غيب الموت اليوم (الأحد) الزميل الصحفي والإعلامي عبدالله القبيع في لندن، بعد معاناة صحية استمرت قرابة شهر، تاركًا خلفه مسيرة مهنية امتدت لأكثر من أربعة عقود، حفلت بالعطاء والوفاء، وارتبطت باسمه ملامح من تطور الصحافة السعودية وتحولاتها. وبرحيله، يفقد الوسط الإعلامي قامة مهنية عُرفت بأخلاقها الرفيعة، وعشقها الصادق للمهنة، وانتمائها العميق لمدرستها الأولى: صحيفة عكاظ.
«عكاظ».. الحب الأول والبداية التي لا تُنسى
لم يكن ارتباط القبيع بـ«عكاظ» مجرد محطة عابرة، بل علاقة وجدانية ومهنية ظل يفاخر بها حتى أيامه الأخيرة. عمل في الصحيفة بين 1976 و1980 محررًا وسكرتير تحرير ومخرجًا صحفيًا، وهناك – كما كان يردد – «وُلد صحافيًا» وتعلّم أصول المهنة من أبوابها الخلفية، من المونتاج والإخراج إلى الخبر والتحقيق.
وفي مقال نشره عام 2020، لخّص حكايته بقوله: «عكاظ التاريخ وعكاظ الحب الأول في مهنة المتاعب التي أوصلتني بحنانها إلى الصحافة الدولية». وأضاف ممتنًا: «أنا أقول شكرًا وعفوًا لمدرستي الأولى في الصحافة عكاظ». كلمات أعادت اليوم صداها الحزين، فيما تنعى الصحافة أحد أبنائها الأوفياء.
تتلمذ القبيع على يد أسماء صحفية بارزة، واستلهم من تجاربهم المهنية، قبل أن ينطلق بخطى واثقة نحو فضاءات أوسع، لكنه ظل يصف «عكاظ» بأنها الميناء الأول الذي احتضن دهشته، وفتح له الطريق إلى العالم.
مسيرة تمتد من المحلية إلى الدولية
بعد تجربته في «عكاظ»، تولى رئاسة قسم الإخراج ومسؤولية الفنون في جريدة المدينة، ثم انتقل إلى لندن ليعمل في صحيفة الشرق الأوسط بين 1989 و2005، حيث شغل مناصب محرر وسكرتير تحرير ومدير تحرير، وأشرف على إصدار أول مجلة فضائية «تي في».
كما عمل نائبًا لرئيس تحرير جريدة «الوطن»، ورئيسًا لتحرير مجلة «رؤى»، وأسهم في إعداد برامج لقناتي MBC وART، إلى جانب إصداراته الوجدانية: «لك أنت»، «رسائلي إليك»، و«مشاغبات فضائي».
درس العلوم الاجتماعية في جامعة الملك عبدالعزيز، ووظّف معارفه في خدمة العمل الإعلامي والاتصال المؤسسي، مواكبًا التحول الرقمي، وداعمًا لحضور الإعلام السعودي إقليميًا ودوليًا.
إنسان قبل أن يكون مسؤولًا
أجمع من عرف القبيع على تواضعه وسمو أخلاقه، رغم المناصب القيادية التي تقلدها. لم يعرف عنه استعلاء، بل كان محفزًا لزملائه، مؤمنًا بأن كلمة «شكرًا» قادرة على توسيع مساحات الجمال في العالم. وكان يرى في الصحافة رسالة قبل أن تكون وظيفة، وفي العلاقات الإنسانية جوهرًا لا ينفصل عن المهنية.
حزن واسع.. وذاكرة لا تغيب
نعى عدد من الإعلاميين الراحل بكلمات مؤثرة، معتبرين أن رحيله خسارة موجعة للوسط الصحفي، وأنه «ذاكرة صحافية تمشي على الأرض». وبين لندن التي شهدت محطاته الدولية، وجدة التي احتضنت بداياته، تبقى سيرة عبدالله القبيع شاهدًا على جيلٍ آمن بالكلمة، وأخلص للمهنة، وترك أثرًا لا يُمحى.
وصفه الزميل جميل الذيابي خبر وفاته بأنه «خبر مؤلم وصادم»، مؤكدًا أن رحيله يمثل خسارة كبيرة لكل من عرفه، مقدّمًا التعازي لعائلته وأصدقائه وزملائه في الوسط الإعلامي.
فيما قال الإعلامي عثمان العمير إن فقدانه يعد من أكثر المفاجآت إيلامًا، مضيفًا أن القبيع كان «ذاكرة صحافية تمشي على الأرض».
رحل الجسد، وبقيت الحكاية… وبقيت «عكاظ» التي أحبها، تودّع أحد أبنائها البررة، على أمل أن يظل اسمه محفورًا في ذاكرة المهنة التي أحبها حتى النخاع.

