يسير التقدم والتطور والتحديث في جميع دول العالم المتقدم جنباً إلى جنب مع المحافظة على التراث والموروثات، خاصة ما كان متعلقاً بالمعمار.. وهذا أمر ظاهر يشاهده ويلمسه كل من يزور دولة من الدول الأوروبية.. فهم لم يفرطوا في تراثهم المعماري القديم بل ما زالوا يولونه بالعناية والرعاية والصيانة، لم يمنعهم من ذلك تشييد المباني والأبراج وناطحات السحاب الحديثة.. وعلى عكس ذلك نجد أننا في عالمنا العربي جرينا وراء تحديث مدننا، لكننا اتجهنا فقط نحو البناء الحديث بمبانيه الزجاجية الشاهقة، أما جانب المحافظة على المعمار التراثي فإننا إما نسيناه أو تجاهلناه.
بداية، لا بد أن أسجل أن لمصر وللقاهرة بالذات مكانة مميزة في نفسي وذلك حتى لا يفسر ما سأطرحه على غير ما أقصده.. وهو غالباً الحال.. في مصر وكثير من الدول العربية الأخرى. مرت سنوات عدة منذ آخر زيارة لي لمصر.. ولم يكن عدم الذهاب بسببي.. بل إنني كنت وما زلت أضع السفر للقاهرة في أول قائمة الاختيارات وذلك حين تسمح الظروف بالسفر خارج المملكة. وارتباطي بهذا المكان لا يعود فقط إلى أول زيارة لي لها.. بل يرجع إلى سنوات أبعد.. إلى سنوات الطفولة الأولى.. عرفتها مما يرويه العائدون وإلى ما كنا نراه عبر المجلات والأفلام السينمائية في العروض المنزلية الخاصة.. وبمعنى أدق كانت هي أرض الأحلام بالنسبة لي.. وظلت كذلك حتى بعد ذهابي إليها في أوائل الستينات الميلادية طفلة صغيرة قادمة من مكة.. وكان الانبهار مبرراً وله أسبابه حينها.. وتعلقت بالمدينة التي ترعرعت فيها وتكونت علاقة متينة بيني وبين جزيئاتها وكلياتها؛ المباني العريقة، الأدب، الفن، العلم، حلاوة الروح، وخفة الدم.. إلخ.
وبعد انتهاء سنوات الدراسة.. كانت الزيارات متباعدة وغير منتظمة وفي كل مرة يتكرر نفس الانطباع.. ويبرز نفس السؤال.. لماذا يتجه مؤشر المدينة في كل مرة إلى الأسفل.. ولا أجد جواباً.. وكلما مرت الأعوام تبدو القاهرة وكأنها تفقد درجات من مؤشر تقدمها وتفوقها الذي عايشته؛ فالمباني التي كانت صروحاً صار يعلوها التراب والسواد، الشوارع تزداد ازدحاماً واختناقاً، مستوى النظافة يتدنى في كل مرة عن المرات السابقة. وأنا عندما أذهب لا أبحث عن الفنادق الفاخرة أو السهرات التي تقام فيها بل أبحث وأتجول في القاهرة التي عرفتها.. صحيح أن كثيرا من المعالم لم تتغير ولكنها ليست كما كانت، وكأن هناك اتفاقاً ضمنياً بين المستويين الرسمي والشعبي على ذلك الاهمال.. ولا بد أن من عرف هذه الأماكن في عهدها الذهبي يشعر بالحزن وهو يراها الآن.
في رحلتي الأخيرة للقاهرة حزنت كثيراً على المباني العريقة وقد طالتها يد الاهمال وبرغم ذلك فهي صامدة.. لا تحتاج إلا إلى عناية وصيانة.. تمتد هذه المباني منذ دخولك إلى المطار وعبر جميع الأحياء.
تقصيت عن المتحف الذي أقامته وزارة الثقافة لمقتنيات أم كلثوم.. وعرفت أنه موجود داخل قصر المنسترلي بالروضة.. ذهبت لأجد نفسي أمام قصر كبير يقع في نهاية جزيرة منيل الروضة، أي أنه محاط بالنيل من ثلاث جهات ـ قصر بديع (مهجور) لم يكن هناك زوار ـ دخلنا إلى القصر فوجدنا المتحف يمثل ملحقاً صغيراً خارجه. وأول المفاجآت كان رسم الدخول إلى المتحف (جنيهين)!! نعم جنيهان فقط لا غير وفي الداخل فاترينات زجاجية تحوي ما أمكن جمعه من بقايا أوراق وملابس وصور للراحلة الكبيرة، وغرفة لعرض فيلم وثائقي وغرفة أخرى بها أربعة أجهزة كمبيوتر محملة ببعض الأفلام الوثائقية و.... وبس.. كان الزوار (أربعة)؛ أنا وزوجي واثنين آخرين، ـ اختصر المئتي مليون عربي في أربعة أشخاص.. أي أن الحصيلة المادية لذلك اليوم ثمانية جنيهات مصرية فقط ـ ولن أقارن ذلك بقيمة ما يدفع من رسوم لحفلات الرقص والغناء المبتذل!. خرجنا من المتحف لنتجول في القصر الذي كان يملكه المنسترلي وبه "مقياس النيل" حين كان الخديوي يحدد الضرائب على الفلاحين وفق ما يشير إليه المقياس من ارتفاع لمنسوب النيل بعد الفيضان، المقياس علاه الصدأ وتراكمت عليه الأوساخ!
انتقلنا إلى القصر.. وجدناه مغلقاً وقفنا بشرفة كبيرة بديعة خارجة تطل على النيل، زُين سقفها بخشب محفور منقوش بألوان بديعة رائعة، لن يصمد لسنوات قادمة تحت عوامل التعرية والأشجار التي طالت فصارت تهدد ذلك السقف الجميل وتخلع أجزاءه وأطرافه. تعجبت وحزنت.. فمصر بل القاهرة وحدها مليئة بالثروات الجمالية.. كيف لا يعمد مسؤولوها ومواطنوها والأثرياء منهم خاصة للقيام بكل ما يلزم للحفاظ على هذه الثروات والعناية بها.. فهي شواهد عظيمة على تاريخ امتزجت فيه حضارات متعددة فشكلت فناً معمارياً فريداً.. إن الرقي ليس فقط في بناء الفنادق الفخمة فقط بل في الحفاظ على ما نملكه من ثروات، والمعمار من أهم هذه الثروات.. وذلك يحدث في كل دول العالم المتقدم الذي يحافظ على مبانيه الأثرية جنباً إلى جنب مع ما يحرزه من تقدم في كافة المجالات، وإذا كنت أطالب بالحفاظ على هذه الثروات في مصر برعايتها وصيانتها لا أطالب بذلك هنا.. فنحن في الحقيقة لا نحتاج إلى صيانة ورعاية ما لدينا من معمار لأنه ببساطة شديدة.. لم يعد موجوداً.
بالمناسبة وقبل أن أنهي هذا الموضوع طالعت في (عكاظ) الأحد 7/4/1429هـ تحقيقاً تحت عنوان "قصر السقاف.. شاهد يحتضر" وفيه الكثير مما أشرت إليه حول إهمال تراثنا المعماري ويمكن لمن يرغب أن يعود إليه ليقرأه في الصفحة الحادية عشرة من الجريدة.
للتواصل ارسل sms الى الرقم 88548 تبدأ بالرمز 137 ثم الرسالة
أخبار ذات صلة