العلاج بالرقية اصبح باباً واسعاً يدلف منه الدجالون والمحتالون مستغلين حاجة المرضى للعلاج لتحقيق الثراء فضلاً عن تطفل البعض الذين يمارسون الرقية بدون علم شرعي حتى انتشرت طرق للعلاج ما انزل الله بها من سلطان كأن يصعد احدهم أعلى خزان ويقوم بالنفث عليه وبعد ان يتمتم بكلمات غامضة يمسح به على المريض بل يبيع كمايات منه حسب حجم الاناء. وآخر يقوم بتوزيع بطاقات مراجعة للمرضى وتخصيص غرفة للعلاج وتحديد عدد الجلسات ونوعية العلاج وثالث يخلط الاعشاب بالزيت ويعالج به وهكذا فما هي حقيقة الرقية الشرعية وماهي كيفيتها وما حقيقة هؤلاء المتكسبين بها؟
عبدالمعطي البغدادي دار سبع دورات كي يصل الى حل لمعاناته مع صداع مزمن لازمه كثيرا بعد تجاوزه سن الاربعين وبعد ان يئس من الطب الحديث نصحه البعض بالرقية عسى ان يشفى على يد احد منهم فاتجه الى مقرئ من الدرجة الاولى كما وصفوه فيقول: لم اصدق عيني فأنا أمام منزل مكتظ بالبشر من كل حدب وصوب والسيارات تكاد تغلق جميع المنافذ المؤدية الى ذلك المقرئ وبعد ان دخلت فوجئت بأن هناك موظفين للاستقبال يقدمون ارقاما للمرضى تحدد ادوارهم بعد ان يأخذوا مبلغ الكشف وهو مبلغ لا يقل عن اي مستشفى «خمسة نجوم» وبعد ان دخلت على الشيخ اخبرني بأني مصاب بالعين والعلاج يكون بالقراءة المنتظمة وهي نوعان قراءة عامة وسعرها خمسون ريالا وقراءة خاصة وقيمتها مائة ريال اضافة الى اعشاب نقوم بشرائها من مقره وخرجت بعد ذلك بمبلغ اربعمائة ريال لم املك سواها فقط!
متكسبون بالرقية
اما محمد الفايز فلم يكن اكثر حظا من سابقه فقد وقع ضحية لاحد المتكسبين بالرقية ويضيف معاناته معهم فيقول: غلطتي اني ذهبت مسرعا لاحد المعالجين بالقراءة قبل ان اخضع لكشف طبي في أحد المستشفيات فما حدث انه قام باخباري بأني مصاب بالعين الامر الذي سبب لي انتفاخا في الرجل اليسرى وانا كنت اعتقد ذلك وبعد علاج استمر اكثر من عام كامل دفعت خلاله اموالا طائلة اكتشف ان حالتي كما هي فاضطررت الى اللجوء الى احد المستشفيات فاكتشفت بأن ورماً حميدا قد تسبب في تآكل اجزاء من رجلي حتى ان احد الاطباء قال لي انه قد يستلزم الامر استئصال جزء من رجلي، والمرضى بحاجة للعلاج ايا كان نوعه وثمنه ولكل معالج طرق معلنة وغير معلنة فمن المعالجين من يطلب من المرضى قراءة القرآن الكريم باستمرار ومنهم من يطلب من المرضى الغسيل بماء زمزم ومنهم من يقدم عبوات تحمل اعشابا وزيوتا لها رائحة غريبة.
يقول احد الذين يباشرون علاج الحالات في احدى المدن عن سبب اعطائه المرضى عبوات ماء بلاستيكية من الحجم الصغير واخرى من الزيت وشريط من القرآن الكريم لتلاوته بعد الانتهاء من القراءة ان ذلك يرتبط بما يعانيه كل فرد منهم فبعضهم يعاني من تلبس الجن والبعض الآخر من خوف شديد او فرح شديد وآخرون من ضعف في الشخصية وعدم الانتظام في اداء الشعائر الدينية حيث يختلف العلاج من حالة لاخرى فهناك من يتم شفاؤه باذن الله في جلسة واحدة وهناك من يحتاج لاكثر من ذلك.
