لا يتجاوز عدد يهود مصر الآن وفق أكبر التقديرات الثمانين أو المئة فرد جميعهم من الطاعنين في السن، وترأس الطائفة كارمن وينشتاين «77 سنة»، ورغم عدم علاقة الطائفة من قريب أو بعيد باسرائيل، فإنها تقحم نفسها في شئون الطائفة ، ولذلك تعمل الحكومة المصرية على تفويت الفرصة على إسرائيل لتحقيق أي مآرب سياسية من وراء وجود هؤلاء.
ينحصر وجود الطائفة على هذا العدد القليل وبعض المعابد في وسط القاهرة ، وضاحية المعادي ، والاسكندرية ، ودمنهور ، وقبور اليهود في البساتين .
وفي عام 2004 أصدرت الجالية اليهودية في مصر بياناً أوضحت فيه أن وفاة إستير أحدثت فجوة حقيقية حيث بات الصراع شديداً بين أعضائها على منصب رئيس الجالية خاصة مع دخول كارمن ابنة إستير كطرف في هذا الصراع ومحاولاتها الاستحواذ على هذا المنصب في حين انه منذ عام 93 ظهر أن الخلاف حول رئاسة الجالية اليهودية في مصر يتركز في قسمين رئيسيين، الأول تتزعمه كارمن ابنه استر وينشتاين التي تتمتع بخبرة كبيرة ومعرفة بأحوال الجالية وأوقافها، إضافة إلى أن لها مستويات معرفة وربما صداقة مع قنوات التعامل الحكومية المصرية والإسرائيلية على حد سواء وهو ما يعزز تولي كارمن للمسؤولية.
ويوازي ذلك قسم معارض تتزعمه ماريكا سموحة ليفي- التي شارفت على التسعين من عمرها- والتي أنشأ والدها حي سموحة الشهير بالإسكندرية، ومن أهم المبادئ التي يركز عليها هذا الفصل أن مسؤولية الجالية اليهودية يجب أن تقوم على الديمقراطية، والعرف منذ اكثر من 50 عاما في أن تتولى رئاستها اكبر اليهوديات الموجودات في القاهرة سنا، وإذا كانت ماريكا هي الأكبر سنا فالضروري أن تتولى رئاسة الجالية.
ودخل الدين اليهودي كطرف أساسي في هذا الصراع حيث تعتبر كارمن من اليهوديات الربانيات فيما ماريكا من القرائين وكلتا الطائفتين من اكبر الطوائف اليهودية وبينهما صراعات عديدة.
تصاعد الخلاف
وأنبأ تصرف ماريكا بصراع حاد اقترب من أعضاء الجالية خاصة وانه من حق رئيس الجالية اليهودية إدارة كل الأملاك والأوقاف اليهودية في القاهرة الممثلة في عمارات بمنطقة وسط المدينة، وقطع أراض مختلفة في أنحاء الجمهورية إضافة إلى أملاك ليست هينة في مدينة الإسكندرية وبعض محافظات الصعيد.
وتصاعد الخلاف بقوة عندما قامت إستر قبيل وفاتها بتوريث ابنتها كارمن رئاسة الجالية، وهو ما قوبل بمعارضة شديدة من ماريكا سموحة التي قامت بالاستيلاء على مفاتيح المعبد اليهودي في شارع عدلي وسط القاهرة، ورفضت فتحه او إعطاء المفتاح لأحد حتى يتم انتخاب رئيس جديد للجالية استنادا إلى أسس ديمقراطية على حد قولها.
وعن هذا الخلاف توضح استر وينشتاين أن عائلتها كانت زعيمة الجالية منذ فترة طويلة وبالتالي لا ضرر من رئاستها لأنها الأكثر دراية بأمور الطائفة مشيرة إلى أن عائلتها قررت منذ فترة طويلة البقاء في مصر وعدم السفر إلى إسرائيل بل والتنديد بالقرارات التعسفية التي تصدرها حكومات تل أبيب تجاه الفلسطينيين والعرب، على الرغم من المصاعب الجمة التي تعرضت لها نتيجة لهذا القرار.
من جانبها ترى ماريكا سموحة أن مطالبتها برئاسة الجالية أمر طبيعي وعادل خاصة وان عائلة وينشتاين استحوذت على كل المصادر والموارد المالية التي تصل ليهود مصر خلال السنوات الماضية مما أدى إلى التفرقة الشديدة بينهم الأمر الذي جعل معظم أعضائها يمارسون حياتهم تحت خط الفقر، معترفة ان موارد الجالية المادية ليست هينة وبالتالي يجب تنقية الأجواء وتجديد الدماء التي تقودها من اجل تحسين صورتها التي اهتزت.
