الشعر ديوان العرب ومصدر توثيق امجاد العظماء وعندما نقرأ بعض القصائد اوالابيات نكتشف رفعة من كتبت فيه ونتعرف على براعة من كتبها ومن خلال هذه القراءة سوف نتوقف عند بعض المحطات الهامة في حياة صاحب السمو الملكي الامير سلطان بن عبدالعزيز رجل الدولة الذي تحفه الانسانية من كل الجهات. وقد حاولنا استعراض تلك المواقف الخالدة من خلال اشعار الامير خالد الفيصل وما اجمل عذوبة النهر عندما تصافح عظمة وكرم البحر فالامير سلطان ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع والطيران والمفتش العام خدم والده وإخوانه الملوك السابقين رحمهم الله جميعاً، وخدم وطنه المملكة العربية السعودية ما يزيد عن ستة عقود؛ حيث تقلد المناصب في سن مبكرة جداً..
والمتتبع لقصائد الأمير الشاعر خالد الفيصل يجد أنها تشير إلى هذا المعنى وهذه الخدمة العظيمة التي جعلت الأمير سلطان في قلب السياسة السعودية منذ صغره.. بدءًا بإمارته على الرياض وصولاً إلى وقتنا الحاضر..
يقول الأمير خالد في قصيدة «لاواهني من كان سلطان عمه» التي كتبها على طريقة الشعر «المروبع» وفيها من روعة المعاني وقوة السبك ما هو كفيل بشد المستمع والقارئ إليها:
حرٍّ قنص به فرخ صقر الجزيرة
واخوه فيصـــل قدّمه بالمســـيرة
له خـــــبرةٍ في كل دربٍ غزيـرة
يجلى سماها لا اظلمت فيه غمّة
فعندما يقول «حر قنص به فرخ صقر الجزيرة» يعني أن صقر الجزيرة وهو الملك عبدالعزيز - رحمه الله – قد أولاه ثقته مبكراً وعيّنه أميراً على عاصمة ملكه «الرياض» وهو في سن مبكرة جداً، مثل فرخ الصقر الذي لتوه حذق «الهداد» فكأن الملك عبدالعزيز قد «قنص» به أي أدخله معترك الخدمة الوطنية مبكراً؛ لما لمسه فيه من فطنة وذكاء واستعداد فطري لتحمل المسئوليات .. وهذا ما أهّله ليتسلّم حقيبتين وزاريتين في أول مجلس للوزراء تم تشكيله في عهد الملك سعود –رحمه الله – حيث تولى وزارة الزراعة ثم وزارة المواصلات.. مؤسساً لخدمات حيوية في المملكة الفتية الناشئة.. وما إسناد هاتين المهمتين الجسيمتين لسموه إلا دليل ثقة الملك سعود رحمه الله فيه، وصدق حدس الملك عبدالعزيز وحسن تقييمه لقدرات الرجال.
ثم يقول الأمير خالد في قصيدته «واخوه فيصل قدّمه بالمسيرة» وهنا يأتي الشاعر لمرحلة مهمة وحساسة جداً من تاريخ المملكة ومن مراحل المسئولية التي تولاها الأمير سلطان؛ فالمنطقة العربية في الثمانينات الهجرية قد تفجرت فيها مشكلات سياسية مثل النكسة وتداعياتها، والمملكة قد أحدقت بها المخاطر حيث التهديد القادم من اليمن بمساندة مصرية؛ وهو ما استوجب رجال حزم ومسئولية لتولي الأمور استعداداً للخطر الداهم.. فاستعرض الفيصل – الذي كان قد فوضه أخوه سعود بإدارة شئون البلاد - كنانته وأخذ أصلب وأقوى أسهمها للمناصب الحساسة ومنهم الأمير سلطان الذي أسند إليه وزارة الدفاع والطيران.. الوزارة التي كانت أحوج ما تكون المملكة في ذلك الوقت إلى من يبنيها البناء الصحيح ويعزز دورها الدفاعي..
وبالفعل تسلّم الأمير سلطان هذه المهمة وقام ببناء وزارة الدفاع والطيران.. تأسيساً جديداً يلبي متطلبات تلك المرحلة وتطويراً مستمراً يواكب الزمن حتى وصلت إلى ما هي عليه اليوم..
يقول الملك فيصل إعجاباً بقدرات الأمير سلطان: «إنه الرجل الذي يقدر على نفسه، ومن يقدر على نفسه يقدر على الناس»..
ويثنّي الأمير خالد بقوله «له خبرة في كل دربٍ غزيرة».. نعم فخبرة سلطان غزيرة وكبيرة في كل درب؛ فالمسئوليات التي يتولاها من مناصب ولجان وهيئات ومجالس تنبؤك عن رجل دولة عميق الفهم قوي الإرادة حصيف الرأي.. إضافة إلى ما حنّكته به الحياة من تجارب وخبرات..
