أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/uploads/authors/947.jpg&w=220&q=100&f=webp

فواز الشريف

بناء الإنسان في رياضة اليمن

حين زرت اليمن مشاركاً في كأس الخليج يوماً ما كنت على متن رحلة جمعتني بالفنان القدير عبدالرب إدريس، وقتها قالت لي المضيفة «نفسي أسمع أغنية ليلة لو باقي ليلة»، كنا على ارتفاع خمسة وثلاثين ألف قدم في الطريق إلى عدن قادمين من جدة.


ثلاثون ألف قدم في أي رحلة أظن أنها منطقة تستدعي مشاعر الإنسان وأحاسيسه غير تلك التي يعرفها على الأرض.. فيها تستقر الطائرة وتكون الأجواء والأذهان أكثر صفاء ونقاء، فقلت لها أي للمضيفة «هو الملحن لكن أنا الذي يغني».


فقالت: غن


قلت:


«يا كادي يا للي تحل أم شوك


لا هب ريح أم شمال دن


بابور من قبل أم شروق مشوك


صوخ ورسى بنا لندن»


وقد قلت قبلها موالاً تهامياً حزيناً «أدلي بحجة ومتداني من يوم حليت في لندن».


كان هذا الحوار في تلك المنطقة الآمنة وهي الثلاثون ألف قدم.


وقتها لم أكن أعبر إلى بطولة كروية فحسب بل إلى بلد كان يفتح نوافذه للفرح ويستقبل أشقاءه بقلب يعرف كيف يحتفي بالحياة حتى حين تثقل الحياة خطاه.


التقيت يومها بالرئيس اليمني الراحل علي عبدالله صالح وكان الحديث عن أكبر احتفال رياضي خليجي تستضيفه اليمن ضمن مشروع كبير أراد للرياضة أن تكون أكثر من مباراة، وللبطولة أن تصبح جسراً يعبر عليه اليمن نحو محيطه الخليجي وتطل منه جماهيره على أيام أكثر بهجة.


لكن ما بقي في ذاكرتي لم يكن حديث السياسة ولا ضجيج الملاعب وحده. بقي الإنسان اليمني الذي وجدته شغوفاً بالفن والرياضة، وشغوفاً قبل ذلك بالحياة والجمال. رأيت جمهوراً لم يكن يبحث عن نتيجة مباراة بقدر ما كان يبحث عن مساحة يفرح فيها ويقول للعالم إن في هذا البلد قلباً لا يزال قادراً على النبض.


ومنذ تلك الزيارة أدركت أن اليمن لا تنقصه الموهبة ولا الشغف ولا الحكايات التي تستحق أن تروى. ما يحتاج إليه هو أن يجد هذا الشغف مؤسسات تحتضنه وكفاءات تقوده ومساحات آمنة تمنحه فرصة أن يتحول من طاقة كامنة إلى أثر في المجتمع.


فالرياضة لا تبدأ من المدرجات ولا من المستطيل الأخضر ولا من أضواء الملاعب. إنها تبدأ من الإنسان الذي يخطط ويدير ويدرب ويصنع المبادرة ويحفظ للمؤسسة ذاكرتها وللشباب حقهم في الحلم.


من هنا تتجاوز أهمية برنامج بناء القدرات المؤسسية لمنسوبي وزارة الشباب والرياضة اليمنية الذي أطلقه البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن حدود الدورات التدريبية وأعداد المستفيدين فهو مشروع تعاون بين وزارة الرياضة السعودية ووزارة الشباب والرياضة اليمنية، ويقوم على فكرة جوهرية تقول إن أفضل ما يمكن أن يقدم لليمن هو أن يمتلك أبناؤه الأدوات التي تمكنهم من صناعة مستقبلهم بأيديهم.


وليس الدور الذي تقوم به السعودية في اليمن موقفاً تحكمه الجغرافيا وحدها ولا التزاماً تمليه علاقات السياسة والمصالح. إنه دور إنساني نابع من إدراك عميق بأن اليمن ليس بلداً بعيداً عن الوجدان السعودي وأن آلام أبنائه لا يمكن أن تبقى خلف الحدود.


