قد نتفق على أهمية العاملة المنزلية لدى معظم الأسر الخليجية خصوصاً، خلال شهر رمضان المبارك، لهذا نستشعر أحزان النساء جراء ظاهرة هروب العاملات، فالموعد المضروب موسما لفرار النظامي منهن وغير النظامي لا لشيء إلا لتوفر الإغراءات ومنافسات الاستقطاب التي يشتد وطيسها قبيل دخول شهر الموائد، حتى أضحى هذا الفعل سمة اجتماعية تتكرر فتحسب لها الأسر ألف حساب، بل يصل الأمر إلى درجة القلق والخشية والتشكيك، فالحياة دون عاملة منزلية خلال الشهر الكريم تبدو شبه مستحيلة لدى العديد من الأسر مع شديد الأسف.
الأنظمة دائما تتحمل العبء الأكبر من مسؤولية نشوء المشكلة بغض النظر عن حجم تلك المشكلة، فلو توفر الاستقدام وتيسر مثلما كان خلال حقبة زمنية ليست بعيدة لما نشأت سوق سوداء، بل لو أننا على الأقل استفدنا من تجارب أمثالنا من المرهونين كارتهاننا للعاملات لما حدث الابتزاز بصورة سيئة وأشكال وألوان مختلفة بعد أن أصبح استقدام عاملة من سابع المستحيلات لبعض الأسر المضطرة بحكم الظروف الصحية تحديدا، فالكلفة الشهرية تتجاوز راتب خريج جامعي وهي في الطريق لتجاوز راتب طبيب إذا ما استمر الحال على هذا المنوال.
وزارة العمل والتنمية الاجتماعية وليس سواها المسؤول الأول والأخير عن استغلال السماسرة وأطماع العاملات، حيث كان بالإمكان تحديث النظم بما يسهل الاستفادة من خدمات العمالة عبر شركات مساهمة وطنية لا تتجاوز ثلاث فقط، تنحصر مهامها بتأجير العمالة المنزلية على أقل تقدير وفق عقود تحفظ حق الوطن والمواطن والعاملة براتب مقطوع بعيدا عن إغراق العامة بتفاصيل الاستقدام المعقدة، وأجزم أن تلك الشركات ستجد قبولا واسعا إذا ما تم قطع دابر الاحتكار وستجني أرباحا طائلة تعود بنفعها على الملاك والمساهمين شريطة أن تدار كعمل تجاري قريب من حيث الشكل بشركات التأمين المتناثرة في كافة أرجاء الوطن.
ماذا يعني وصول رسوم استقدام عاملة منزلية لمبلغ فلكي يتجاوز ثلاثين ألف ريال لعقد مهدد بالهروب مدته عامان فقط، بل ماذا يعني ارتفاع راتب العاملة إلى الضعف في غضون سنوات قصيرة، ثم هل تتحقق أحلام الأسر المحتاجة لخدمة العاملة بمفاوضات دولية يقودها تجار الاستقدام؟ أسئلة مشروعة للمكتوين بنيران هروب العمالة المنزلية المتضررين من تسيب تلك الفئة في معظم البيوت والطرقات فيما تقف وزارة العمل موقف المتفرج دون أن تتحرك لإقرار تنظيم عملي صارم يكفل حقوق العمالة ولا يغفل حقوق المواطن، ثم لماذا هذا الارتهان لدول بعينها فيما يخص استقدام العمالة المنزلية، فالخيارات يجب أن تكون مفتوحة وكفالة الشركات المؤجرة مطلب حيوي لا يقل أهمية عن توحيد عقود استئجار العمالة لمدد يحددها طالب الخدمة، فهناك من تنحصر حاجته بفترة زمنية محددة، وهناك من لا يرغب في مبيت العاملة أو العامل ولكل حجرة أجرة كما قيل بالأمثال.
مرة أخرى لا بد من إيجاد صيغة تنظيمية تحقق رضا كافة أطراف المعادلة ولا مناص من الاستجابة لأصوات المتضررين بعد أن تم إطلاق أيدي تجار الاستقدام على هذا النحو المخيف فاكتنزت طرقات الوطن بالعاطلين والمتسيبين القادمين من كل حدب وصوب.