الجمال نوعان، أحدهما حسي وهو ما يتجسد في الحسيات كالجمال في البشر أو الحيوان أو الطبيعة أو الأشياء، والآخر معنوي وهو ما يتجسد في المعاني كالجمال في الحديث والقيم الأخلاقية والأدب والموسيقى والفن. والجمال في كلا نوعيه يثير المتعة في نفس الإنسان، لكن وقعه على النفس واستجابات المتلقي له تختلف باختلاف الناس، وهذه حقيقة حيرت الفلاسفة الذين دأبوا يبحثون في معاني الجمال وأثر وقوعه في النفوس. إلا أن المتفق عليه في جميع الحالات هو أن رؤية الجمال تبعث في النفس لذة الراحة والسكينة والسلام.
بيد أن بعض نصوص الأدب العربي يظهر فيها غير ذلك، فتأثير الجمال، وبخاصة جمال المرأة، يظهر في شكل معانٍ سلبية تنبعث في نفس المتلقي تثير الانزعاج والألم وليس الراحة والسلام، كمعاني الحرب والقتال وما يصاحب ذلك من آلام وإراقة دم ووقوع في الأسر. وفي الشعر أبيات كثيرة تصف أثر وقع الجمال في شكل اعتداءات وإصابات مثل: (أتتني سهام من لحاظ فأرشقت،، بقلبي ولو أستطيع ردا رددتها)، (أواه إن نظرت وإن هي أعرضت،، وقع السهام ونزعهن أليم)، (ريم على القاع بين البان والعلم،، أحل سفك دمي في الأشهر الحرم)، (لما رنا حدثتني النفس قائلة،، يا ويح جنبك بالسهم المصيب رمي)، (رمتني بسهم راشه الكحل بالردى،، وأقتل ألحاظ الملاح كحيلها)، (أبرزن من تلك العيون أسنة،، وهززن من تلك القدود رماحا)، (أمانا أيها القمر المطل!،، فمن جفنيك أسياف تسل) وغيرها كثير كثير.
وفي أحيان أخرى، تكون رؤية الجمال باعثة لمعاني المرض: (مريضة أرجاء الجفون وإنما،، أصح عيون الغانيات عليلها)، (يا سقيم الجفون أسقمت جسمي،، فاشفني كيف شئت، لا بك ما بي)، أو فقد الحرية: (أصبحت مملوكا لأحسن مالك،، لو كان كمل حسنه إسجاحه)، أو الوقوع في حبائل السحر: (ما يفعله السحر بالألباب في سنة،، في الحال تفعله الأحداق والطرر)، (غضي جفون السحر أو فارحمي،، متيما يخشى نزال الجفون).
وفي بعض الأحيان تشتط الانفعالات المتولدة من رؤية الجمال فتذهب إلى أبعد من ذلك لتصير رؤية الجمال جالبة الموت أو الإغماء أو الذهول، وينقل زكي مبارك عن ابن أبي حجلة ما أورده في كتابه (ديوان الصبابة) عما يصيب البعض من الناس عند رؤية الجمال، فذكر أن منهم: «من إذا رأى الصورة الحسنة مات من شدة ما يرد على قلبه من الدهش، ومنهم من إذا رأى المليح، سقط من قامته ولم يعرف نعله من عمامته».
لكن هذه المعاني السلبية التي يثيرها جمال المرأة الحسي، سريعا ما تنقشع متى كان الجمال معنويا، فتحل محلها معاني مختلفة تماما تحمل الاستمتاع والابتهاج والتفاؤل كما في جمال الحديث مثلا: (وحديث ألذه هو مما،، ينعت الناعتون يوزن وزنا)، (حديث كطعم الشهد حلو صدوره)، (وحديث كالوشي وشي البرود) (كأن لفظ حديثها،، قطع الرياض كسين زهرا) (كأنما عسل، رجعان منطقها،، إن كان رجع كلام يشبه العسلا).
هذ الظاهرة المنبثة في نصوص الأدب تستحق التأمل، وقد تصلح لأن تكون موضعا للبحث عند المهتمين.
فاكس 4555382-1

للتواصل أرسل رسالة نصية sms إلى 88548 الاتصالات أو 636250 موبايلي أو 737701 زين تبدأ بالرمز 160 مسافة ثم الرسالة