-A +A
أسامة يماني
المثل القائل «الكلام ما عليه جمرك»، هو مثل في مُجمله غير دقيق وغير منضبط، ولو صدق في جزئية منه. لهذا يُستحسن توظيف هذا المثل في ما ينضبط وينطبق عليه من كلام بعض المجالس الاجتماعية التي تميل إلى الضحك والفكاهة والترفيه، أما غير ذلك فالكلام له تبعات وأي تابعات.

والكلام علم يُعرف أيضا باسم علم التوحيد، وعلم أصول الدين، وعلم الفقه الأكبر، وعلم الإيمان، وعلم الأسماء والصفات، وعلم أصول السنة. وهو العلم الذي يهتم بمبحث العقائد الإسلامية وإثبات صحتها والدفاع عنها بالأدلة العقلية والحجج والبراهين، ومُناقشة الآراء ووجهات النظر والأقوال المُخالفة، وإثبات عدم صحتها وبطلانها. ودحض ونقد وكشف الشُبهات التي تُثار عن التوحيد، ودفعها بالحُجة والدليل والبرهان.

وقد عرف ابن خلدون علم الكلام بأنه: «علمٌ يتضمّن الحجاج عن العقائد الإيمانيّة بالأدلّة العقليّة، والردّ على المبتدعة المنحرفين في الاعتقادات عن مذاهب السلف وأهل السنة، وسرُّ هذه العقائد الإيمانيّة هو التوحيد».

وقد ورد لفظ (كلم) خمسة وسبعين مرة في القرآن الكريم بصيغ مختلفة مثل: كلم، تكليماً، الكلم، كلمات، فالكلام لا شك هو الوسيلة الأهم للتواصل عند البشر.

اليوم شركات الاتصالات تستفيد من الوقت والمحادثات والرسائل التي يقضيها المُتصل لتجني الأرباح الطائلة. حتى أصبح الكلام «حقيقة من الماس» تجني مقابله شركات الاتصالات آلاف الملايين من الدولارات والريالات الصعبة.

كم من بيوت هُدمت من كلمة واحدة. كم من علاقات إنسانية تقطعت من كلمة أو جملة لم يحسب قائلها لها أي حساب، ولهذا يقول الشاعر:

وجُرْحُ السيفِ تأسوه فيبرا

وَجُرْحُ الدَّهر ما جَرحَ اللسانُ

جِرَاحَاتُ السّنانِ لها التئامٌ

ولا يَلْتَامُ ما جَرحَ اللسانُ

وقد جاء في المثل القديم «لسانك حصانك إن صنته صانك وإن خنته خانك». فالكلمة من الممكن أن تصنع المستقبل، وقد تهدم الحاضر والمستقبل.

حدثني شخصية عظيمة ساهمت في خدمة بلادها، وصنعت تاريخاً لا يُنسى، بأن الفضل فيما صار إليه كان لرئيس تحرير حذف كلمات جاءت في مقال كتبه، وقد ساءه هذا الحذف من المقال ولكنه اكتشف بعد برهة من الزمن أن هذه الكلمات المحذوفة كانت ستجر عليه الخسارة وفقدان الفرصة.

الرسالة التي بها كلمة خاطئة، لن تُفيد صاحبها بقدر ما تسيء إليه، لأن الكلمة لها بعدها وأثرها بشكلٍ أبعد مما يتصور البعض.

والختام، هو ما قاله أبو حاتم البستي (تـ 354هـ): «واللسان فيه عشر خصال يجب على العاقل أن يعرفها، ويضع كل خصلة في موضعها، هو أداةٌ يظهر بها البيان، وشاهدٌ يُخبر عن الضمير، وناطقٌ يرد به الجواب، وحاكمٌ يفصل به الخطاب، وشافعٌ تدرك به الحاجات، وواصف تعرف به الأشياء، وحاصدٌ يُذهب الضغينة، ونازع يجذب المودة، ومسل يُذكي القلوب، ومعز تُردُ به الأحزان».

* كاتب سعودي

‏yamani.osama@gmail.com