فتاة من القطيف اقدمت على الانتحار لأن والدها رفض تزويجها من شبان تقدموا لخطبتها في فترات زمنية مختلفة فخشيت على نفسها من العنوسة فكان أهون عليها ان تموت من ان تظل عانسة. وأخرى في جدة ابتلعت ثماني عشرة حبة من علاج السكري بسبب خلاف عائلي على حضانة طفلها. وطالب بالصف السادس الابتدائي في الطائف عثرت عليه الشرطة معلقاً بمروحة المنزل وقد فارق الحياة اثر تلقيها بلاغاً بالحادث.ومواطن في حائل سكب الكيروسين على جسده في محاولة للانتحار انقذ منها في اللحظات الاخيرة.ووقائع كثيرة عن الانتحار مشيراً الى وجود المشكلة الا انها لم ترق الى مستوى الظاهرة فلماذا ينتحر هؤلاء وما هي الأسباب وراء كثير من حالات الانتحار وما هو حجم المشكلة والوسائل التي يمكن ان تحد منها.
في ظل غياب احصاءات رسمية عن اعداد المنتحرين في المملكة تشير احصاءات منظمة الصحة العالمية الى تسجيل 850 حالة انتحار في عام 2005، القاسم المشترك بينها الاضطرابات النفسية والاكتئاب والخلافات الاسرية. في مدينة سيهات وقبيل فترة الاختبارات بقليل اقدمت طالبة في ظل معاناة نفسية وضغوطات اسرية وتحقير واستفزاز من معلماتها على الانتحار بتناول كمية كبيرة من الحبوب في حرم المدرسة ودورات المياه فسقطت مغشياً عليها. وفي محافظة بلقرن اقدمت فتاة في الثانية والعشرين من عمرها على شنق نفسها في غرفتها تحت تأثير نفس الضغوط رغم ادراكها بأن قتل النفس حرام كما جاء ذلك في الرسالة التي تركتها. وفي الطائف أطلقت فتاة في السابعة عشرة من عمرها رصاصة على قلبها فيما تركت رسالة لوالدها للعناية بوالدتها واخواتها.
وسيدة مطلقة عانت من قسوة معاملة اهلها واهاناتهم لها فأقدمت على الانتحار بواسطة عقاقير طبية. وأخرى طالبة جامعية أرادت الاكتتاب بمكافأتها التي تحصل عليها في الجامعة فقوبل طلبها بالرفض ولم تعط الحق في صرف مكافأتها كما تريد فدفعها الاحباط للانتحار.
80% نساء
بقراءة متأنية في هذه الحالات والتي سبقتها نجد اكثرها نساء، وهو ما كشفت عنه دراسة أجراها الاستشاري النفسي الدكتور جمال الطويرقي بمستشفى الملك فهد للحرس الوطني في الرياض عندما درس 156 محاولة انتحار فوجد ان النساء يشكلن 80% من نسبة محاولة الانتحار.
والى ذلك يعلق الدكتور عبدالحميد الحبيب المدير العام للصحة النفسية بوزارة الصحة ان الفتيات اكثر عرضة لمحاولة الانتحار ولكنهن الاقل انتحاراً، اذ ان المسبب الذي يدفع الفتاة لمحاولة الانتحار خصوصاً في مرحلة المراهقة هو شعورها بالبعد عن المجتمع او رغبتها في الاستقلالية.
مضيفاً: ان الفتيات في الغالب يملن لمحاولات الانتحار لجذب انتباه اسرهن والمقربين لهن والتعبير عن مشاعرهن بشكل مختلف خصوصاً انهن لم يستطعن الحوار والنقاش داخل اسرهن، موضحاً ان الفتيات يحاولن الانتحار عن طريق اخذ جرعات من الادوية او ابتلاع انواع من المواد الكيماوية، وفي الغالب لا يكون لدى الفتاة دوافع حقيقية للموت بل هي غير راغبة فيه اصلاً بقدر ما تكون محاولتها الانتحار وسيلة لجذب الانتباه لمعاناتها داخل الاسرة.
وتعزو الدكتورة سهيلة بنت زين العابدين رئيسة مركز المعلومات والاحصاء والتوثيق نائبة رئيسة اللجنة العلمية بالجمعية الوطنية لحقوق الانسان اسباب عدد من الحالات التي لجأت للجمعية وهي ترغب في الانتحار الى عدم قدرتها على تحمل الضغوط التي تمارس عليها من قبل افراد اسرتها خصوصاً ان غالبية تلك الفتيات يمارس عليهن العنف والضرب من قبل اشقائهن الذكور من دون تدخل من الوالدين، مشيرة في سياق ذلك ان هناك حالات تمكنت الجمعية من ثنيها عن الانتحار منها حالات لجأت الى دار الايواء ولكن لم تجد الاستجابة المطلوبة فأرادت الانتحار.
وأوضحت الدكتورة سهيلة ان ملف الانتحار من الملفات التي تعكف الجمعية على دراستها وان الدراسات الاولية اظهرت ان الحالات التي تفكر في الانتحار تعاني من العنف الاسري والتحرش من الاقارب مبينة ان الجمعية تبحث مع وزارة الشؤون الاجتماعية والجهات المعنية ان تكون دار الايواء مكاناً للتأهيل المهني والنفسي والاجتماعي لمن تجعله ظروفه يفكر في الانتحار.
