-A +A
مالك عبيد
تشكل قداسة التاريخ أحد أبرز الإشكاليات التي يواجهها الكائن البشري منذ بدء الخليقة. فأزمة الحاضر كمفهوم تكمن في مثول الماضي أمامه كندٍ له على مستوى الأحداث والشخوص والنتائج. ولعل لجوء الكائن البشري إلى إعادة بعث الماضي ومنحه الفاعلية والحيوية على حساب الحاضر، هو موقف نفسي تلجأ له فئة معينة من الناس بهدف الحصول على إجابات جاهزة ومعلبة تعفيها من تحمل مسؤولية سلوكها، وتغريها أيضاً بجمال الماضي وإعادة صناعة الأساطير والبطولات ومحاكاة سيرتها وفقاً للشكل والسياق الذي جاء به التدوين، بعيداً عن العقل، متناسين أن الماضي هو الحاضر بعد قليل، وأن المدونات التاريخية هي أنشطة لغوية تعتمد على وصف الجهود البشرية وأحداث التاريخ وفقاً لنظرة المدون وتجربته ورأيه وعاطفته.

إيمان البعض بأولوية التاريخ على الحاضر كان ولا يزال باب الخديعة الكبرى الذي طالما فتح المجال السياسي والاقتصادي والثقافي والديني أمام كل أنواع التسلط والديكتاتوريات. فذهب اليسار واليمين على حد سواء إلى كتب التاريخ وأساطيره، في بناء المشاريع. واختار كل طرف قائمة أمثلته العليا ورموزه وفقاً لأجندته الخاصة، بل وتطرف البعض إلى حد الإيمان المطلق بقداسة الماضي وتحريم البحث في محتواه، ورفض إعادة فحص مصداقيته حتى. فكان المقدس التاريخي ذريعة لانتشار القتل والدمار والحروب وضياع الهويات وفقدان قيمة التجربة الإنسانية. لذا كان للأيديولوجيات الدور الأكبر في غسل أدمغة الناس وأخذهم إلى عوالم من وهم لا تمت لواقعهم الحاضر بصلة. فلا عقل ولا حكمة ولا تفسير دينيا ولا علم ولا جمال، ولا سعادة، ولا أفضلية إلا ما كان فحسب. أما الحاضر فما هو إلا تابع أو نسخة مكررة لا ترقى جودتها إلى حد المنافسة.


الإخوان المسلمون بدورهم كانوا ولا يزالون أحد أهم اللاعبين على جدلية الماضي والحاضر. قبل أن يجدوا في الغطرسة العثمانية بشكلها التاريخي مثالهم الأعلى لإنقاذ الأمة، واستعادة مجدها على يد الرئيس أردوغان. الأمر الذي دفعهم إلى تبني لغة المزايدات وتقديمه على هيئة «مهدي منتظر». بل وذهب المريدون إلى حد اعتباره لفتة إلهية من السماء لإنقاذ المنطقة مما هي فيه. فبيعت على إثر ذلك البطولات وفتحت شهية الحرب وتشرعنت على المنابر، وأصبح شمال العراق، وسوريا وليبيا وربما البحر الأحمر وإثيوبيا بالمرحلة القادمة جبهات قتال تركية، في محاكاة واضحة لسيرة السلاطين العثمانيين في الحرب والدمار والغطرسة على الشعوب في شتى بقاع الأرض مرتكبين أبشع أنواع المجازر بحق الإنسان تحت رايات الدين الإسلامي. ومن يتأمل سلوك وخطاب الرئيس أردوغان ولغة جسده خلال الاستقبالات الرسمية، يجد أنها لا تبتعد كثيراً عن سلوك وخطاب السلاطين العثمانيين وغطرستهم آنذاك.

استغناء الإنسان عن الحاضر بالماضي، ليس هو مشروع الخلاص، بل هو مشروع مصادرة للعقل البشري ومغامراته المعرفية، وتدجين للتجربة الإنسانية المتجددة، منعاً لأي محاولة تهدف إلى التغيير أو الإصلاح. فما تسوق له إسطنبول وطهران على أنه إنساني وأخلاقي ما هو إلا نحر للإنسان في هذه المنطقة تحت شعارات عاطفية لا تختلف كثيرا عن مشاريع اليسار وشعاراته في الكفاح المسلح والنضال. فالهدف هو الهيمنة واستعباد الشعوب بنهب خيراتها وسلب إرادتها لا أكثر، فلا «أمة» ولا «خلافة» ولا إنقاذ.

مشروعنا الحقيقي بين أيدينا وأمام أعيننا في المدن والشوارع والبيوت والقرى وفي خطى أطفالنا نحو المستقبل، وفي عيون آبائنا وأمهاتنا الذين كانوا يبحثون عن الماء والقوت والعلم فلا يجدونها إلا بشق الأنفس حين كانت الأسيتانة تنعم بما تنهبه من خيرات بلاد المسلمين.

مشروعنا نحن فحسب.

كاتب سعودي

malekObied@