ويقول في نهاية المقطع «يجلى سماها لا اظلمت فيه غمّة».. سلطان كالبدر المنير الذي يشرق في الليلة الظلماء فيجلو ظلامها.. ويحيلها من «غدراء» إلى «بدراء».. والمعنى أنه لا تستعصي عند حكمته – بعد توفيق الله – المشكلات فلها عند سموه الحل..
ثم يؤكد المعنى الذي يكتب عنه وهو الحديث عن الأمير سلطان كرجل دولة خدم ملوكه ووطنه بكل إخلاص وكفاءة فيقول:
له فوق خمسين السنة ما ترجّـل
سرجه على صهوة أصيل ٍ محجّل
واسمه على لوح الشهامة مسجّـل
وإن قال يفعل .. وإن تعهّد يتمّه
لله درّك يا أباخالد.. خدمت الوطن والمواطن عقوداً طويلة من الزمن.. كأنك فارس على صهوة حصانه يجوب ميادين الخدمة الوطنية المشرفة ويقطع ميادينها الطويلة مستسهلاً صعبها وتعبها في سبيل خدمة الوطن وراحة المواطن.. حتى في الأعياد.. نراه يسافر للشمال عيداً وللجنوب في العيد الآخر لمشاركة أبنائه فرحة العيد في مناطقهم وبين أهاليهم..
ثم يقول: «واسمه على لوح الشهامة مسجّل».. كيف لا يسجّل اسمه على لوح الشهامة وحتى على القلوب النقية المنصفة التي تعرف ماذا قدّم سلطان بن عبدالعزيز للوطن وللأمة!!
«إن قال يفعل وإن تعهّد يتمّه».. وهذه إحدى صفاته التي دائماً ما يؤكدها وهو أنه يدع الأفعال والإنجازات تتحدث عن نفسها.. وهو وافي عهد ولا أروع من صور وفائه مع أخيه ومليكه خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز.. فالحب والتفاهم المتبادل يجسد وفاء سلطان وولاءه..
حتى عندما مرض الأمير سلطان – حفظه الله – لم يتوان أو يخلد للراحة بل اضطلع بمسئولياته وقام بها على الوجه الأكمل؛ جاعلاً ذلك على حساب راحته الشخصية.. ولا أنسى موقفه عندما كان في رحلة نقاهة خارج المملكة بعد عملية جراحية أجريت لسموه، حيث اندلعت أزمة الخليج وأصر على العودة إلى المملكة رغم طلب الملك فهد - رحمه الله - منه أن يهتم بنفسه ويبقى في نقاهته حتى يكتمل علاجه.. ولكن هيهات وسلطان قد شرب حب الوطن وحب العمل لا سيما في ظروف الشدة.. فعاد إلى المملكة واضطلع بدوره كنائب ثان ووزير للدفاع بجانب أخويه فهد وعبدالله حتى انجلت الغمة..
إن جسمه لا يكاد يلحق آماله وهمّته في خدمة وطنه.. فنفسه الكبيرة تحب العمل وترفض الدعة. ولذلك يقول الأمير خالد في قصيدة أخرى مترجماً هذا المعنى:
بالهون يا متعب قوايمك بخطـاك
ما تستطيع الرجل تلحق هقاويك
ارفق على نفسك ودربك وممشاك
تعب القدم والدرب واللي يباريك
وبالفعل النفوس الكبيرة تتعب في مرادها الأجسام..
ولا شك أن تولي المسئوليات حمل كبير ومهمة عظيمة.. والأمير سلطان زيادة على المناصب التي يتولاها فهو يرأس العديد من اللجان والمجالس والهيئات التي تعمل في خدمة الوطن والمواطن.. ويؤكد الأمير خالد هذا المعنى بقوله في إحدى قصائده:
مثلك .. جعله الله للناس مسئــول
من فوق حمله .. حمل غيره يشيله
ومثلك يذب الريع والحمل منقــول
يقطع به الفرجة ولو هي طويلــه
يا له من تصوير جميل.. فهذا المسئول يحمل مسئولياته ومسئوليات الناس.. وهو على قدر المسئولية لأنه «يذب الريع» و«يقطع به الفرجة ولو هي طويلة».. بل إنه يتلذذ بالمتاعب في سبيل راحة من يخدمهم.. ويؤكد الأمير خالد الفيصل هذا المعنى في قصيدة أخرى فيقول:
للجسم حد وغايتك ما لها حـدود
ظلمت نفسك من قديم .. وتــالي
ما تنتظر للجود يا شيخ مــــردود
تشرب مرار .. وتسقي الغير حالي