ما مدى الصواب في القول بمراعاة العرف السائد في المجتمع عند إصدار الأحكام؟
إن أغلب الذين يتحدثون عن هذا، يتحدثون عنه بإيجابية، حيث يظهر في مراعاة العرف تيسيرا على الناس وبعدا عن ظلمهم بالتماس العذر لهم عند مراعاة ما ألفوه واعتادوه من أعراف وعادات سائدة في بيئتهم الاجتماعية.
وهذا القول، يبدو صحيحا عندما يكون العرف لا تظهر فيه مخالفة صريحة أو خفية للدين، ولا يتضمن ما يخل بحق من حقوق الآخر، لكن الأعراف في واقعها ليست دائما لها تلك الصفات، فبعض الأعراف تكون مكتسبة عبر موروثات مخالفة للدين أو متضمنة بخسا لحق الغير، مثلا في بعض مناطق المملكة نجد من بين الأعراف السائدة ما فيه ظلم كبير للنساء مثل ما يعرف بحجر البنت لولد عمها، وذلك يعني أن ابنة العم لا تستطيع أن تتزوج غير ابن عمها ما لم يأذن لها بذلك، أو ما يجري به العرف في بعض المناطق من دفع الإناث إلى التنازل عن ميراثهن للذكور، ومن تجرؤ منهن على المطالبة بحقها تخطأ بحجة خروجها عن العرف والتقاليد المتوارثة.
مثل هذه الأعراف البادية الظلم والتعسف هل يمكن أن تكون مصدرا للتشريع يسترشد به ؟
إن كثيرا من الأعراف الاجتماعية فاسدة، والقول بأن من مسؤولية الفقيه أو القاضي التمييز بين العرف الصحيح والعرف الفاسد، بحيث لا يعتمد من الأعراف إلا ما كان صحيحا، هو قول يفتح بابا واسعا للفوضى في الأحكام. فالقضاة يختلفون في نمط التفكير وعمق الرؤية وسعة المعرفة؛ وذلك يؤثر على تقييم القاضي للعرف وحكمه عليه بالفساد أو الصحة، ومن المحتمل أن يفوت على القاضي رؤية الفساد في العرف متى كان العرف في مضمونه متوافقا مع فكر القاضي، خاصة حين يكون القاضي من أبناء البيئة التي يسود فيها ذلك العرف، فهو بحكم نشأته يكون هو نفسه واقعا تحت تأثير أعراف البيئة فلا يتاح له تبين ما فيها من فساد.
في مصر والأردن تصدر الأحكام مخففة على الرجل الذي يقتل قريبته باسم الدفاع عن الشرف، وغالبا يسوق القاضي مبررات تخفيف الحكم استنادا إلى مراعاة العرف السائد في المجتمع، حيث تعارف الناس على تقديس الشرف وعد المساس به أمرا باعثا للغضب بدرجة عالية تؤثر على عمل الدماغ، فيفقد الغضبان التحكم في انفعالاته، ويقدم على القتل بلا وعي منه.
هنا نجد مراعاة العرف الاجتماعي، قدمت على مراعاة أمور أخرى مثل إهدار حق القتيلة في الحياة، وحق المجتمع في معاقبة القاتل بغلظة لحفظ الأمن، فضلا عن أن مراعاة العرف هنا تجاوزت حكم الشريعة الذي يقضي بقتل القاتل، في إغفال صريح للأحكام الفقهية المستندة على النصوص الشرعية؛ وذلك للتعاطف مع العرف!!
حين تكون الأعراف مصدراَ للتشريع!!
18 مايو 2014 - 19:33
|
آخر تحديث 18 مايو 2014 - 19:33
تابع قناة عكاظ على الواتساب