لقد حضرت السعودية حيث يكون الإنسان في حاجة إلى الحياة. حضرت في الغذاء والدواء والتعليم والصحة والمياه والطرق، ثم امتد حضورها إلى بناء المؤسسات وتأهيل الكفاءات. وهي بذلك لا تكتفي بمداواة آثار الأزمة بل تعمل على إعادة الإنسان اليمني إلى موقعه الطبيعي شريكاً في البناء وقادراً على إدارة واقعه وصناعة مستقبله.


وتكمن قيمة هذا الدور في أنه لا ينظر إلى اليمني بوصفه متلقياً للمساعدة بل إنساناً يمتلك القدرة والكرامة والطموح ويحتاج إلى الفرصة التي تطلق إمكاناته. السعودية تصنع مستقبلاً يمنياً، وبناء الإنسان هو أرفع مراتب العمل الإنساني؛ لأنه يصون كرامته ويمنحه القدرة على مواصلة الطريق دون أن يبقى أسيراً للحاجة.


ولهذا يأتي برنامج بناء القدرات في قطاع الشباب والرياضة امتداداً طبيعياً لتلك الرسالة السعودية. رسالة لا تكتفي بإعمار ما هدمته الأزمات بل تعيد ترميم الأمل في النفوس وتفتح أمام الشباب أبوابا للحياة وتؤمن بأن أعظم ما يمكن بناؤه في اليمن ليس جداراً ولا منشأة بل إنساناً يعرف كيف يبني ويحمي ما بناه.


هكذا هو البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن. لا يعيد بناء ما هدمته الأزمات فحسب بل يعيد للإنسان قدرته على البناء، ولا يقيس أثره بعدد المنشآت التي أنجزها وحدها بل بما يزرعه من معرفة وما يصنعه من فرص وما يعيده إلى النفوس من ثقة وأمل.


فإعمار اليمن لا يبدأ من الحجر وحده بل من الإنسان الذي سيحمي هذا الحجر ويمنحه المعنى ويبني من حوله وطناً قادراً على الحياة. وحين تستثمر السعودية في الإنسان اليمني فإنها لا تقدم مساعدة عابرة بل تمد يدها إلى المستقبل ليقف اليمن بأبنائه ويواصل الطريق بقدراتهم.


هكذا يكون الإعمار في معناه الأعمق أن تبني الإنسان ثم تمنحه القدرة على أن يبني كل شيء، وهذا ما تقوم به السعودية بالمختصر.

00:00 | 23-08-2026

جمهور الاتحاد.. شدوا الأحزمة

على بعد أشهر من عيد ميلاده المئوي.. موسم مختلف يعيشه العميد واضحة معالمه ما لم يسعفه الجميع بعدد من الصفقات في سوق الانتقالات، الذي سيغلق نافذة (FIFA TMS) في الثالث من الشهر المقبل.

مجموعة من الظروف تقف عائقاً أمام الحصول على صفقات يستحقها الفريق رغم أن رئيسه قال: «الاتحاد أغنى الأندية السعودية»، في الاجتماع الشهير في رمضان الماضي، حينها فكرت بأن أموال التنازل عن بنزيما وكانتي في الحفظ والصون، وأن عائق الحصول على اللاعبين أيام الانتقالات الشتوية القصيرة كان بسبب أنهما انتقلا تقريباً في آخر يوم، حينها أكمل الاتحاد موسمه بصعوبة بالغة.

لا أخفيكم وقتها سألت نفسي لماذا كلما نلتقي مع وجه جديد في أنديتنا سواء رئيس أو إداري أو محام أو مالي أو تسويقي، يقول: «أتيت رغم أنه ليست لي علاقة بكرة القدم»، هل يرى بأن اللعبة أقل من شهادته أم أنه توقف عند المعتقد القديم، الذي يرى في كرة القدم ما رآه الشاعر والأديب الإنجليزي روديارد كيبلينغ في إحدى قصائده: «الملطخون بالطين عند المرامي»، للاستنقاص من اللعبة ثم تحول هذا الشطر من قصيدته إلى مبعث فخر عند اللاعبين يرددونه مع انتصاراتهم.

