لي صديق له رؤية عجيبة للأشياء، وقدرة هائلة على تسفيهها وتتفيهها (جعلها تبدو تافهة)،.. مثلا تقول له هيا نذهب الى مطعم يبيع سمكا شهيا، فيقول لك: ما قيمة أكل شيء لذيذ طالما انك تفقد طعم ما تأكله بمجرد نزول اللقمة في بطنك، بل وقد يعقب الأكل الإحساس بحرقة وحموضة في المعدة! تقترح عليه اصطحاب العيال الى عرض جميل للألعاب النارية فيقول لك إن عياله سيشاهدونها على التلفزيون «والمسألة هي، هي».. وتطلب منه ان يشاركك الاستماع الى خطاب مهم ينتظره الملايين لزعيم ما فيكون رده: سأقرأ ملخص الخطاب في صحف الغد.. وقد يضيف: لن يزيدني او ينقصني شيء ان استمعت أو لم استمع له.. وبصراحة فإنني استمتع بفلسفة صديقي هذا في الحياة.. فهو ليس متشائما ولكنه يقول إنه لا يميل الى تحميل الأشياء ما لا تحتمل، وإنه لا يرى أن كثيرا من الأشياء «الممتعة»، عارضة تستمر لدقائق او ساعات او أيام على أبعد تقدير.. ثم دعاني الى حفل زواج ابنه فقلت له: ولماذا تقيم حفلا طالما الفرحة بالحفل عارضة، وتنتهي بانفضاض السامر؟ فقال إنه ليس معنيا بالحفل، بل لو كان الأمر بيده لما أقام حفلا بتلك المناسبة، ولكنه رضخ لضغوط الأهل.. وجاء يوم الحفل وبحثت عنه في أرجاء قاعة ضخمة ووجدته يجلس في ركن قصي مع عدد من الأصدقاء: يا رجل قف عند المدخل لتستقبل الضيوف... قال إن ولده (العريس) يقوم بتلك المهمة لأن المناسبة تخصه.. سألته: ألست سعيدا بأن ابنك يتزوج أم أنك تعتبرها سعادة عارضة؟ قال: بالعكس فرحان بالمناسبة لكونها بداية شيء جديد قابل للاستمرار.. الزواج ليس كالأكل او الفسحة او مشاهدة منظر جميل يزول أثره بالابتعاد عنه.. وبالتالي فإن سعادتي وفرحتي بزواج ابني ستظل مستمرة لأنني سأستمتع برؤيته مسؤولا عن بيته ولأنني سأفرح بأحفادي إذا رزقه الله بالذرية.
ولم أعرف قيمة فلسفة صديقي في الحياة إلا عندما زارني في البيت مؤخرا، وعندما التقى بأصغر ابنائي سأله عن كيفية قضائه للإجازة المدرسية، فوجدها الولد فرصة ليشكو من أن أبيه (الذي هو أنا) قرر حرمان العائلة من السفر الى الخارج في عطلة ترفيهية! فسأله صديقي عن البلدان التي سبق له زيارتها، فقال الولد كذا وكذا وكذا، فما كان من صديقي إلا أن صفعه بسؤال آخر: هب أنك زرت سويسرا ومنغوليا وكوبا وتايوان ورأيت الشجر والعمران والبحيرات.. ماذا سيضيف لك كل هذا علما بأنك رأيت سلفا عمرانا وبحيرات وأشجاراً في بلدان أخرى.. يا ولدي قد تقنع والدك بأن يذهب بكم الى دولة أخرى، ولكن هذا سيكون غالبا على حسابك أنت.. يعني قد ترهق ميزانية أبيك وبدلا من أن يدخلك جامعة عليها القيمة قد يجد نفسه مضطرا الى تسجيلك في جامعة بسعر التكلفة مناهجها أقل من سعر التكلفة.. وسعدت عندما رأيت عيني ولدي تصابان بالحول.. ولم يفاتحني بعدها في أمر الإجازة في بلاد بره.