قرار وزارة الزراعة الذي أعلن في الأسبوع الماضي بخفض كمية الشراء الحكومي للقمح من المزارعين بنسبة 12,5 في المائة سنويا مما سينتج عنه إيقاف زراعة القمح في المملكة في العام 2015م قرار حتمي لا نقاش لدي حوله، وقد بدأ تطبيقه منذ العام الماضي 2008م، ولكنه يهيج كثيرا من الخواطر عن حكاية، أو مأساة، زراعة القمح في بلادنا. وكل ما أقترحه هو أن لا تمر هذه المأساة بدون أن يتم جمع وتدوين تفاصيلها بالكامل بأيدي مسؤولينا وأساتذتنا الجامعيين وباحثينا المختصين في كتاب واحد يخلد ذكرى هذه المأساة ويبقى عبرة للأجيال القادمة. كتاب وثائقي يوضح أساس الطموح الذي بني عليه هذا المشروع الذي جعل المملكة لفترة قصيرة سادس دولة مصدرة للقمح في العالم قبل أن تعود مرة أخرى لاستيراده كما يحدث الآن. كتاب يشرح كيف ساهم المسؤولون والمستشارون في الجهات المختلفة، بحسن نية أو بالغفلة وسوء التقدير أو التجاهل للحقائق في صنع هذه المأساة واستمرارها لحوالى ربع قرن وعلى أي تقديرات أو دراسات بنوا قراراتهم. كتاب يسجل بالأرقام كم خسرنا في هذه التجربة من مال، هل بلغ ذلك فعلا 100 مليار دولار كما يرد في بعض الدراسات، وكم خسرنا من ماء غير قابل للتعويض خلال الفترة كلها مما تمت مساواته بما يتدفق في نهر النيل لستة أعوام أو سنويا ما يعادل تدفق نهر الفرات. وهل بلغت تكلفة إنتاج الطن الواحد من القمح فعلا ثمانية أضعاف السعر العالمي. كيف كان يمكن استغلال المبالغ المنفقة بصورة أفضل على مشاريع التنمية المختلفة؟ ما هي الأصوات الخافتة التي صدرت من أساتذة الجامعات السعوديين والمتعاقدين أومن غيرهم من المستشارين والناصحين ممن حذر من خطر استهلاك المخزون المائي الجوفي، ولماذا لم يتم الاستماع إليها؟ كيف تمت متابعة عوائد المشروع والحكم على سيره وجدواه؟ ولماذا تأخر قرار التخلي عنه كل هذه المدة؟ إذا كانت تجربة زراعة القمح محاولة للاكتفاء الذاتي في أحد أنواع الغذاء الأساسية فهل حاولنا الاستغناء في ما يخص آليات وتقنيات الزراعة والري بصفة عامة، وكيف يتم الاكتفاء الذاتي في جانب واحد دون تطوير هذه الجوانب الأخرى ذات العلاقة؟ ما هي انعكاسات هذا المشروع على تطور الزراعة في بلادنا بصفة عامة؟
أتذكر كم كنت أشعر بالاغتباط والنشوة وأنا أرى من الطائرة دوائر الري المحوري الخضراء الجميلة وهي تزين الصحراء، وكم أشعر بالحسرة وأنا أراها الآن تصفر وتندثر تحت الرمال.
هل ستبذل وزارة الزراعة نفس الجهد السابق الذي بذلته في نشر زراعة القمح على تشجيع أساليب الزراعة التقليدية المستدامة التي عرفتها بلادنا قبل أن تعرف الآبار الارتوازية والري المحوري؟ وعلى اختيار المحاصيل المناسبة لجونا وصحرائنا، وعلى تطوير طرق الري بالتنقيط بصورة واسعة؟ هل تصحو لأهمية مياه الصرف الصحي المعالجة كما تفعل البلاد المتقدمة وتستفيد منها في إحياء الوديان التي جفت وذبلت حول مدننا الكبرى أو في غيرها من المناطق الزراعية؟ هل تنتبه إلى حماية ثروتنا السمكية، التي تندرج تحت مسؤوليتها، من التدمير الواقع عليها بسبب إلقاء مياه الصرف الصحي والصناعي الملوثة؟.
كلمة واحدة يجب أن نتعلمها من تجربة زراعة القمح في بلادنا وهي كلمة الاستدامة. أي مشاريع نقيمها لنتباهى بها على العالم ولا نخطط لاستدامتها هي مشاريع فاشلة لا تستاهل الجهد والمال المبذولين لإقامتها.
تجربة زراعة القمح في بلادنا كانت تجربة قاسية، وأقل ما يمكن عمله هو أن نستفيد منها كعبرة للأجيال القادمة في إقامة مشاريع أفضل تخطيطا وأطول استدامة.
للتواصل أرسل رسالة نصية sms إلى 88548 الاتصالات أو 636250 موبايلي أو 737701 زين تبدأ بالرمز 133 مسافة ثم الرسالة
حكاية زراعة القمح.. من البداية إلى النهاية
6 أكتوبر 2009 - 19:47
|
آخر تحديث 6 أكتوبر 2009 - 19:47
تابع قناة عكاظ على الواتساب