كرة القدم تحولت منذ منتصف القرن الماضي إلى واحدة من أهم الآداب والفنون الإنسانية، وصنعت منها الشعوب اقتصاديات وثقافات لا حدود لها، بل شكلت حتى وجوه المجتمعات باعتبارها الثقافة الوحيدة القائمة والمستمرة حتى يومنا هذا، رغم قفزات العالم الصناعية والتقنية وحتى الرقمية، وما بعد الذكاء الاصطناعي ربما.

نعم الاتحاد يمر بمتغير كبير على مستوى تشكيلته الأساسية ودكة البدلاء، وهي الأخرى تحولت إلى غرفة عمليات بإصابة روجر ومن قبله حامد الغامدي ومن قبله دومبيا، بإصابة تعد في قاموسي بداية النهاية لكل لاعب مهما كابر عليها أو حاول أن يتفاهم معها أو يتعايش.

موسم دخلت فيه أندية الشركات ورؤوس المال مدخلاً قوياً بخصخصة الخلود أولاً ثم الهلال ثانياً مع وجود نيوم والقادسية ولحاق الدرعية بالبقية، موسم مضغوط بالمشاركات الخارجية وبالبطولات الخليجية أولاً ثم الآسيوية للمنتخبات والأندية ومن ضمنهم الاتحاد.

أعرف أن الأندية المنافسة حتى وإن لم تغير لاعبيها إلا أنها دعمت صفوفها واستعدت مبكراً، وأعرف أن فوز الاتحاد على الجزيرة الإماراتي أعطى الجماهير متنفساً، لكن تخيل أن تفوز على الجزيرة برباعية وأنت لم تر حارسه طيلة مجريات المباراة، لا أعلم هل هي ظروف يوم واحد أم سيكون الموسم بهذا الأسلوب، وإلى متى سيبقى الاتحاد صامداً في موسمه.

المشكلة أن كرة القدم لا تمنحك موسماً كاملاً بالعاطفة، ولا تحفظ لك بطولة لأنك كنت بطلاً قبل عامين، ولا تعطيك نقاطاً إضافية لأن مدرجك أكثر صخباً. الموسم الطويل لا يقرأ الأسماء بقدر ما يقرأ القوائم، ولا ينظر إلى أحد عشر لاعباً يبدأون المباراة بل إلى عشرين لاعباً يستطيعون إنهاء الموسم.

وهنا تحديداً أخشى على الاتحاد أن ينطلق الموسم دون خيارات، حينها سيكون من الضروري أن يؤمن المدرج بأنه أمام موسم صعب مليء بالمطبات ربما، وربط الأحزمة والهدوء ودعم الفريق معنوياً هو السبيل الوحيد.

00:08 | 16-08-2026

منظار صقار في السوق الكبير

يمثل الصقر «اسماً ووصفاً وقيمة» لدى الإنسان السعودي بمثابة شريك حياة وباب رزق ومكانة وتمكين فقد عاش طويلاً داخل تفاصيل الحياة والذاكرة واللغة والشعر، وانتقل حضوره من الآباء إلى الأبناء حتى أصبح جزءاً من الصورة التي يعرف بها المجتمع نفسه.

لهذا تجدني اليوم وفي حمى انطلاقة الموسم الرياضي الجديد مرافقاً لتفاصيل دقيقة في المزاد الدولي لمزارع إنتاج الصقور باعتباره قصة تتجاوز البيع والشراء، فهذا المزاد الذي ينظمه المركز الوطني للصقور خلال الفترة من 5 إلى 25 أغسطس يضع هذا الموروث داخل إطار حديث، يجمع الثقافة بالاقتصاد، والهواية بالإنتاج، والصقار بالمستثمر، والمزرعة السعودية بالمنتج القادم من دول تبعد آلاف الكيلومترات عن الرياض، ويأتي الحدث هذا العام بوصفه أولى فعاليات المركز بعد صدور تنظيمه الجديد.

أرى أن هذه النقطة تستحق التوقف عندها، حماية الموروث لا تعني تجميده في صور الماضي، فالموروث الذي لا يستطيع التواصل مع الأجيال الجديدة يفقد جزءاً من حضوره مع الوقت، أما الصقارة في المملكة فقد اتخذت مساراً مختلفاً، حافظت على جذورها ووجدت في الوقت ذاته أدوات جديدة للتعبير عنها، من المزادات والمسابقات إلى مزارع الإنتاج والمنصات الإلكترونية والفعاليات التي تستقطب الصقارين من المملكة وخارجها.