الفراغ الروحي
وتشير دراسة ميدانية للدكتو عبدالله الفوزان استاذ علم الاجتماع بجامعة الملك سعود ان اسباب الانتحار لدى البعض تعود الى البعد عن روح العقيدة الاسلامية الصحيحة والشعور بالفراغ الروحي الذي يسيطر على النفس ويؤدي الى التخلص من الحياة بنسبة 85%، اضافة الى العنف الاسري وهضم حقوق الآخرين بنسبة 12% مما ينتج عنه يأس يدفع الى التخلص من العيش عن طريق الانتحار.
وهو ما يؤكده ايضاً الدكتور جميل اللويحق استاذ الدراسات الاسلامية بجامعة الطائف عندما ذكر ان ابتعاد الانسان عن الدين وإهمال اداء الواجب المنوط به يؤدي الى ضيق النفس ويجعلها تفكر في الانتحار مشيراً الى ان هذا السلوك من اعظم الكبائر.
ويتفق معه في هذا الاتجاه رأي الدكتور محمد الحامد استشاري الطب النفسي مؤكداً ان الشخص لا يقدم على الانتحار إلا لشعوره بالفراغ الروحي، مبيناً ان الابحاث وجدت نصف المنتحرين مصابون بالاكتئاب، فيما بقي 15% منهم مصابون بالفصام ومثلهم فشلوا في الانتحار محملاً الآباء مسؤولية انشغالهم بالحياة العملية وهضم حقوق ابنائهم ومصادرة آرائهم.
الاضطرابات النفسية
ويعود الدكتور الحبيب ليوضح ان معدل الاضطرابات والضغوط النفسية في المجتمع السعودي في تزايد، اضافة الى ارتفاع معدلات متعاطي المخدرات، مضيفاً ان مرض الاكتئاب يعد من الامراض النفسية التي لها علاقة مباشرة بالانتحار، فعلى المستوى العالمي فإن 15% من المصابين بمرض الاكتئاب ينتحرون وكذلك المصابين بمرض الانفصام بنسبة 10%، موضحاً ان المرضى النفسيين لا يتوافق سلوكهم الانتحاري على قتل انفسهم بل ان السلوك الانتحاري يمتد للأفراد المحيطين بهم ويشكلون خطراً على من حولهم، وتكمن خطورة مرضى الامراض النفسية -خصوصاً الذين لديهم سلوك انتحاري- في ايذاء انفسهم ومن حولهم كذلك اذ ان دوافعهم الانتحارية تمتد للافراد المحيطين بهم وهذا يؤدي الى الحاق الأذى بمن حولهم سواء من افراد عائلاتهم او الاصدقاء المقربين لهم.
مدمنو المخدرات
وفي هذا الاطار يأتي مدمنو المخدرات كأكثر شرائح المجتمع عرضة للانتحار، لا سيما انهم يتميزون عن غيرهم بالشخصيات المضطربة اجتماعياً ونفسياً، بل ويعانون العديد من المشكلات النفسية، ولذا فإن السلوك الانتحاري يتجسد فيهم اكثر من غيرهم من الفئات الأخرى نتيجة لعدم الرؤية الحقيقية للأمور، وتصورهم لأشياء غير واقعية، بل ان الشبه الأكبر للمنتحرين هم من مدمني المخدرات فشعورهم بالاحباط والاكتئاب الذي يفقدهم احساسهم بالتواصل مع مجتمعهم وأهلهم يكون دافعهم للانتحار ذلك ان غالبية متعاطي المخدرات يلجأون الى التعاطي بسبب شعورهم بالفراغ والعزلة الاجتماعية اذ تعرضهم للقلق النفسي والاكتئاب المزمن والاحباط.
ويرجع الاخصائي النفسي عبدالله الزهراني اسباب الانتحار الى اسباب نفسية واجتماعية ودينية والمصائب التي تنزل بالشخص والشعور بالذنب الى جانب المخدرات التي يعتبرها سبباً غير مباشر تؤدي الى مشكلات نفسية وهلاوس تؤدي الى الانتحار الى جانب الاضطرابات النفسية (العصاب) والاضطرابات العقلية (الذهان) اضافة الى اسباب شخصية لدى المنتحر كلفت الانتباه، وكأنه يعتبر انتحاره عقاباً لمن كان سبباً في ألمه أو ضعف شخصيته وهناك حالات انتحار تعتبر شاذة وغريبة كالارتياح من المرض (راحة الذات) او الانتحار الايثاري كمن يقتل افراد عائلته ثم يقتل نفسه وعموماً يرى الزهراني الانتحار كعدوان موجه للذات حيث لا يستطيع الشخص المنتحر معاقبة الآخرين فيعاقب نفسه.
حُرمة الانتحار
ومن وجهة النظر الدينية يرى المستشار الشرعي الشيخ خالد الشايع ان الانتحار -وهو قتل الانسان نفسه- فعل شنيع ومسلك خطير لا يسلكه الانسان ويتوجه اليه الا بعد ان يتخلى عن معاني الانسانية ويتغلف قلبه وعقله بعتمة من الاحباط والقنوط ولهذا فقد جاء تحريمه في شريعة الاسلام بصيغة الجزم والتأكيد مع الوعيد والتهديد، يقول الله تعالى: {ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما} -النساء 29.
الفراغ الروحي.. الاكتئاب .. والمخدرات وراء الأسباب
المنتحرون.. تعددت الدوافع وغابت الموانع
15 مايو 2007 - 19:32
|
آخر تحديث 15 مايو 2007 - 19:32
تابع قناة عكاظ على الواتساب
معتوق الشريف (جدة) محمد سعيد الزهراني (الطائف) عبدالله المقاطي (ظلم)