من ضمن عشرات التعريفات التي حاولت تحديد وضبط مفهوم « الحداثة « لم أقرأ أروع ولا أجمل من التعريف الذي أورده المفكر المصري جابر عصفور في كتابه نحو ثقافة مغايرة، وقال فيه إن الحداثة هي اللحظة التي تتمرد فيها الذات العارفة، فرداً أو جماعة، على طرائقها المعتادة في الإدراك. والدكتور جابر هنا يدخل إلى التعريف من مدخلٍ معرفيٍّ (إبستمولوجي) حيث تشعر الذات العارفة أنها لا بد أن تبدأ في مساءلةٍ جذرية لكل ما حولها، على كل المستويات، غيرَ غافلةٍ عن وضعِ نفسها هي موضعَ المساءلة. إنَّ الإنسان لكي يكون حداثياً لا بدَّ أن يبدأ تأملاته وتساؤلاتِه بداية جذرية بحيث لا يفوِّتُ سؤالاً ولو كان تافهاً في ظاهر الأمر. بل إن السؤال الجذري يجب أن يمتد ليشمل مساءلة العقل نفسه وهل هو قادر على المعرفة وعلى التفكير الصحيح الموضوعي وما العوائق التي يجب تفاديها من أجل تحقيق تفكير سليم؟. ومن ثمَّ يبدأ في مساءلة ومناقشة المسلمات وكل ما هو مألوف للكشف عما فيه من إمكانية الخطأ أو إمكانية الإضافة والتعديل والتحوير والتغيير. فالإنسان كائن تاريخي ينتج الأفكار والحقائق والتي هي محصلة لتفاعله النشط داخل لحظة تاريخية معينة، ولا بد من مراجعة هذه الأفكار والحقائق باستمرار مع تحرك اللحظة التاريخية وانزياحها الدائم.. بل لا بد من إعادة النظر في العقل نفسه مع تغير اللحظات التاريخية. يقول العالم الشهير توماس كون: إن بطليموس وغاليليو لم يكونا يريان شمساً واحدةً؛ لأن الأول وهو عالم فلكي عاش في العصر القديم كان يفكِّر داخل منظومة علمية فلكية مختلفة عن المنظومة التي يفكر بداخلها غاليليو العالم النهضوي الحديث. وقل مثل ذلك بالنسبة لتصور القدماء للأرض والسماء والنجوم، بل تصورهم للعقل ووظائفه. وبرأيي فإن المدخل المعرفي للحداثة والذي دخل منه الدكتور جابر عصفور وابتعاده عن المدخل التاريخي الذي يحصر الحداثة في زمان معين وهو القرن السابع عشر وما بعده، وفي مكان معين وهو أوروبا.. أقول إن هذا المدخل المعرفي أكثر جدوى من المدخل التاريخي المتعسف الذي يخرج من دائرة الحداثة علماء وفلاسفة وأدباء ازدهروا في قرون قديمة وربما كانوا سابقين على عصورهم. وقد قرأت في الأسبوع الماضي عدة مقالات للكاتب عبد الله المطيري تحدث فيها عن التنوير والحداثة وهما مترادفان عنده، وكذلك قرأت الورقتين اللتين ألقاهما كل من الدكتور سعيد السريحي في نادي الأحساء الأدبي والدكتور عبد الرحمن الحبيب في نادي حائل الأدبي وكلتاهما تتناولان مفهوم الحداثة، وقد لاحظت أن هؤلاء الكتّاب رغم الجهد الرائع الذي بذلوه قد تورّطوا في الدخول إلى الحداثة من مدخل تاريخي، ولم ينطلقوا في تناولهم لها من المدخل المعرفي أو الفلسفي الذي وإن كان لا يعلو فوق حركة التاريخ إلا أنه يحمل في داخله إمكانية اختراق الحدود والفواصل التي يضعها هذا التطور التاريخي، ويحضر في كل لحظةٍ حضوراً نابعاً من الأسئلة التي تطرحها اللحظة التاريخية ولكنه رغم ذلك – أي رغم تلونه يظل هو هو في عمقه. إن تعريف الحداثة بوصفها اللحظة التي تتمرد فيها الذات العارفة على طرائقها في الإدراك لا يتضمن أي تحديد زمني، ورغم أننا نجد أن تطبيقه بالمعنى الحقيقي قد تمّ في العصر الحديث إلا أن ثمة جهوداً قديمة سجَّلها التاريخ بسطور من تعبٍ وشقاء وعناء توفرت فيها لحظات لتمرد الذات على طرائقها في الإدراك وعلى النمط المعرفي والثقافي السائد. كما أن التمرد على السائد الثقافي – والذي بالتأكيد كان موجوداً في أغلب محطات الفكر البشري – ينطوي على تمرد ضمني على الذات وعلى طرائق الإدراك التي حددتها التربية والبيئة الاجتماعية. ويمكننا أن نشبه التمرد المعرفي بمفهوم القطيعة المعرفية الذي طرحه غاستون باشلار حيث يقطع الفكر مع طرائق الإدراك المعرفية السائدة.. ومن تلك اللحظات المتمردة نذكر لحظة سقراط ولحظة أرسطو ولحظة ابن رشد، وفي الأدب لدينا تمرد جذري على طرائق التعبير الأدبي كما عند أبي تمام وأبي نواس. لا يمكن إخراج هؤلاء من دائرة الحداثة إذا وضعنا المدخل المعرفي نصبَ أعيننا... أقصد الحداثة التي تتم في سبل الإدراك المنطقي والأدبي والتأويلي والتأملي. وأما الفرق أو النقطة الحاسمة بين الحداثات القديمة والحداثة التي بدأت بعصر النهضة الأوروبية وازدهرت في القرنين السابع عشر والثامن عشر فهو يكمن في ما يسميه الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو « بالإبستميه « أو النظام المعرفي. أي أن فعل الحداثة في العصر الحديث لم يعد جهداً فردياً أو لمجموعة من الأفراد كما كان في العصر القديم، بل أصبح مؤسسياً يساهم بصورة مباشرة في إنتاج منظومة القيم والمعارف التي تفضي في النهاية إلى صنع ثقافة جديدة ومغايرة تماماً يمكن أن نسميها بلا تردد (ثقافة حداثية). إن هذه الثقافة تتوفر على نظامٍ معرفيّ مغاير تماماً للأنظمة التي كانت سائدة قبلاً، فهذا النظام هو نظام شكي – حسب تعبير المطيري، بخلاف الأنظمة السابقة التي كانت في أغلبها – وربما كلها – أنظمة تسليمية. وهل تستطيع الذات العارفة أن تتمرد على طرائق الإدراك لو لم تكن قد بدأت بممارسة الشك في بداهاتها ومسلماتها ويقينياتها؟ ولكن آلية الشك والنقد والتمحيص الجذري ليست مختصة بعصر دون عصر. وقد يكون المدخل التاريخي سليماً إذا فهمنا معنى التاريخ هنا بوصفه قيمة نسبية خالية من الإطلاق. فثمة أنشطة وإدراكات معرفية تعيش في القرن الواحد والعشرين ولا تزال تهتدي بسبل التفكير القديمة، والعكس صحيح كما أسلفنا؛ إذ توجد لحظات من التمرد المعرفي في عصور كانت أنظمتها المعرفية تسليمية.

للتواصل ارسل رسالة نصية sms إلى الرقم 88548 تبدأ بالرمز 118 مسافة ثم الرسالة