شعرت وأنا اتلقى تكليف الزميل رئيس التحرير بالقيام بجولة في منطقة عسير في انتداب مفتوح المدة بزهو كبير لأنه اشعرني بأنني ما زلت شابا اقفز على صخرة.. واقطع واديا سيرا على قدمي.. واتسلق جبلا للتصوير او اجراء لقاء.. ورغم أنني افتتحت الخمسين قبل اربع سنوات ولم يبق لي على التقاعد الا بضع سنوات.. الا انني احسست بشبابية غريبة لم استخدم فيها شراب القوة..
شحذت همتي بتذكر زمان مضى كنت فيه اتنقل بين سراة عسير وتهامتها قبل أن تمتد اليها التنمية.. فقد كان الامير خالد الفيصل قبل حوالى ستة وثلاثين عاما يجد متعة في السير بسيارته الجيب على المرتفعات التي لم تعرف لون الاسفلت بعد.. عندما كان يرسم لوحة جميلة اسمها «عسير».. تذكرت ذلك فلم أعد اعترف بالسن وانما اعرف فقط ماذا اريد أن أفعل.. لكن مشكلتي وانا صحفي عجوز مع بعض اطفال تهامة قحطان الذين رموني بالاحذية والحجارة التي كادت تصيب جيب الجولات الشهير الذي يملكه الزميل عبدالرحمن القرني منذ قرابة قرن من الزمان.. وذلك لالتقاطي صورة لهم وهم ينتظرون سيارة نقل تقلهم الى قراهم من مقر مدارسهم بمركز «الفرشة» الذي يقع أسفل الجبال الشاهقة التي تتسلقها السيارات بحركة عجيبة من خلال طرق معبدة تصل بين قمم الجبال ومرتفعاتها وسهولها عبر العقبات الخارقة التي مدت لتعكس عظمة التنمية والاستغلال الامثل لثروة البلاد.. لكنه ورغم غضبة الاطفال التي لا مبرر لها شعرت بأنني فعلا بمهمة صحفية قد تقودني وزملائي للوصول الى كل شبر في هذه المنطقة النموذج في التنمية.. فننقل بالكلمة والصورة الواقع الذي تعيشه سواء في المدن او القرى او حتى في الاودية والشعاب التي تحتضن اكثر من مليون ونصف نسمة.
هذه عسير
تركت خلفي في جدة حمى الضنك والمياه الجوفية وبحيرة المسك وجئت بكاميرتي الى هنا الى الجنوب لاجزاء عديدة من عسير وجزء من جازان.. ورغم التصاق المنطقتين في جنوب عسير وشمال جازان الا أنه وبمجرد الخروج من عسير.. وبعد كيلو مترات من السير في جازان المنطقة تشعر بأن عسير المنطقة.. قد انتهت وبدأت منطقة أخرى تحتاج الى جهد كبير لتنميتها.. والى عمل متواصل لنقلها الى مستوى يماثل شقيقتها التي تقع في شمالها.. وسوف تتطرق هذه الجولة الى هذا الفرق عندما يأخذنا الطريق الى الدرب والشقيق وبيش؟
التنقل في عقبات عسير.. امر مخيف لمثلي وقد عشت في مدينة منبسطة لا اعرف فيها المرتفعات الشاهقة الاعندما اذهب الى الطائف عبر طريق الهدى.. او عندما تؤرجحني مطبات الشوارع وحفرها المنتشرة في كل شوارع جدة.
