-A +A
يوسف بن محمد بن سعيد
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فإن اللهَ تعالى ما أنزلَ مِن داءٍ إلا وأنزل معه دواءً عَلِمَه مَنْ عَلِمَه وجَهِلَه مَن جَهِلَه، وقدْ أَذِنَ الشرعُ بالتداوي، فقال فيما أخرجه أبو داودَ وابنُ ماجَهْ وغيرُهما بإسنادٍ حسنٍ: «تداووا عبادَ اللهِ؛ فإنَّ اللهَ سُبحانه لم يَضعْ داءً إلا وَضَعَ معه شِفاءً إلا الهرمَ»، ومَن كان له معرفةٌ بالطبِّ فإنه يُشرعُ له أن ينفعَ إخوانَه، فقد قال فيما أخرجه مسلم في الصحيح عن جابر رضي الله تعالى عنه: «مَن استطاع منكم أن ينفعَ أخاه فليفعلْ»، وينبغي لمن تطبَّبَ أن يكون حاذقاً خبيراً بالأدواءِ عالما بمفرداتِها.

وفي هذه الأزمنةِ (زمن الأوبئة) كثيرا ما يظهر أدعياءُ للطبِّ يتلاعبون بأبدانِ الناسِ وأرواحهم، مسترخصيها؛ طمعاً في الحصولِ على المالِ، فهذا كنت تراه راقياً وزمن الأوبئة تراه طبيباً يأمرُ المرضى بما لا يَرضى لِنَفْسِه ولا لولدِه استعمالَه، وهذا عبثٌ واستخفافٌ، وانتهاكٌ لِلحُرُماتِ، فهؤلاء يؤخذُ على أيديهم؛ لأنه لا يَتطببُ في الناسِ بغيرِ علمٍ إلا مَن كان غاشّاً لهم أو كان جاهلاً جهلا مُركَّباً، وكلا الأمرينِ شَرٌّ، وقد وقع مِن كثيرٍ مِن هؤلاءِ شرٌّ كبيرٌ وفسادٌ عريضٌ.

فهؤلاء الذين يأكلون أموالَ الناسِ بالباطلِ، ويَضُرونَ بأبدانِهم لا يجوزُ للإنسان أن يذهبَ إليهم، أو أن يأخذَ بما يقولون، وإنَّ القائمَ على المريضِ ينبغي له أن يتقي اللهَ فيه، فلا يجوزُ أن يجعلَه محلاً لتجارِبِ الجهلةِ والظالمين، كما أنَّ المريضَ لا ينبغي أن يجعل نفسَه محلا لذلك إذا كان يَعي الأمورَ، وعليه أن يتخير من شهر بالصدق والأمانة والمعرفة بعمله، فإنَّ العبدَ مسؤولٌ عن جوارحِه، فقد قال: «كَلُّكُم راعٍ وكُلُّكُم مسؤولٌ عَن رعيتِه» وقد ذكر أهلُ العلمِ في شرحِ هذا الحديثِ أنَّ الرجلَ مسؤولٌ عن أعضائِه، واجبٌ عليه فعلُ ما يحفظُها واجتنابُ ما يَضُّرُّها. قال بدر الدين العيني رحمه الله في (عمدة القاري شرح صحيح البخاري 20/‏‏168): «وإذا لم يكن للرجل رعية يكون راعيا على أعضائه وجوارحه وقوة حواسه».

والبدن ليس مُلكا للعبدِ يتصرفُ فيه كيفما شاء، وإنما هو أمانةٌ يجبُ أداءُ حقِّ الله تعالى فيها، وليس له أن يتصرف فيه إلا وَفْقَ الشرعِ والمأذونِ به، وهذا من محاسن ديننا، فإنه عني بالإنسان بدنا وقلبا، فحرّم ما يفسد الأبدان، وما يفسد القلوب ويؤثر على الأديان.

وليعلم المتطبب بغير علم أنه ضامن لجنايته، فقد روى أبو داود والنسائي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من تطبب ولم يعلم منه طب فهو ضامن» قال ابن القيم رحمه الله في (زاد المعاد 4/‏‏127): «ولم يقل: من طب؛ لأن لفظ التفعل يدل على تكلف الشيء والدخول فيه بعسر وكلفة، وأنه ليس من أهله، كتحلم وتشجع وتصبر ونظائرها... وأما الأمر الشرعي، فإيجاب الضمان على الطبيب الجاهل، فإذا تعاطى علم الطب وعمله، ولم يتقدم له به معرفة، فقد هجم بجهله على إتلاف الأنفس، وأقدم بالتهور على ما لم يعلمه، فيكون قد غرر بالعليل، فيلزمه الضمان لذلك، وهذا إجماع من أهل العلم».