الأرقام تقدم دليلاً واضحاً على حجم هذا التحول، سجل المزاد عام 2025 بيع 1103 صقور، وتجاوزت قيمة المبيعات 13 مليون ريال، بزيادة بلغت 23% في المبيعات و27% في عدد الصقور المباعة مقارنة بعام 2024، ووصل عدد المزارع المشاركة إلى 67 مزرعة من 23 دولة، بينها 19 مزرعة سعودية.

هذه الأرقام مهمة، لكنني لا أراها مجرد حصيلة مالية، عندما تتحول معرفة الصقار بالسلالات والمواصفات إلى طلب داخل سوق متخصصة، وعندما تجد المزرعة فرصة لبيع إنتاجها أمام جمهور يعرف قيمة ما تعرضه، وعندما يدخل المستثمر والمربي ومقدم الخدمات إلى الدائرة نفسها، فنحن أمام نشاط اقتصادي نشأ من داخل الموروث نفسه.

هذا المزاد الذي عرفه الصقار منذ سنوات؛ يضيف إلى المشهد تطوراً مستمراً، يمنح السوق قدرة أكبر على النمو والنجاح والتطور.

21:32 | 11-08-2026

ما لا تعرفه في منصات الهجن

انتهى مؤخراً عرس الموروث الكبير المتمثل في مهرجان مولاي خادم الحرمين الشريفين للهجن 2026، وفي الحقيقة يذهب كثيرون إلى أن الجوائز المليونية في سباقات الهجن هي المؤشر الأبرز للدخل والمكاسب، وأن منصة التتويج تمثل ذروة العائد الاقتصادي لهذه الرياضة. هذا الفهم، رغم شيوعه، يظل قاصراً عن إدراك الصورة الكاملة، بل ويغفل جوهر التحول الحقيقي الذي تعيشه منظومة الهجن اليوم.


فالقيمة الاقتصادية الأهم لا تكمن في الجوائز وحدها، بل في الطريق إليها مع الاتساع الأفقي لإنتاج وتربية وتدريب الهجن، وهو القطاع الذي يمثل العمود الفقري لهذه الصناعة. هنا تُصنع الثروة بهدوء، بعيداً عن الأضواء، حيث تتوسع قاعدة المنتجين والمربين والمضمرين، وتتضاعف حلقات القيمة من الانتخاب، والرعاية، والتطوير، وصولاً إلى التسويق والبيع حتى أن البعض شكل علامته التجارية داخل هذا السوق وأصبحت بعض (العزب) وهو الاسم الذي يطلق على أماكن الملاك ليس لديهم اهتمام بالسباق أكثر من اهتمامهم بالإنتاج خاصة أن الهجن لا تقوم على انتقال وراثي للانتصار من مطية إلى أخرى بل يدخل في ذلك التدريب والتجريب والتمكين وهو ما يحدث الفرق، كما أن اختيار المطية القادرة على الفوز يرضخ وبشكل ما لحسن الطالع وتفرد مطية عن أختها على الرغم من أن سلالتهما واحدة.


الفائزون الذين نراهم على منصات التتويج هم في الحقيقة رأس السهم فقط، أما جسد المنظومة فيقوم على شبكة واسعة من المنتجين الذين لولاهم لما وُجد هذا التميز ولا تحققت تلك النتائج. كثير من هؤلاء يحققون مكاسب بالملايين عبر بيع إنتاجهم للمؤسسات الكبرى، أو للأسماء المعروفة التي تتكرر في مشاهد التتويج، في دورة اقتصادية ذكية تعيد توزيع القيمة داخل القطاع وهي الهدف الأهم للإنسان مالك الهجن البسيط الذي اعتاد عيش حياته مع حلاله وتحمل ظروفه على مر السنوات نتيجة هذه العلاقة الأبدية مما جعله يشعر وبشكل مباشر بقيمة ما تمثله هذه الأحداث في رفع سعر البيع والإقبال على الهجن كما لا يفوتني أن الكثيرين ممن عرفتهم عبر هذا القطاع اتجه أو بدأ في التفكير للاتجاه نحو الإنتاج والبيع والشراء.


