حذرت صحيفة «بوليتيكو» من أن الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقررة في 2027 قد تفتح الباب أمام وصول رئيس يتبنى موقفاً متشككاً في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ما قد يضع تماسك الحلف أمام اختبار صعب، في ظل تراجع اليقين بشأن حجم الالتزام العسكري الأمريكي في أوروبا.
وأشارت الصحيفة إلى أن استطلاعات الرأي تعكس انقساماً واضحاً بين الناخبين الفرنسيين بشأن مستقبل بلادهم داخل الحلف، مع وجود دعم ملموس لسياسيين ينتقدون دور الناتو، وفي مقدمتهم زعيمة الكتلة البرلمانية لحزب «التجمع الوطني» مارين لوبان، ومؤسس حزب «فرنسا الأبية» جان لوك ميلانشون.
وبحسب «بوليتيكو»، يستعد مسؤولو الناتو لسيناريو قد يجد فيه الحلف نفسه أمام رئيس فرنسي قادر على إحداث شرخ كبير داخل بنيته، خصوصاً أن فرنسا ليست عضواً عادياً في المنظومة الدفاعية الغربية، بل قوة نووية وعضو أوروبي رئيسي يمتلك قدرات عسكرية واستخباراتية واسعة.
وتأتي هذه المخاوف في وقت تمر فيه العلاقة الدفاعية بين ضفتي الأطلسي بمرحلة حساسة، مع توجه الولايات المتحدة في عهد الرئيس دونالد ترمب إلى تقليص جزء من وجودها العسكري في أوروبا، بينما تعمل الدول الأوروبية على زيادة الإنفاق الدفاعي وتعزيز قدراتها تحسباً لاحتمال تصعيد عسكري مع روسيا.
وترى «بوليتيكو» أن أي ابتعاد فرنسي عن الهياكل العسكرية للناتو ستكون له تداعيات تتجاوز باريس، إذ قد ينعكس على انتشار القوات الفرنسية في دول الجناح الشرقي للحلف، وعلى التنسيق العملياتي والاستخباراتي بين الدول الأعضاء.
وتطرح لوبان خيار إخراج فرنسا من القيادة العسكرية المتكاملة للناتو، بينما يذهب ميلانشون إلى موقف أكثر حدة بالدعوة إلى خروج بلاده من الحلف بالكامل. وفي المقابل، أظهر استطلاع داخلي للحلف، وفق الصحيفة، أن نحو 54% من الناخبين الفرنسيين يؤيدون استمرار عضوية بلادهم في الناتو، وهي من أدنى نسب التأييد بين دول الحلف.
وتكتسب المواقف الفرنسية أهمية خاصة بسبب القدرات العسكرية التي تمتلكها باريس، وفي مقدمتها ترسانتها النووية، إضافة إلى حاملة الطائرات الوحيدة التي تعمل بالطاقة النووية في أوروبا، والسفن البرمائية من طراز «ميسترال»، وقدرات متقدمة في مجال الأقمار الصناعية والاستطلاع والاستخبارات.
ومن بين الملفات التي قد تتأثر أيضاً مستقبل مجموعة القتال الفرنسية في رومانيا، التي تضم نحو 1200 عسكري وتقودها باريس، إلى جانب الوجود العسكري الفرنسي في إستونيا ومناطق أخرى من الجناح الشرقي للناتو.
وتشير تقديرات عسكرية أوردتها الصحيفة إلى أن الانسحاب من القيادة العسكرية المتكاملة يمكن أن يبدأ بقرار رئاسي، إلا أن تنفيذه عملياً قد يستغرق نحو عام، بسبب الحاجة إلى إعادة توزيع نحو ألف ضابط فرنسي يعملون بصورة دائمة ضمن مؤسسات الحلف وإنشاء آليات جديدة للتنسيق بين باريس والناتو.
ولا يمثل الابتعاد عن القيادة العسكرية المتكاملة سابقة في تاريخ فرنسا؛ فقد انسحبت باريس من هذه الهياكل عام 1966 في عهد الرئيس شارل ديغول، لكنها أبقت على تعاونها مع الحلف وشاركت في عدد من عملياته، قبل أن تعود رسمياً إلى القيادة العسكرية المتكاملة عام 2009 خلال رئاسة نيكولا ساركوزي.
ويرى منتقدو خيار الانسحاب أن خروج فرنسا من الهيكل العسكري للحلف سيحرم الناتو من قدرات يصعب تعويضها، فيما قد تستفيد منه الدول المنافسة للغرب، خصوصاً في ظل حاجة أوروبا المتزايدة إلى القدرات العسكرية الفرنسية مع تراجع الدور الأمريكي المحتمل في القارة.
وتضيف «بوليتيكو» أن فرنسا تساهم بنحو 10% من الميزانية التشغيلية السنوية للناتو، البالغة نحو 5.3 مليار يورو، ما يعني أن أي تغيير جذري في علاقة باريس بالحلف ستكون له أيضاً انعكاسات مالية وتنظيمية.
ومن المقرر أن تجرى الانتخابات الرئاسية الفرنسية في أبريل 2027، مع احتمال إجراء جولة ثانية في مايو، فيما لا يستطيع الرئيس إيمانويل ماكرون الترشح لولاية ثالثة متتالية. وتستعد لوبان لخوض السباق، بعدما أصبحت فرص ترشحها أكثر وضوحاً عقب تطورات قضيتها المتعلقة باختلاس أموال من البرلمان الأوروبي.
وبينما لا تزال نتيجة الانتخابات بعيدة عن الحسم، ترى «بوليتيكو» أن مجرد احتمال وصول رئيس فرنسي أكثر تشككاً في الناتو يفرض على الحلف الاستعداد لمرحلة قد تعيد رسم علاقة إحدى أهم القوى العسكرية الأوروبية بالمنظومة الدفاعية الغربية.