وقال المناوي رحمه الله في (فيض القدير 6/‏‏106): «أي من تعاطى الطب ولم يسبق له تجربة ولفظ التفعل يدل على تكلف الشيء والدخول فيه بكلفة ككونه ليس من أهله (فهو ضامن) لمن طبه بالدية إن مات بسببه لتهوره بإقدامه على ما يقتل ومن سبق له تجربة وإتقان لعلم الطب بأخذه عن أهله فطب وبذل الجهد الصناعي فلا ضمان عليه» ونقل قول أبي سليمان الخطابي رحمه الله في كتابه (معالم السنن 4/‏‏38) «لا أعلم خلافاً في المعالج إذا تعدى فتلف المريض كان ضامناً، والمتعاطي علماً أو عملاً لا يعرفه متعد، فإذا تولد من فعله التلف ضمن الدية» فانظر كيف شارك متتبعُ جهلة الطب بالقضاء على نفسه، وانظر كيف ألزم الشارع هذا المتطبب بالدية، مما يدلك على قبح فعله وكبير جنايته. وقال ابن رشد المالكي رحمه الله في (بداية المجتهد ونهاية المقتصد2/‏‏348): «ولا خلاف أنه إذا لم يكن من أهل الطب أنه يضمن؛ لأنه متعد» وقال ابن رسلان رحمه الله في (شرح سنن أبي داود) (18/‏‏57) في قوله صلى الله عليه وسلم: (من تطبب): أي: تعاطى علم الطب وتعدى بمعالجة المريض بما يقتل غالباً، فحصل منه التلف في النفس أو العضو (ولا يعلم منه) معرفة، ولم يعلم منه (طب) ولا يكون ذا درجة وسطى من معرفة حقيقة الطب وأنواعه، وأقسام أمراضه، ويشخص داء العليل، ومعرفة المفردات وطبائعها (فهو ضامن) لما أتلفه، فقد تدقُّ حقيقة المرض وتغمض، فيقع الخطأ للطبيب، بأن يظن العلة من مادة حارة وتكون باردة من أصلها، أو يظن المادة باردة وهي حارة، فيقابل البارد بالبارد فيقع الخطأ.

ويدخل في تعاطي الطب طب الآدميين وطب البهائم، وهو (البيطرة) فانظر كيف ضمَّن الشارع من ادعى طب البيطرة وهو لا يحسنها إذا أتلف بهيمة من غير أن يكون له خبرة في الطب، فكيف بأرواح بني آدم! وقال ملا علي قاري في (مرقاة المفاتيح 6/‏‏2293): «قال بعض علمائنا من الشرح: لأنه تولد من فعله الهلاك وهو متعد فيه» وقال الشيخ عبدالرحمن السعدي رحمه الله في (بهجة قلوب الأبرار ص130): «هذا الحديث يدلّ بلفظه وفحواه على: أنه لا يحل لأحد أن يتعاطى صناعة من الصناعات وهو لا يحسنها، سواء كان طباً أو غيره، وأن من تجرأ على ذلك: فهو آثم. وما ترتب على عمله من تلف نفس أو عضو أو نحوهما: فهو ضامن له. وما أخذه من المال في مقابلة تلك الصناعة التي لا يحسنها: فهو مردود على باذله؛ لأنه لم يبذله إلا بتغريره وإيهامه أنه يحسن، وهو لا يحسن، فيدخل في الغش. (ومن غشنا فليس منا)».

ومن ضعف الرأي ما يتلقفه بعض الناس من الجهلة حين يزعمون وجود أعشاب أو أدوية أو أبخرة لعلاج فايروس كورونا وليس يوجد ما يثبتها من الدراسات والبحوث، بل الأغرب من ذلك ما يتعجل به بعض أهل المعرفة بنوع من أنواع الطب، فيتكلمون فيما ليس لهم به علم من التخصصات الأخرى، وهؤلاء قد يكون ضررهم أشد؛ لأن الناس يعرفونهم بأنهم أطباء، ولكنهم لا يعرفون تخصصات الطلب وأنواعه، فيأخذون كلامهم مسلِّمين به، قاطعين بثبوته.

فهؤلاء وأمثالهم أذكرهم بقوله تعالى: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولا} [سورة الإسراء:36] وقوله تعالى: {وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلا} [سورة النساء:83].

وقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه الترمذي وابن ماجه: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه».

وأذكّر من يأخذ بقولهم بقول الله تعالى: {وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين} [سورة البقرة:195]

وقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً} [سورة النساء:29].

وأذكّر من ينقل الشائعات والأقوال غير المحققة والموافق عليها من وزارة الصحة والجهات ذات الاختصاص بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «كفى بالمرء إثما أن يحدث بكل ما سمع»

وكيف يجترئ المسلم على أمور قد تؤدي بحياة أخيه إلى التلف؟

ومن فضل الله تعالى أن قيادة هذا البلد المبارك بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وسمو ولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان فعلوا كل ما بوسعهم إلى الوصول بالمواطن والمقيم إلى عدم إصابته بالفايروس وعلاجه إن هو وأصيب -بإذن الله-، وما ليس في مقدور البشر، فهذا إلى الله تعالى {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِين} [سورة الشعراء:80] ورأينا القرارات التي تصدر تباعا في التحوط من هذا الفايروس والتي تصدرها القيادة الرشيدة.

ومما يكثر هذه الأيام دعاوى الرؤى التي يزعم أصحابها أنها مبشرات -والرؤى منها ما هو مبشرات- فينشرونها على الملأ، ويجزمون بأنها مبشرات، مما يجعل بعض الناس يتركون التحرز، وكأنها أخبار صحت عن نبي مرسل، أفلا يعلم هؤلاء أن أعلم الناس بالرؤى بعد الأنبياء عليهم السلام أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- وقد قال له النبي صلى الله عليه وسلم -فيما رواه الشيخان- حين فسر رؤيا: «أصبت بعضا وأخطأت بعضا».

وإذ علمت هذا، فأمسك عليك لسانك، واحذر أن تؤدي بالناس إلى العطب؛ فتعطب.

حفظ الله بلادنا من كل سوء، ورفع الغمة، وشفى المرضى، وسلم الله ولاة أمرنا من كل سوء، وجزاهم خير الجزاء.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

*نائب وزير الشؤون الإسلامية