يمكن تشبيه المسؤول الإداري الذي يفصل نفسه عن مواقع العمل في إدارته أو قطاعه، معتمداً في معرفة التفاصيل الإدارية والمالية والفنية على ما يرفع أو يكتب له من تقارير أو ما يقال وينقل له على لسان مساعديه من معلومات قد تكون صحيحة دقيقة وقد لا تكون كذلك، فيعتبرها حقائق ناصعة البياض ويبني عليها قراراته الإدارية وربما علاقاته الشخصية بموظفيه أو بالمجتمع الذي يعيش فيه.

يمكن تشبيه مثل هذا المسؤول بمن نزل في بئر عميقة وجلس على ضفاف بعض حجارها فهو لا يرى الشمس ولا يصله إلا القليل من الضوء ولا يدري عما يدور حول فوهة البئر من أمور وقد يسمع صوت الرعد فيصيح من سكانه سائلاً الواقفين من مساعديه على فوهة البئر وحوله: هل نزلت الأمطار وكم الساعة الآن وما هي أخباركم وأخبار من حولكم وهل الأمور تسير على ما يرام؟ فإذا تلقى إجابات مساعديه اعتمد عليها باعتبارها المصدر الوحيد الذي يستقي منه معلوماته عما يدور خارج قاع البئر، حتى لو حاول شخص ما تصحيح ما وصله من معلومات مغلوطة وأراد الاقتراب من فوهة البئر ليناديه من علٍ ويبلغه بحقيقة الأمور، فإن المحيطين بالفوهة يستميتون في منعه من الوصول إليها، وإن وصل خلسة وبدأ يوجه رسالته الصوتية إلى القابع في قعر البئر، فإنهم يشوشون عليه برفع أصواتهم جملة واحدة حتى يضيع صوته فلا يعود ذلك المسؤول يسمع إلا لغطاً شديداً، وإذا استفسر فيما بعد عن سبب ما حصل من لغط فإنهم يزعمون أن مراجعاً مشاغباً حاول إزعاج «سعادته» والادعاء زوراً وبهتاناً عليه وعلى إدارته فمنعوه من تحقيق هدفه الآثم، فيشكرهم على إخلاصهم وما بذلوه من جهود لحمايته وحماية إدارته من المتطفلين والمشاغبين الذين يريدون تجاوز الأنظمة والقوانين.

وقد لا يصحو مثل هذا المسؤول القابع في قعر البئر الإداري إلا بعد إقالته من منصبه بتهمة الفساد أو التسيب أو انخفاض الإنتاج وعدم وجود إنجاز يذكر، وعندها يدرك ولكن بعد فوات الأوان أنه كان يتلقى معلومات غير أمينة من مساعديه الذين كانوا يكتفون بتمرير ما يحلو لهم ويحقق مصالحهم من معلومات مستغلين كسل وتهاون واتكالية القابع في قعر البئر غير المحيط بما يدور في إدارته وقطاعه من فساد ومخالفات ومظالم ومصائب كلها تصب ضد المصلحة العامة وضد سمعة الإدارة والقطاع، فإن كان من حل بديلا له في المنصب من العينة نفسها فإنه سيقول لمساعديه هيا نزلوني! أما إن كان إدارياً ناجحاً وحصيفاً ونزيهاً فإنه سيضع حداً لتصرفات فريق، إما بالتجميد، وإما بطي قيدهم، أو على الأقل بعدم التجديد لمن تجاوزوا السن النظامية من أصحاب المراتب والعقود!