يحتل الوعي السياسي قمة الهرم في منظومة الوعي العام بمفهومه الواسع، واقصد بالوعي السياسي تحديدا؛ قدرة الأفراد والمجتمعات على إدراك وتفسير وقائع الأحداث ومجرياتها ومنطلقاتها وتحليلها وفهمها، من منظور سياسي/ اجتماعي، ومعرفة العناصر المؤثرة في بناء الاحداث ومساراتها المحلية والاقليمية والدولية، خاصة المتعلقة بالسياسي والفكري، مما يمكن من التعاطي مع الراهن السياسي برؤية واضحة ومستنيرة، والمشاركة في تطويره بشكل مستمر، والتحوط للقادم من الأيام بالمعنى الاقتصادي والسياسي، ببرامج وطنية محصنة.
ومفهوم الوعي السياسي لايقتصر على النخب والقيادات الفكرية والسياسية والاجتماعية التي كلما ارتفع درجة الوعي لديها استطاعت أن تدرك التحديات المحدقة بالأمة، ومتابعة مصالح الوطن، وتقديمها وتغليبها، برؤية ديناميكية وبراغماتية تراعي المتغيرات التي تمر بها ذهنية الأفراد وسيكولوجية المجتمع، التي تنمو وتكبر مثلما ينمو الجسم البشري بفعل الصيرورة التاريخية، خاصة مع تكثيف عمليات الضخ المعلوماتي والإعلامي المسيس عبر شبكة الانترنت والفضائيات الإخبارية، ما احدث تحولات واسعة في الوعي السياسي والاجتماعي.
ويعد التدخل في صناعة الوعي الوطني، وتحديد اتجاهاته الرأسية والأفقية والمساهمة في تشكيله وقياداته، وإشراك كافة المحركات والمرجعيات الفكرية والاجتماعية في صياغته وبلورته؛ مطلبا وطنيا واستراتيجيا، عوضا عن تركه للتشكلات العشوائية والتجاذبات الفكرية والاجتماعية والمذهبية التي تغلب المصلحة الفئوية على المصلحة الوطنية. فالتحولات الحادثة في فضاءات الوعي السياسي تؤثر على طبيعة التدافع الاجتماعي بين فئات المجتمع ومكوناته، وهو حراك طبيعي يجسد سنن الحياة والتاريخ، التي أكدها القرآن الكريم، ليبرز هنا دور الدولة، كمنظم لهذا التدافع البشري بين قطاعات المجتمع، وتوظيف ذلك بما يكفل مصلحة الوطن والأمة، وفق قواعد وطنية ثابتة، عنوانها العريض العدالة الاجتماعية ومبدأ تكافؤ الفرص في مشروع البناء الوطني والتنمية.
ولمقاربة هذا المفهوم في التدافع الجماهيري -مثلا- في أسواق البورصات المالية التي تشهد اكتظاظا وتدافعا لافتين، حيث يبرز دور الهيئات في تنظيم الحراك، التدافع والتنافس وفق سياسة صارمة، ومعايير واضحة، وشفافية بارزة، تحدد الحقوق والواجبات لهذا الميدان والمتعاملين فيه، منعا للغبن الاقتصادي او الاجتماعي، وإحقاقا لسياسة الدولة في حفظ الأمن الوطني بالمعنى الواسع.
وفي المقابل، يبرز عنصر التدافع الاجتماعي بين الكتل البشرية كمحرك رئيس في مشاريع بناء الأوطان في حال استثمارها بذكاء سياسي رفيع، لاسيما ان المنظم لا مصلحة له في تغليب أية فئة، ما يستدعي رفع درجة ضبط التدافع عبر معايير وطنية وفنية، مستقلة، تتصدى لعمليات الفرز الاجتماعي المناطقي او الفكري او العرقي، وتعلي مقياس القدرة والكفاءة للارتقاء بعمليات البناء، وتطبيق مبدأ العدالة، وتوسيع رقعة المشاركة، وهذا يتطلب تجاوز البيروقراطية السائدة، والدوائر الإدارية المغلقة، إلى أساليب ووسائل مبتكرة، قادرة على الفرز الوطني، وفق معايير الكفاءة، وتغليب المحركات الوطنية، على المحركات ماتحت الوطنية، لمواجهة التحديات والتصدي للوعي المتخلف الذي تعيد إنتاجه بنيات فكرية وإدارية تصنف المجتمع وتعطل قدراته ومحركاته.
alfirm@gmail.com
للتواصل ارسل رسالة نصية sms إلى الرقم 88548 تبدأ بالرمز 166 مسافة ثم الرسالة
الوعي السياسي والتدافع الاجتماعي
9 يونيو 2008 - 20:33
|
آخر تحديث 9 يونيو 2008 - 20:33
تابع قناة عكاظ على الواتساب
