كنتُ أرى وأظلُّ صامتاً؛ لكنَّني أوصيكمْ بعيادةِ المرايا، ولَملمةِ ما يتساقطُ من هشيمِها، افعلوا هذا حين تُبصرونَ في قلوبِ مراياكم خيولاً تُغافلُ الضوءَ وتعدو، هي ذاتُها الخيولُ التي تُخلِّفُ وراءها ظلالاً ملساءَ في فراغِ المرايا من صهيلِها، ولتكنِ النوافذُ المكتظَّةُ بالوجوهِ دليلَكم إلى خيمةِ المأتمِ، هناكَ حيثُ يجرحُ أسماعَكم سؤالٌ يتداولُهُ الرجالُ والنساءُ؛ منذُ واريناهمُ الترابَ، منذُ طفولةِ هذهِ الشجرةِ وأخواتِها، من ذواتِ الجذوعِ اليابسةِ، يتداولونَهُ في النعيِ والأحاديثِ قائلينَ: ما جدوى هذهِ الشجرةِ؟ ولا تنسبوا وحشةَ الشجرةِ إلى غربةِ البلادِ وفسادِها، كذلكَ لا تنسبوا غربةَ البلادِ ووحشتَها إلى فسادِ الموتى، فهؤلاءِ جميعُهم بعيدونَ عن أسمائِهم، كلُّ شيءٍ هنا يبتعدُ عن اسمِهِ، عن المعنى العالقِ مصادفةً في عنقِهِ، البحرُ بأمواجٍ تغيِّرُ وجهتَها، والنهرُ بطينِهِ الحرِّ غارقاً في شَعرِ النساءِ، من أجلِ مزيدٍ من النعومةِ والغزارةِ، بينما تُسارعُ مدنٌ ضاربةٌ في القدمِ إلى تغييرِ أسمائِها؛ كلَّما أبصرتْ في سمائِها سحابةً من دخانٍ؛ رأيتُ وصرختُ في البوادي؛ لا شيءَ يبقى على حالِهِ سوى الخرابِ، لا شيءَ يحتفلُ بقسوتِه سوى الانتظارِ، بينما تتنازل الأشجارُ عن أوراقِها لِشواهدِ القبورِ، أو لأكفانِ الموتى قبلَ دفنِهم، إنْ هيَ إلّا محاولةٌ لتكريسِ صورةِ الشجرِ اليابسِ في ضمائرِ الموتى، بينما يلوذ الأحياءُ بظلالِ الحجَرِ، الحجَر الذي طالَ وقوفُهُ في الهجيرةِ، وإلّا كيفَ للنوافذِ أنْ تشيخَ قبلَ البيوتِ؟ وكيفَ للطرقِ أنْ تنامَ مفتوحةَ العينينِ، كما لو أنَّها تنتظرُ عودةَ الغائبينَ من كهوفِهم، كانتِ البلادُ ترى أيضاً؛ فلستُ وحدي من رأى الظلَّ يُبدِّدُ أبناءَهُ في الجهاتِ الأربعِ، عسى أنْ يعودَ كلُّ تائهٍ منهم حاملاً في يدِهِ قبساً من نورٍ، لستُ وحدي من أغرقَ ضفَّتي النهرِ بالدموعِ حينَ أبصرتُ قاعَه العطشانَ من بعيدٍ، كانَ ينوءُ بضفَّتيهِ مثلَ عجوزٍ أضناهُ الفقدُ، وكنّا معاً ننتحبُ، البلادُ وأنا، حينَ نبتَ زغبٌ من العشبِ عندَ أقدامِنا، عشبٌ حزينٌ يُخبِّئُ أخبارَ السماءِ في جذورِهِ كما تحفظُ الأمهاتُ أسماءَ الراحلينَ من أولادِهنَّ.
الحجرُ يرى كلَّ شيءٍ؛ كيفَ وصلتَ إلى هنا أيُّها الحجرُ الحزينُ ؟ ومن دلَّكَ على الطريقِ؟ أيَّةُ أزمنةٍ منحتْكَ هذا العمرَ القاسيَ؛ أيُّها المنحني كسنبلةٍ ملأى؟ وأيَّةُ يدٍ أقفلتْ فمَكَ على الصمتِ الأبديِّ؟ ألم تُخبرْكَ الراياتُ أنَّها تعرفُ اتجاهَ الريحِ؟ ألم تُخبرْكَ الريحُ أنَّها تعرفُ خرائطَ التيهِ؟ فلماذا بقيتَ شاهداً على كلِّ ما رأيتَ من الموتِ، دونَ أنْ تذرفَ دمعةً، دونَ أنْ تُطلقَ صرخةً، كانَ بوسعِكَ أنْ تنتحرَ ويتناثرَ جسدُكَ، لعلَّ الناسَ يذكرونَكَ بخيرٍ، عندما يرونَ ترابَكَ أو شظاياكَ تُغلقُ الطرقَ في وجهِ القادمينَ ليزرعوا الموتَ في انتظارِ المدنِ، الطريقُ ينسى أيضاً؛ مثلَ صوفيٍّ، ظلَّ يرقصُ حولَ ذاتِهِ أعواماً طويلةً، يدُهُ تشقُّ الغبارَ فيتناثرُ لينجبَ شجرةً مهمومةً بعمرِها الآتي، بالغرباءِ الذينَ يتسلَّقونَ أحلامَها الخضراءَ، فيشيرُ إليها البابُ العتيقُ، آملاً أنْ تكونَ طعاماً لفكرةِ الوقوفَ نيابةً عن البابِ المتهالكِ، بابٌ يُوجعُهُ اصطفاقُ درفتَيْهِ، حزيناً يُفتِّشُ عن مفتاحِهِ بينَ أصابعِ الغائبينَ، لكنَّ الشجرة لم تكبُرْ، وظلَّتْ واقفةً كمتسوِّلٍ على قارعةِ الطريقِ، كانتِ الأرضُ تمحو آثارَ العابرينَ لحظةً بلحظةٍ، بحجَّةِ أنَّ فرطَ الغيابِ جعلَها تتألَّمُ من الذكرى، وفرطَ الفقدِ أنساها من كانوا يزعمونَ أنَّهم أبناؤُها.