القراءة بنية الشفاء
الشيخ علي الغامدي احد المعالجين بالرقية الشرعية قال: نحن نقوم بالقراءة على المريض بنية الشفاء والنتائج من عند الله فليس كل من حفظ شيئا من القرآن اصبح معالجا فهو علم يجب الالمام به واعرف ان هناك الان الكثير ممن يدعون العلاج بالرقية وهم ليسو اهلا لها حتى ظهرت الكثير من الممارسات الغريبة عند الكثير من المعالجين فمنهم من يصعق بالكهرباء ومنهم من يخنق الناس وهذا لا يجوز او من المعالجين من يستخدم كثيراً من الاعشاب التي لم ترد فيه العلاج بالرقية الشرعية فلم يرد العلاج سوى بالعسل وماء زمزم والحبة السوداء ورغم ذلك كله فالعلاج بيد الله وماهذه سوى اسباب تؤدي الى الشفاء ونحن بدورنا نقوم باعطاء شحنات ايمانية للمرضى ونحصن بالاذكار.
العلاج بالضرب
واما عن الضرب فيقول: ثبت الضرب عن السلف الصالح ولكن ليس لكل واحد حق الضرب لان العديد من الناس من تجاوزا حدود المعقول في الضرب موجهاً نصيحته للمرضى بأن يتحروا الدقة فيمن يذهبون اليهم بالرجوع لمن هم معتمدين في الدعوة والارشاد حيث اعتمدت لجنة الرقية الشرعية المشكلة من الامارة الكثير من المشائخ الذين يعتبرون من المراجع في العلاج بالقرآن.
الدكتور: عايض بن مقبول بن حمود القرني «دكتوراة في الفقة الاسلامي المقارن» يعرف الرقية الشرعية بأنها امر مشروع ومعلوم من الدين بالضرورة وهي ما يقرأ على المريض من الآيات والأدعية التي تذهب عنه ما ألم به من بلاء، سواء في ذلك المرض العضوي او النفسي فالقرآن شفاء، لأنه كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، قال تعالى: {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين} فيجوز الاستشفاء والاسترقاء به، فالرقية الشرعية يراد بها دفع الضرر في الأبدان والأرواح أو الأحوال، فتدفع الضرر قبل وقوعه وترفعه بعد وقوعه وتخفف منه اذا وقع، وكثير من المرضى تشافوا بالرقى الشرعية، من القرآن الكريم وصحيح السنة، وبهذا يتضح مكانة الراقي العظيمة فهو مجاهد في سبيل الله وهو محسن الى الناس لأنه يواجه السحرة وأعوانهم ويواجه الشياطين والمردة كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. ويضيف الدكتور القرني ان الرقية المتفق عليها بين أهل العلم على قسمين:
القسم الأول: قراءة شيء من القرآن ثم النفث في اليد أو اليدين ومسح العضو المصاب وغير المصاب بهما.
القسم الثاني: قراءة شيء من القرآن ثم النفث في سائل كالزيت والماء ونحوهما، وشربه والتمسح به.
جواز الرقية الشرعية
وقد دل على جواز الرقية أدلة كثيرة منها: حديث جابر قال: {لدغت رجلا منا عقرب ونحن جلوس مع النبي صلى الله عليه وسلم فقال رجل يارسول الله أرقي؟ قال: من استطاع ان ينفع اخاه فليفعل} رواه مسلم، وعنه أيضا قال: { نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرقى، فجاء آل عمرو بن حزم الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يارسول الله انه كانت عندنا رقية يرقى بها من العقرب، وأنك نهيت في الرقى، قال: فعرضوها عليه، فقال: ما أرى بأسا، من استطاع منكم ان ينفع اخاه فلينفعه} رواه مسلم.