واللافت ان عدداً من هؤلاء اليهود يحاولون نيل التعويضات من مصر وهو ما طالبوا به صراحة حيث رفعوا أخيراً 3500 دعوى قضائية ضد الحكومة المصرية وتبلغ قيمة ما يطالب به هؤلاء اليهود قرابة 5 مليارات دولار كتعويض لهم.
والغريب أن هناك عدداً كبيراً من القوى الكبرى التي تقف وراء هذه الجالية مثل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية والتي أرسلت حينذاك وفداً من لجنة الحريات الدينية الأمريكية والتي ركزت في عملها بمصر على قضية «اليهود»، وزاروا عدداً من المعابد اليهودية بالقاهرة والإسكندرية والتقوا مع أعضاء الطائفة اليهودية أيضاً.
وقدم الوفد لمصر ملفاً كاملاً عن أملاك اليهود بمصر وأماكنها حصلت عليه من إسرائيل، والتوصية بعودة هذه الأملاك لأصحابها بحجة أنهم تركوها عقب حرب 1948 وثورة يوليو 1952 وهربوا، وهو ذات الهدف الذي يسعى إليه المؤتمر اليهودي العالمي وحكومة تل أبيب منذ فترة، وبالتالي عكست الأزمة الوضع الحرج الذي تمر به هذه الجالية.
اليهود والأهرامات
وأخيرا تحاول بعض الدعاية اليهودية إشاعة أن اليهود ساهموا في بناء الأهرام وهو ادعاء تدحضه الحقائق التاريخية ، وتقول الحقائق إن أحدا من علماء الآثار المصرية في العالم ومنهم يهود لم يزعم بأن اليهود كان لهم أي دور في ما يتعلق ببناء أهرام مصر. كما أن هذا الكلام يخالف كلية جميع الأدلة الموجودة والثابتة علميا ، سواء من مصادر التاريخ أو من قصص التوراة ذاتها، فبينما بنيت الأهرام أيام الدولة القديمة في النصف الأول من الألف الثالث قبل الميلاد، لم يظهر العبرانيون على ساحة التاريخ الا في أيام الدولة الحديثة بعد ذلك بألف و 200 سنة. كما لم يكن هناك يهود في مصر أيام يوسف الصديق وموسى (عليهما السلام)، وإنما جاء إخوة يوسف من أسباط يعقوب الذين عرفوا بعد ذلك ببني إسرائيل، ولم يكونوا من اليهود. فاليهودية لم تظهر الا منذ القرن السادس قبل الميلاد بعد ثمانية قرون من عصر موسى ويوسف. وبنو إسرائيل هم سلالة يعقوب، الذي يقال إن اسمه تغير بينما كان في «بيت ايل» التي تقع غرب أريحا، قبل مولد بنيامين آخر أبنائه، فأصبح يدعى «إسرائيل».إلا أن بني إسرائيل يعتبرون أن جدهم الأكبر هو إبراهيم عليه السلام، جد يعقوب نفسه. واختلف الباحثون في تحديد العصر التاريخي الذي عاش فيه إبراهيم بين عامي 3000 و 1000ق.م، ولكن الأدلة الحديثة تشير إلى أن عصره كان خلال القرن الخامس عشر ق.م، وأول ما ظهرت كلمة «عبري» كانت في سفر التكوين ـ اول كتب العهد القديم ـ للدلالة على إبراهيم، ثم وردت كلمة «عبرانيين» للدلالة على بني إسرائيل أثناء وجودهم في مصر وبعد دخولهم ارض كنعان. وعلى هذا يستحيل اشتراك اليهود في بناء الأهرام التي شيدت في عصر يسبق ظهور بني إسرائيل باثني عشر قرنا، ويسبق ظهور الديانة اليهودية بألفي سنة. فهناك فارق كبير بين اليهود وبني إسرائيل والعبرانيين، وحتى الكتب الدينية لا تتحدث عن وجود «اليهود» في مصر أيام يوسف وموسى، فهؤلاء كانوا «بني إسرائيل». كما أن يهود العصر الحالي يختلفون عن يهود فلسطين الأوائل الذين عادوا بعد السبي البابلي. فغالبية اليهود الآن تنتمي إلى سلالة الخزر وليست لها علاقة ببني إسرائيل ولا ببابل .