سباقات الهجن، بهذا المعنى، لم تعد حدثاً موسمياً أو تنافساً عابراً، بل تحولت إلى سلسلة اقتصادية متكاملة تبدأ من الميدان، مروراً بالمزارع والعزب ومراكز الإنتاج، ولا تنتهي عند الكأس أو الصورة التذكارية. إنها صناعة تُبنى على الاتساع لا على الاستثناء، وعلى القاعدة لا القمة فقط.


ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي ليس على حجم الجائزة، بل على حجم القاعدة المنتجة، واتساع دائرة المشاركة، وتحويل الهجن من رياضة تراثية إلى اقتصاد حيّ، قادر على الاستدامة، وجاذب للاستثمار، وحافظ لقيمة الموروث بروح العصر.


فالسباق، في جوهره، ليس شوط المكسب بل منظومة تم بناؤها في ضوء هذه المكاسب سعى فيها الاتحاد السعودي للهجن لتوزيع الأشواط والمسابقات على مختلف مناطق المملكة وأسهم بشكل احترافي في نشر فكرة الربح وتكوين الثروة والاستثمار في القطاع ليكون متاحاً للجميع.

00:25 | 20-02-2026

الثقافة الرياضية

نظم الاتحاد السعودي للثقافة الرياضية بالتعاون مع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية المؤتمر والمعرض الدولي الأول للثقافة الرياضية، في تجربة يمكن وصفها بأنها خطوة نوعية في مسار الوعي الرياضي السعودي، ونقلة حقيقية في التعامل مع الرياضة بوصفها ثقافة مجتمعية شاملة، لا مجرد نشاط تنافسي أو حدث موسمي عابر. فقد جاء هذا المؤتمر ليضع الثقافة الرياضية في سياقها الأوسع، بوصفها أداة للتنمية، ورافداً من روافد جودة الحياة، ومجالاً معرفياً يستحق النقاش العلمي والتخطيط المؤسسي.


وعلى الرغم من حداثة الاتحاد السعودي للثقافة الرياضية فإن النجاح الذي تحقق لم يكن محصوراً في حجم الحضور أو تنوع المشاركات، بل في طبيعة الطرح الذي تجاوز الأسئلة التقليدية إلى مقاربات أعمق، ناقشت علاقة الرياضة بالثقافة، والسياحة، والترفيه، والإعلام، والاقتصاد، وقدمت رؤية متكاملة تنسجم مع التحولات الكبرى التي تعيشها المملكة في ظل رؤية 2030. فالمؤتمر لم يكتفِ باستعراض تجارب، بل أسهم في إعادة تعريف مفهوم الثقافة الرياضية، بوصفها ممارسة واعية وسلوكاً مجتمعياً ومجالاً تعليمياً وتخصصياً.


واستطاع المؤتمر من خلال الدور الهام الذي لعبته جامعة الامام وعناية البروفيسور أحمد بن سالم العامري أن يجمع بين البعد الأكاديمي والبعد التطبيقي، عبر جلسات علمية وورش عمل ودورات تدريبية، إلى جانب المعرض المصاحب الذي عكس تطور صناعة الرياضة وارتباطها بالتقنية والابتكار. هذا التكامل منح الحدث قيمة مضافة، وجعل منه مساحة حقيقية لتبادل الخبرات، وبناء الشراكات، وفتح آفاق جديدة للباحثين والإعلاميين والممارسين والعاملين في القطاع الرياضي.


كما برز دور الجامعة بوصفها حاضنة معرفية، أسهمت في تعزيز العلاقة بين البحث العلمي والواقع الرياضي، وأكدت أن الثقافة الرياضية لا تنمو بمعزل عن المؤسسات الأكاديمية، بل تتشكل وتتطور من خلالها. وقد عكس هذا التعاون نموذجاً ناجحاً للتكامل بين الجهات الرياضية والمؤسسات التعليمية، وهو نموذج تحتاجه المرحلة المقبلة لضمان استدامة العمل الثقافي الرياضي وليس بمستغرب على جامعة الإمام المشاركة في مثل هذا الحدث المهم لأنها أصبحت الآن منارة للكثير من الأحداث ذات التأثير الفاعل والمهم لمرتكزات رؤية الوطن.