أخذ الاجرة
ولا يجوز التقليل من شأن الرقية الشرعية حين لا يجيدها من يستخدمها، وبالتالي لا تؤثر على حاله، فإن أحوال الرقاة تتفاوت بناء على تدبرهم لما يقرأونه، وبالتالي تتفاوت الاستفادة من الرقية، مما يثير الشك حول فائدة الرقية، ويفتح المجال للحديث حول الرقاة وتكسبهم بالرقية والطعن في بعضهم، فالحديث عن الأجرة عليها لا يختلف عن غيرها من أعمال الخير التي يأخذ الانسان عليها أجراً كالتعليم في المؤسسات التعليمية، والدعوة الى الله مقابل وظائف مخصصة لهذا العمل، وقد اتفق الأئمة الأربعة أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم من العلماء على جواز أخذ الأجرة على الرقية مستدلين في ذلك بأحاديث صحيحة صريحة لا تحتمل التأويل ومنها: مارواه أبو سعيد الخدري- رضي الله عليه- قال: {انطلق نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في سفرة سافروها حتى نزلوا على حي من أحياء العرب، فاستضافوهم، فأبوا ان يضيفوهم، فلدغ سيد ذلك الحي، فسعوا له بكل شيء لا ينفعه شيء، فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا لعلهم أن يكون عند بعضهم شيء، فأتوهم، فقالوا: يا أيها الرهط! ان سيدنا لدغ، وسعينا له بكل شيء لا ينفعه، فهل عند أحد منكم شيء؟ فقال بعضهم:نعم والله إني لأرقي، ولكن استضفناكم، فلم تضيفونا، فما انا براق حتى تجعلوا لنا جعلا، فصالحوهم على قطيع من الغنم، فانطلق يتفل عليه، ويقرأ: الحمد لله رب العالمين، فكأنما أنشط من عقال، فانطلق يمشي وما به قلبة، قال: فأوفوهم جعلهم الذي صالحوهم عليه، فقال بعضهم: اقتسموا، فقال الذي رقى: لا تفعلوا حتى نأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنذكر له الذي كان، فننظر ما يأمرنا، فقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكروا له ذلك، فقال: (وما يدرك أنها رقية؟) ثم قال: (قد أصبتم، اقسموا واضربوا لي معكم سهما) (متفق عليه) وعن ابن عباس- رضي الله عنه- (ان النبي صلى الله عليه وسلم: ان احق ما اخذتم عليه اجرا كتاب الله عز وجل). ففي هذين الحديثين اقرار من النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة على ما أخذوه من الأجر مقابل رقيتهم.
قال النووي- رحمه الله- : (وهذا تصريح بجواز أخذ الأجرة على الرقية بالفاتحة وأنها حلال لا كراهة فيها وكذا الأجرة على تعليم القرآن وهذا مذهب الشافعي ومالك وأحمد واسحاق وأبي ثور وآخرين). واخذ المال في الرقية قد يكون من باب الاجارة كمن يقول اقرأ على مريضي بمبلغ كذا وكذا، سواء في ذلك شفي المريض او لم يشف، وقد تكون جعالة لا تعطى له الا بشرط الشفاء كما في الحديث الاول عن ابي سعيد، فإن اخذ الاجرة فيه مربوط بالشفاء، قال ابن قدامة: (قال ابن موسى: لا بأس بمشارطة الطبيب على البرء لأن أبا سعيد حين رقى الرجل شارطه على البرء) والأولى بالقراء عدم اشتراط اجر محدد، بل يقرأ ويقبض ما يعطى من دون مبالغة ولا إفراط في الأجر من طالب الرقية.
القراءة في الماء والزيت
ولاحرج في القراءة في الماء لعلاج المريض واخذ الاجر مقابل ذلك بما لا يزيد عن سعر الماء والزيت الموجود في الأسواق، ولكن القراءة بالنفث على المريض اولى وافضل واكمل، لما رواه ابو داوود بإسناد حسن ان النبي صلى الله عليه وسلم قرأ لثابت بن قيس بن شماس في ماء وصبه عليه.
ولا فرق في الرقية ان تكون في منزل الراقي او المرقي او في مسجد او أي مكان آخر معد لهذا الغرض ولا يوجد فيه ما يمنع ذكر الله او حضور الملائكة، غير انه يجب على الراقي ان يتق الله تعالى فيمن يرقيه وان يبشره برحمة الله وشفائه له اذا شاء، وان لا يفتح عليه باب الوساوس التي لا ينتهي الى حد كأن يجزم له بأنه ممسوس او مسحور او ان هذا السحر قوي لا يمكن ان يحل الى غير ذلك من المبالغات والزيادات التي لا تستند على علم ديني شرعي، وكذلك يتجنب التحدث مع الجن وتصديقهم وعرض الإسلام على غير المسلم منهم كما يفعله الكثير من الرقاة، مع ان هذا ليس هو المطلوب من الراقي ولم يصح ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا صحابته من بعده رضوان الله عليهم، كما ان بعض الرقاة يستخدم الضرب المبرح الذي يصل الى درجة التجريح للمريض بل وربما التكسير، وكذلك استخدام الصعق الكهربائي الذي قد ينقل المريض من حالته المرضية التي يرغب العلاج منها الى حالة اشد قد لا يتشافى منها الى الأبد، وغير ذلك من الأمور التي لم يأذن بها الشرع. لذا فإن الرقية الشرعية يجب ان لا تكون الا من شخص على قدر كبير من العلم والفهم لما يقدم عليه، ولا يكون غرضه التكسب المحض والتلاعب على الناس، حيث ان المرقي لا يملك من أمره شيئا وقد سلم أموره لهذا الراقي طمعا في ان الله تعالى سيكتب شفاؤه على يده. كذلك يجب على الطالب للرقية ان يستشعر ما يقرأ عليه وان يعلم ان الشفاء بيد الله تعالى وليس بيد الراقي، وان يكون ملتزما بالضوابط الشرعية رجلا كان ام امرأة، حتى يتم الشفاء من الله سبحانه وتعالى، ويكتب له الأجر مقابل صبره على البلاء والمرض، وليعلم ان ما اصابه لم يكن ليخطئه، وليعلم ان قدر الله تعالى نافذ وإنما الرقية وغيرها أسباب لا تنفع الا بإذنه ووفق ارادته ومشيئته.
