17 عاماً لم يدخل خلالها رئيس لبناني المكتب البيضاوي. فمنذ آخر زيارة رئاسية عام 2009، لم يغب لبنان عن واشنطن، لكنه غاب عن مستوى القرار.


بقي ملفاً أمنياً تتولاه الخارجية والبنتاغون وأجهزة الاستخبارات، فيما كانت الأولويات الأمريكية تُصاغ في أماكن أخرى.


مشروع إقليمي أوسع


لذلك، فإن السؤال الذي تفرضه قمة دونالد ترمب -جوزيف عون، ليس ماذا دار في المكتب البيضاوي، بل لماذا قرر البيت الأبيض في هذا التوقيت تحديداً إعادة لبنان إلى واجهة اهتمام؟


الجواب لا يبدأ من بيروت، بل من الشرق الأوسط. فالإدارة الأمريكية تعيد تركيب الإقليم على أسس مختلفة، بعدما اقتنعت بأن خرائط النفوذ التي حكمت العقدين الماضيين استنفدت وظيفتها.


وفي هذه المقاربة، يبدو أن لبنان مرشح للانتقال من موقع الساحة التي تتلقى ارتدادات الصراعات إلى موقع الدولة المعنية مباشرة بإعادة إنتاج بعض توازنات المرحلة القادمة. من هنا، فإن زيارة عون كانت بمثابة حلقة في مشروع إقليمي أوسع، يفسر أيضاً اللقاءات التي سبقتها مع قادة المنطقة، كما يفسر الحضور غير الاعتيادي لنائب الرئيس ووزيري الدفاع والخزانة في جانب من المحادثات.


شريك يحمل التسوية


لهذا السبب أيضاً، بدا ترمب مختلفاً. لم يكن الأمر تبدلاً في الطباع ولا مجاملة لرئيس يزور واشنطن للمرة الأولى. فالإدارة الأمريكية تعرف أن أي مسار جديد في لبنان يحتاج إلى سلطة تمتلك الحد الأدنى من الشرعية الداخلية، وإلى رئيس لا يبدأ عهده بمواجهة مع واشنطن، بل بشراكة معها. لذلك، جاءت الرسائل الإيجابية، من الإشادة بالرئيس عون إلى الكلام عن الجيش اللبناني، وصولاً إلى الثناء غير المتوقع على رئيس مجلس النواب نبيه بري، وكأن الإدارة كانت تحاول أن تقول إنها لا تبحث عن غالب ومغلوب داخل لبنان، بل عن شريك قادر على حمل التسوية.


لكن خلف هذه اللغة الهادئة، كانت هناك رسالة أكثر صرامة. فواشنطن لم تعرض على لبنان صفقة دعم، بل صفقة مسؤوليات. للمرة الأولى، بدا أن المساعدات العسكرية، والاستثمارات، والانفتاح الاقتصادي، وحتى الضغط على إسرائيل لاستكمال انسحابها، وضعت جميعها في سلة واحدة عنوانها: ماذا ستفعل الدولة اللبنانية؟ فالمطلوب ليس إدارة التوازنات الداخلية، بل تغييرها. ومعيار النجاح ليس منع الانهيار بل استعادة الدولة لوظيفتها الأمنية والسيادية.


لبنان واستثمار اللحظة


في المقابل، حاول الرئيس عون تثبيت معادلة لا تقل أهمية. فلا يمكن مطالبة الدولة بتحمل كامل مسؤولياتها فيما لا تزال أجزاء من الجنوب اللبناني تحت الاحتلال، ولا يمكن تكليف الجيش بمهام مصيرية من دون توفير الإمكانات التي تسمح له بتنفيذها. لذلك، لم يكن ملفا الانسحاب الإسرائيلي ودعم المؤسسة العسكرية بندين تفاوضيين، بل الشرطين، إن صح التعبير، اللذين أراد لبنان أن يبني عليهما أي التزام لاحق.


هكذا، تكشف قمة واشنطن حقيقة قد تكون أهم من كل ما قيل فيها: الولايات المتحدة لم تغيّر سياستها تجاه لبنان بقدر ما غيّرت موقع لبنان داخل سياستها. وهذا فرق جوهري. فحين يصبح بلد صغير جزءاً من مشروع إقليمي كبير، تتحول الفرص إلى اختبارات، كما تتحول الوعود إلى التزامات متبادلة.


والسؤال الذي سيبقى مفتوحاً بعد القمة، هو عن مدى قدرة لبنان على استثمار لحظة نادرة قد لا يمنحه التاريخ السياسي فرصة ثانية مماثلة لها.