ولعل من أبرز مخرجات المؤتمر أنه أعاد الاعتبار للبعد الإنساني والاجتماعي في الرياضة، ورسخ فكرة أن الرياضة لغة مشتركة، قادرة على بناء الوعي، وتعزيز الانتماء، وصناعة الأثر، متى ما أُديرت بعقلية ثقافية واعية. كما أن التكريمات والمشاركات المجتمعية المصاحبة أكدت أن الثقافة الرياضية ليست حكراً على النخب، بل مشروع وطني مفتوح للجميع.


في المحصلة، لم يكن المؤتمر والمعرض الدولي الأول للثقافة الرياضية مجرد فعالية عابرة، بل تأسيس لمرحلة جديدة من التفكير الرياضي، مرحلة يُنظر فيها إلى الرياضة كقيمة ثقافية ومعرفية، وكمنصة للحوار والتطوير وصناعة المستقبل. وهو نجاح يحسب للاتحاد السعودي للثقافة الرياضية في ظل ما يتمتع به رئيس الاتحاد البروفيسور سليمان بن عمر الجلعود من قدرة على تأسيس عمل تراكمي يُنتظر أن يثمر مبادرات أوسع، ومشاريع أكثر عمقاً، في مشهد رياضي سعودي يتجه بثقة نحو النضج والريادة.

00:09 | 10-02-2026

ديربي ثقافة الغالب والمغلوب

ديربي العاصمة لم يكن مجرد مباراة تنتهي بنتيجة، بل كان اختباراً مفتوحاً لثقافة كروية تتغير بسرعة، ولطريقة تفكير جديدة في إدارة التفاصيل الصغيرة التي تصنع المنعطفات الكبيرة. في هذا النوع من المباريات لا تكفي الحماسة ولا تكفي السمعة ولا تكفي أسماء النجوم؛ لأن الديربي بطبيعته لا يمنحك شيئاً مجاناً، بل يجبرك على أن تكون يقظاً أمام كل لحظة يمكن أن تقلب المشهد من الصفر إلى اتجاه آخر.

نقطة التحول الأوضح كانت طرد نواف العقيدي، هذه ليست لقطة عابرة في دفتر مباراة، بل لحظة تعيد توزيع أدوار المباراة كلها. عندما يفقد فريق حارسه في ديربي، فأنت لا تخسر لاعباً فحسب، بل تخسر توازن الفريق النفسي والعددي، وتخسر تركيبة الخطوط وتضطر لاستبدال لاعب بحارس، معها تفقد الجرأة في التقدم، والثقة في النفس؛ لأن أي كرة تصبح محسوبة، وأي اندفاع يصبح مخاطرة. هنا يبدأ الديربي في التحول من مباراة مفتوحة إلى مباراة تحت ضغط القرار، وتحت ضغط التوقيت، وتحت ضغط عقلية من يستغل الوضع بأقل مجهود وأكبر مكسب.

لا أخفيكم أنني لست مع طرد العقيدي في اللقطة الناعمة التي تحولت إلى تراجيديا، لكن ذلك يقودنا إلى دور التقنية حيث لا يمكن تجاهله فالـ(VAR) من زاوية القانون هو آلية لضبط القانون، ولتقليل الخطأ الفادح ولمنح العدالة فرصة ثانية، لكن في زاوية أخرى، وهي زاوية الأفكار داخل المنافسة، أصبحت التقنية جزءاً من اللعبة نفسها. بعض الفرق تتعامل معها كوسيلة لضمان العدالة، وبعضها يتعامل معها كمساحة يمكن توظيفها لمصلحته عبر رفع مستوى الاحتكاك، وتحويل اللقطة الرمادية إلى ملف قابل للتأويل، واللعب على الحافة النفسية للحكم والخصم. والتأثير في الثقافة التي تتشكل حولها «ثقافة تبحث عن القرار بقدر ما تبحث عن الهدف، وتحتفي بالشاشة أحياناً كما تحتفي بالشباك».

