ينظر كثير من الناس إلى حرية الصحافة على أنها معيار ممثل لما هو مُتاح في المجتمع من حرية بشكل عام، فالمجتمع الذي تكون فيه الصحافة حرة هو غالباً مجتمع يتمتع الناس فيه بقسط كبير من السلوك الحر سواء في التعبير عن آرائهم أو في الاعتراض على ما لا يعجبهم أو الاحتجاج ضده أو ما شابه ذلك مما لا يتم عادة إلا في نطاق واسع من حرية القول والفعل. أي أنه بات معتاداً لدى الكثيرين الربط بين مدى الحرية المتاحة للصحافة في المجتمع ومدى ما عليه المجتمع من حرية في شؤونه الأخرى.
وغني عن القول أن المجتمعات المحافظة المتشبثة بالتقليدية هي غالباً مجتمعات يضيق فيها اطار الحرية ومن ثم فإن من الطبيعي أن تكون الصحافة فيها متأثرة بذلك فتبقى محصورة في ذلك النطاق الضيق من الحرية الذي تسمح به. ولأن مجتمعنا أحد تلك المجتمعات المحافظة فإنه لم يدهشني أن تأتي الصحافة السعودية في مؤخرة القائمة التي أصدرتها منظمة (مراسلون بلا حدود) حيث كان ترتيب الصحف السعودية (161) من بين (168) دولة، فمن الطبيعي أننا بسبب محافظتنا نحرص على أن لا ندع صحفنا تتناول مواضيع تجرح تلك المحافظة فنفرط في وضع القيود على الصحافة من كل جانب، وإذا كان معظم صحف العالم يخضع للقيود السياسية وحدها، فإن صحفنا تضيف إلى ذلك قيوداً أخرى تخضع لها، فهناك محظورات اجتماعية وأخرى دينية وثالثة أخلاقية، وهكذا مما يضاعف القيود الموضوعة عليها.
وهذه القيود التي يحرص المجتمع المحافظ على تكبيل صحافته بها هي قيود تنبع من الدور الذي يرسمه للصحافة، فالمجتمع المحافظ يرى دور الصحافة هو دور التنوير والتوجيه والإرشاد. وليس دور التعبير عن الجميع والنطق بمختلف الألسنة حتى وإن كانت ألسنة تتحدث بلغات متضادة ومتعارضة. ومن الطبيعي أن من يرى هدف الصحافة التنوير والتوجيه ليس كمن يرى دورها التعبير عما في النفوس أياً كان، ففي الحالة الأولى يضحي فرض القيود على الصحافة أمراً لازماً لضمان عدم خروج الصحافة عن الغاية المتوخاة منها، أما في الحالة الثانية فإنه لا شيء هناك يخشى عليه ومن ثم لا حاجة إلى قيد أو ضبط.

فاكس 4555382