات المدارس واعتمد آلية لتدوير وتغيير المديرين خصوصاً من أمضى فترات طويلة، ويبدو أن بعض مديري المدارس الذين طال بهم العهد في الإدارة عشقوا المكان وغدت المدرسة التي يديرونها جزءاً من ذواتهم، فمفاتيح أبوابها في جيوبهم، وما نقص من أثاث وما يحتاجه المبنى من ترميم يؤمنونه ولو على حسابهم، ومهما أنفق أحدهم من راتبه شهرياً على مؤسسته لا يعده إسرافاً.
وكان مدير إحدى المدارس فرغ للتو من تأثيث غرفة الإدارة بمكتب فخم ودواليب وطاولات ومكيف باللمس، وهو تربوي من نوعه في العناية بالطلاب والمعلمين والعاملين، إلا أنه لما بلغه قرار إنهاء فترة إدارته وتوجيهه بتسليم المدرسة للمدير المعين أو المنقول صعقه الخبر، وفقد القدرة على ضبط أعصابه ودفعته فورة غضبه للدوام في اليوم التالي بعصاة (مشعاب، قطلة)، وأقسم بالطلاق ما يتحرك من إدارته لو يجي محمد الرشيد بنفسه. بلغت القصة كما يحكى مقام الوزير الخلوق فسأل: كم باقي له في الخدمة؟، فقالوا سنة واحدة، فقال «خلوه يكملها».
وفي حديث ذكريات لوكيل الحرس الوطني سابقاً الشيخ عبدالعزيز التويجري -رحمه الله- يروي موقفاً لمراسله الأمي الحكيم (سليمان) الذي جاء به للحرس حبا فيه. وبعد شهرين من التعيين دخل على التويجري مواطنون يراجعون، وعنده (سليمان) فاختلف التويجري مع المراجعين وعلت الأصوات، فطردهم من المكتب. فقام المراسل وقال له: وش طرأ عليك، انتفخ رأسك وغرك الكرسي، ترى ابن سعود اختارك أجيراً لخدمة المواطنين وما أنت شريك له في ملكه. وأنت مخيّر بين أمرين إما تعيد المراجعين وتقضي لزومهم وتتصالح معهم وإلا تضع قلمك في جيبك ونرجع ديرتنا. فقال التويجري للمراسل: ألحق بهم، فأقنع سليمان الحكيم المراجعين بالعودة، وألان التويجري لهم القول وطيب خواطرهم وما خرجوا من عنده إلا راضين.
أغلق التويجري الباب بالمفتاح وطلب من سليمان أن يقوم ويجلس على مكتبه، فأبى فأقسم عليه أن يجلس، وأخذ الدلة وصب له القهوة وقال: والله أنك أحق مني بالمنصب يا سليمان لرجاحة عقلك وسعة صدرك وحسن خلقك وفقهك بفن التعامل.
ربما أوقع عدم التمييز بين أملاك الدولة وبين ممتلكات مواطن البعض في مساءلة ومحاسبة ومعاقبة، حتى وإن كان بدافع النوايا الحسنة، إلا أنه وكما لا يتقبل أحدنا تأميم ممتلكاته الخاصة، فكذلك لا تجوز خصخصة العام إلا من صاحب صلاحية.
كاتب سعودي
Al_ARobai@
علي بن محمد الرباعي
مراسل التويجري ومشعاب التربوي
26 يونيو 2020 - 00:56
|
آخر تحديث 26 يونيو 2020 - 00:56
تابع قناة عكاظ على الواتساب