تسلق الجبال
في عسير التهامة والسراة لم يعد صعبا حتى على ساكن بيت الصفيح والحجارة في تهامة قحطان او تهامة عسير ان ترى التهامي بلباسه التقليدي.. وهو يتسلق بسيارته عبر عقبات عسير الاربع المشهورة وهي عقبة ضلع وعقبة شعار وعقبة الصماء وعقبة الجوه يتجول بسيارته في ابها او سراة عبيدة او خميس مشيط.. او يهبط سكان السراة من مرتفعاتهم عبر تلك العقبات الى تهامة او الدرب او الشقيق او بيش بحثا عن الدفء في اوقات شتاء مرتفعات عسير القارس والذي تنخفض فيه درجة الحرارة الى ادنى مستوياتها.. او قضاء ساعات على شاطئ وكورنيش بيش او في الدرب او على شاطئ الحريضة او الشقيق.. عبر طرق معبدة تتطور هذه الايام لتكون حديثة ومزدوجة في اغلب الاماكن التي تكثر عليها حركة السيارات سواء في داخل منطقة عسير او في منطقة جازان التي تعتبر امتدادا طبيعيا لتهامة الجنوب.. كما ويجري صيانة الطرق الاخرى القائمة على قدم وساق بعد موسم الامطار والسيول الذي مر باقل خسائر بشرية هذا العام اكثر من الاعوام السابقة.
كشف المستور
كشف المستور هذه المرة لا يعني كشف الجوانب السلبية والحديث عنها ومناقشتها فحسب وانما كشف للمستور الذي ربما يغيب بمعلوماته عن القارئ في المملكة على وجه العموم وفي جنوب بلادنا على وجه الخصوص.. فهناك جهود قد لا تلقي لها الجهات المسؤولة بالا.. فتهتم بكشفها اعلاميا.. لانها تعمل ضمن خطة موضوعة..وقد تضطر بعض الجهات الى توضيحها بعد اثارتها صحفيا.. وهناك جهات لاتهتم اصلا بما يثار صحفيا من خلال جولة او تحقيق صحفي ينشر هنا او هناك.
قبل حوالي خمسين عاما تقريبا كانت عسير المنطقة اجزاء متناثرة بين جبال السروات والتي تضم تجمعات سكانية ترتفع حوالي ثلاثة الاف متر عن سطح البحر وتجمعات اخرى في سفوحها وتهامها وبالتحديد تهامة عسير وتهامة قحطان.. وكان الاتصال بين تلك الاجزاء المكونة من مدن وقرى وهجر شبه مستحيل الا عن طريق الجمال او الحمير وعبر وديان ومرتفعات جبلية شاهقة. واليوم تغيرت الصورة وأصبح الاتصال متاحا ومتيسرا عبر أربع عقبات تشهد على نهضة أمة استطاعت أن تقهر المستحيل وتنقل كامل المنطقة من البداوة الى الحضارة دون أن يغير هذا الانتقال من طبيعة حياة الناس وتقاليدهم وممارساتهم الحياتية التي لا زالوا عليها حتى اليوم.. رغم أن ابن تهامة المتوشح بالحوكه والعصابة من الريحان والبعيثران والشذاب.. اصبح يتوشح البدلة العسكرية التي يضع على كتفيه فيها رتباً عسكرية وصلت الى اعلى الرتب ومع ذلك ظل اهلوهم وعشيرتهم على ارتباط بهم رغم حياة الفلل والشقق الفاخرة التي تحتويها المدن التي يعيشون فيها.. كما استمر أهل السراة في ثقافتهم وعلى عاداتهم رغم هذا الحضور المكثف لهم في مؤسسات الدولة ابتداء من مجلس الوزراء وانتهاء بالعمل في الادارات المختلفة التعليمية منها والاجتماعية والخدمية.. ودخل ابن الجنوب بقوة في مشاركة اخوانه من كافة مدن المملكة وقراها ليكون طبيبا ومهندسا وقائدا عسكريا وملاحا جويا وبحريا ومثقفا وكاتبا وصحفيا.
عسير.. سباق التنمية (الحلقة الاولى)
ماذا فعلت العقبات في الجنوب ؟!
6 يونيو 2006 - 19:56
|
آخر تحديث 6 يونيو 2006 - 19:56
ماذا فعلت العقبات في الجنوب ؟!
تابع قناة عكاظ على الواتساب
جولة وتصوير: عبدالعزيز النهاري (عسير)
