يهل علينا شهر القرآن والغفران، شهر التوبة والرحمة والإحسان، وتفتح مدرسته أذرعها لطلاب مدرسة التقوى والنور والإيمان التي تخول لخريجها بيوتا في الجنة وتضمن لهم -إذا ما نجحوا في امتحانها اليسير على المجتهدين والعسير على المقصرين -العتق من النار- هكذا هو هذا الشهر الذي فضله الله على غيره من الأشهر.. يأتي أسرع من طرفة العين، وتمضي أيامه الفضيلة ولياليه المباركة سراعاً فلا تحسبها أياماً ولياليِ، بل ساعات ولحظات تسابق بعضها بعضاً!
ولاشك أن بلوغ رمضان نعمة عظمى ومنة كبرى لا يقدرها حق قدرها إلا الصالحون العالمون بفضائل الأيام والشهور والدهور، ولذلك كان صلى الله عليه وسلم يدعو ربه أن يبلغه رمضان، وكان الصحابة كذلك يدعون ربهم أن يبلغهم إياه لما يعلمون فيه من الفضائل والجوائز.
وفريضة الصوم أحب العبادات إلى الله وأنفعها للناس، يقول ابن القيم: «الصيام لجام المتقين وجنة المحاربين، ورياضة الأبرار والمقربين، وهو سر بين العبد وربه، لا يطلع عليه سواه»، وقد نسبه الله لنفسه من دون غيره من العبادات «كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به».
وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين».
وقال صلى الله عليه وسلم: «إذا كان أول ليلة من رمضان، صفدت الشياطين ومردة الجن، وغلقت أبواب النيران فلم يفتح منها باب، وينادي منادٍ يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر.. ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة». رواه الترمذي.
ورمضان هو أيضاً شهر الدعاء والإجابة لقوله تعالى: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون) (البقرة: 185-186).
وقال عليه الصلاة والسلام: «لكل مسلم دعوة مستجابة يدعو بها في رمضان»، وقال عليه الصلاة والسلام: «ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حتى يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم»، رواه أحمد.
وبالرغم من أن غالبية الناس يدركون هذه الحقائق الرمضانية التي يؤكدها الأئمة من على المنابر قبيل مجيء الشهر وخلاله، وتتناولها الصفحات الإسلامية في الصحف والبرامج الإسلامية في التلفاز، إلا أن كثيرين هم الذين يستقبلون شهر الصيام بتكديس الأطعمة والأشربة، وابتياع أضعاف الكميات المستهلكة في الأشهر العادية، لهؤلاء أقول: أهذا الشهر هو شهر إقامة ركن من أركان الإسلام الخمسة وهو الصيام.. أم شهر الأكل والشرب والتلذذ بما لذ وطاب من الطعام، فلا يمضي الشهر إلا ونرى أولئك الناس وقد ازدادت أوزانهم وتكدست الشحوم على قلوبهم وصدورهم؟!
وكثيرون هم الذين يستقبلون هذا الشهر المبارك بقضاء السهرات الطوال وقد تسمرت أعينهم بشاشات التلفاز يتنقلون من فضائية إلى أخرى ومن مسلسل إلى مسلسل ومن فيلم إلى فيلم، لهؤلاء أقول: أهذا الشهر الذي أنزل فيه القرآن وتميز عن غيره من الأشهر بليلة القدر التي هي خير من ألف شهر.. هو شهر تلاوة القرآن وتلمس سبل الخير وصلاح الحال من خلال قراءة السيرة النبوية العطرة وأخبار الصحابة رضوان الله عليهم.. أم هو شهر لمشاهدة المسلسلات الساقطة والأفلام الهابطة والانصراف عن ذكر الله إلى ما يغضبه والعياذ بالله؟
وكثيرون هم الذين يقضون نهارهم خلال الشهر الكريم يغطون في النوم العميق، والمؤسف أن البعض منهم يحل لنفسه النوم أثناء العمل، وكأن شهر رمضان الذي شهد أعظم انتصارات المسلمين في معاركهم الفاصلة بدءاً بمعركة بدر العظيمة التي سطرت الانتصار الأول للإسلام على قوى البغي والشر والظلام والجاهلية، وليس نهاية -بإذن الله- بحرب رمضان المجيدة عام 1393هـ التي أنهت أسطورة إسرائيل التي لا يقهر جيشها فإذا به يقهر بسواعد الإيمان التي انطلقت في العاشر من رمضان من ذلك العام لتمسح آثار هزيمة حزيران وتعلن للملأ أن الإيمان والصبر هو السلاح الأمضى في معارك التحرير.
أسأل الله أن يبلغنا وإياكم رمضان، وأعاننا على قيامه وصيامه والنجاح في امتحانه، وجعله الله شهر خير وبركة ونصر لأمة الإسلام.. اللهم بلغنا رمضان وأحسن عملنا فيه، إنك أجود مسؤول وخير مأمول.
أهلاً شهر القرآن والغفران
27 أغسطس 2008 - 20:47
|
آخر تحديث 27 أغسطس 2008 - 20:47
تابع قناة عكاظ على الواتساب