لكنَّ البلادَ تنسى؛ وليسَ من الحكمةِ أنْ ينسى أبناؤُها، شيئاً ينبعُ من جهةِ النسيانِ، يدفعُ أمامَهُ مقاعدَ فارغةً وأعلاماً أكلتْها الريحُ، شيئاً لو تسنَّى لهُ أنْ ينطقَ، لأغرقَ المرايا في سباتٍ طويلٍ، ولو ظلَّ صامتاً؛ لسمعنا الحشائشَ وهيَ تتهجَّى أسماءَ الغائبينَ.
النهرُ آخٍ من النهرِ؛ وجعُ الأقدامِ حينَ تُدركُ أنَّ الأثرَ أطولُ بقاءً من الأرضِ، يومٌ كاملٌ يفرُّ من بينِ يدَيْ رجلٍ نحيلٍ، كانَ يقبضُ على ظلِّهِ بما أوتيَ من دعاءٍ، وحينَ يُطلقُ سراحَ النهرِ، يسبقُهُ وحيداً في العبورِ إلى الضفَّةِ الأخرى، يومٌ ساخرٌ من رجلٍ يقفُ عندَ النهرِ وحيداً ويفكِّرُ بالعبورِ، فيما تجمعُ امرأةٌ واجمةٌ ضحكاتِ الأطفالِ في منديلٍ أزرقَ، وتحرسُها من بردِ السنينِ، وفتًى مفتولُ العضلاتِ، لكنَّهُ بلا ملامحَ واضحةٍ، يحملُ على كتفيهِ خرائطَ كثيرةً، لكنَّهُ لا يصلُ، لكأنَّ الوصولَ مرهونٌ بختمِ النهرِ على قلوبِ المهاجرينَ.
الهزيمةُ تواصلُ السخريةَ؛ الهزيمةُ تعلِّقُ على صدرِها مزيداً من الأوسمةِ، وتمشِّطُ شعرَها غيرَ آبهةٍ بوجعِ المرايا، وتعيشُ بينَنا باسمٍ مستعارٍ، فيما يتبرَّعُ المنتصرونَ بظلالِهم للحشودِ، محتفظينَ بما يكفي من الظلامِ لينطفئوا، أطفالُهم يجمعونَ شظايا الأصواتِ من الغبارِ، ويشيِّدونَ منها سلَّماً نحوَ السماءِ، وتمتلئُ الساحاتُ بأناشيدَ لم تبلغْ غايتَها.
كانتِ البلادُ حينذاك أقربَ إلى اسمِها
وكانتِ الأسماءُ، بعدَ طولِ غيابٍ، تعرفُ الطريقَ
وحدَها الريحُ كانتْ تعرفُ ما بقيَ من الحكايةِ، خريطةٌ قديمةٌ انزلقتْ من يدِها، فأقبلتِ الجهاتُ كلُّها نحوَ المقابرِ، بينما بقيتِ البلادُ راكدةً، تنظرُ إلى اسمِها البعيدِ كما ينظرُ المرءُ إلى قبرِ أخيهِ، وتحتَ السماءِ ذاتِها، كانتِ الأرضُ نائمةً في ثنايا قميصِ جنديٍّ عجوزٍ، والفراغاتُ ما زالتْ تُلمِّعُ وجوهَ الراحلينَ، بينما الأنهارُ والطرقُ والأشجارُ والحجارةُ تقفُ شاخصةً في قلبِ دائرةٍ شاسعةٍ، كما لو كانتْ تنتظرُ كلمةً أخيرةً، لكنَّ الكلمةَ لم تأتِ، والصمتُ كانَ أقدمَ من جميعِ الكلماتِ، وفي عمقِ ذلكَ الصمتِ، بدأتِ البلادُ تعيدُ كتابةَ اسمِها، حرفٌ ينهضُ من الرمادِ، حرفٌ يعودُ من المنافي، حرفٌ يخرجُ من أفواهِ الغائبينَ، فيتشكَّلُ الاسمُ ببطءٍ كما تتجمَّعُ المياهُ في مجرى نهرٍ جفَّ طويلاً، ويعودُ الغائبونَ، يعودونَ كطيورٍ أنهكَها الترحالُ، فتحطُّ على كتفِ الذاكرةِ، يعودونَ بأسمائِهم الأولى، بوجوهِهم التي غسلتْها المسافاتُ، بأصواتِهم التي خبَّأتْها الريحُ في شقوقِ الحِجارةِ.