التكسب بالقرآن
من جانبه اوضح الدكتور: عبدالله الصبيح استاذ علم نفس مشارك بجامعة الامام: ان ظاهرة التكسب بالقرآن غير صحي وغير سليم فالرقية حق وينبغي الانسان ان يرقي نفسه او يرقيه بعض اخوانه لكن الحاصل الآن ان الناس اتجهت الى الرقية بطريقة غير سليمة وبعض الرقاة حولوا الرقية الى مهنة وفي التاريخ الاسلامي لم تكن مهنة من المهن وانما كان بعض الأخيار وبعض الفضلاء من النساء ومن الرجال من يرقي من يحتاج الى الرقية ولم تكن لهم مهنة أبداً ولكن الحاصل الآن بسبب الإقبال انه اصبح عملاً مربحاً واصبح ايضا من يتكسب بالرقية ويحولها الى عمل تجاري الى جانب ذلك انه صاحب ذلك تصرفات غير سليمة سواء كانت من ناحية التعرض للنساء او سواء كان اسخدام شيء من الشعوذة خداعا للجمهور والمحتاج والمغلوب على امره، لذا ينبغي ان تتنبه وزارة الشؤون الاجتماعية او بعض المؤسسات الموجودة في البلاد سواء كانت وزارة الشؤون الاجتماعية او وزارة الشؤون الاسلامية حيث انه لا ينبغي ان يأتي اشخاص جهال غير معروفين بعلم وغير معروفين بسيرة حسنة وغير معروفين بتقوى وورع ويمتهنون مثل هذا العمل فهذا لا يصح كما انه بعض من يرقي قد لا يحسن قراءة القرآن مثل هؤلاء الجهال الذين لا ينبغي لهم ان يمتهنوا مجال الرقية بين الرقية والشعوذة خيط رفيع جدا لا يتبين للناس وبعض هؤلاء المشعوذين يظهرون بصورة الرقية بينما هم في الحقيقة يمتهنون شيئاً من الشعوذة فينبغي ان تكون هناك محاسبة ومراقبة لمثل هؤلاء الناس، ايضا ينبغي لوزارة الشؤون الإسلامية ووزارة الشؤون الاجتماعية ان تتوسع في مراكز استشارات نفسية واجتماعية بحيث تساعد هؤلاء الناس المحتاجين ويخفف من معاناتهم بدل من تركهم لهؤلاء يستغلونهم ويزيدون من همهم. وتؤكد داني آل غالب باحثة اجتماعية عزت ان القرآن هدى وشفاء، اذ قال تعالى: {قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء} (44) سورة فصلت. وقد حملت لنا السنة الكثير مما ورد بشأن حرص الرسول عليه الصلاة والسلام على التداوي بالقرآن، اذ ورد في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان اذا اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم رقاه جبريل» وقالت رضي الله عنها كان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا مرض احد من اهله نفث عليه بالمعوذات، كل هذه النصوص الشرعية تبين لنا ان الرقية مشروعة الا ان انتشار ظاهرة ما يسمى بعيادات العلاج بالرقية الشرعية فتح المجال لأدعياء ودخلاء لا هدف لهم سوى الاتجار بأوجاع الناس وآلامهم. فقد استمرأ البعض التكسب من وراء هذه الممارسات والاتجار بها، الأمر الذي اخرجها عن هدفها المحمود وغايتها النبيلة، وكثير ممن يفعلون جعلوا الكسب المالي غاية واضحة، وغفلوا عن قول الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام «من استطاع ان ينفع أخاه فليفعل» ولا سيما ان هذه الممارسات اصبحت مهنة لمن لم يجد له مهنة.