في هذا السياق يظهر معنى صبر إنزاغي في الشوط الأول. الصبر هنا لم يكن تراجعاً ولا خوفاً، بل كان إدارة واعية للمباراة. أغلق المساحات، خفف المخاطر، وراكم الثبات الذهني حتى تأتي اللحظة المناسبة. إنزاغي استهلك طاقة خصمه ثم ضرب عندما بدأت القرارات الثقيلة في الظهور وبدأت المباراة في فقدان توازنها.

وبخبرتي كنت أعتقد أن خيسوس مع لحظة التعادل سيغير حسابات اللعبة جذرياً؛ باعتبار التعادل في (ديربي) بهذا الضغط وبعد سلسلة أحداث مفصلية ليس نتيجة صغيرة يمكن تجاهلها، بل هو نقطة يمكن البناء عليها لحماية الفريق من خسارة قد تمتد آثارها إلى مباريات أخرى في الدوري. كان المنطق يقول: العب على أقل الخسائر، حافظ على التعادل، خذ النقطة وأغلق المباراة، ثم اذهب إلى الدوري بذاكرة هادئة بدل أن تفتح أبواب المخاطرة. الديربي لا يطلب منك دائماً أن تنتصر، أحياناً يطلب منك ألا تخسر، وهذه القدرة بالذات هي ما يميز المدرب الذي يدير الموقف عن المدرب الذي يطارد الصورة المثالية، لكن البرتغالي لم ينجح في إدارة هذه اللحظة كما ينبغي، لم يقرأ التحول النفسي الذي يرافق التعادل في مباراة مشحونة، ولم يتعامل مع المباراة كمرحلة جديدة تتطلب تخفيضاً قسرياً للإيقاع وتضييقاً للمساحات وتغيير شكل المغامرة. فبعد الطرد والتعادل كان يمكنه تحويل المباراة إلى مساحة آمنة وإيقاع أهدأ خلال الدقائق الثلاثين المتبقية.

أعتقد أنه من الأهمية بمكان استثمار هذا الديربي لسرد حكاية ثقافية حول كرة القدم اليوم التي تذهب باتجاه التقنية وتستمد طاقتها من ثقافة الجماهير، تلك الجماهير التي تعتقد أن الطعن في الظهر خيانة، وأن المعارك لها قيم ومبادئ متعارف عليها، لكن كرة القدم ليست الحقيقة بل هي لعبة، وأنها لم تعد صراعاً على الكرة فقط، بل صراع على القرار، وعلى إدارة اللحظة، وعلى فهم أن التقنية أصبحت جزءاً من ثقافة اللعب لا مجرد أداة تحكيم.

ويبقى الهلال والبرد شبيهان بالقسوة وترك الندبات على الآخرين.

00:05 | 14-01-2026

حين تصبح الصقارة بطولة عالمية

يعجبني الصقر إنه الطائر الوحيد الذي يكون و(كره) صدر المجلس، أراه يشبهني بعض المرات وأشبهه وقد قيل: «صقر ماكره فوق هامات الشواهق»


وحين نسمع كلمة بطولة، يتبادر إلى الذهن للوهلة الأولى الملعب والكرة، لكن في مهرجان الملك عبدالعزيز للصقور، تأخذ البطولة شكلاً مختلفاً؛ سباق في السماء بدل العشب، وفي ميدان الملواح منافسة في الدقة والسرعة بدل الأهداف، وروح رياضية لا تقل حدةً أو حماساً.


الصقارة، في جوهرها، هواية ورياضة، تدريب والتزام، وقت ومعرفة، وأداء يقاس بالنتيجة، وكل من تابع مسابقة الملواح في هذا المهرجان الدولي يدرك أن ما يجري سباق حقيقي، له قوانينه، وله أبطاله، وتقنيات وأجهزة متقدمة تحسم نتائجه، وله جمهور ينتظر لحظة الحسم والفائز بكؤوس الملك عبدالعزيز في كل فئة، وأسمى الألقاب: سيف الملك، وشلفا الملك.


ما يلفت في المهرجان أنه نجح في تحويل هواية تقليدية إلى منافسة منظمة، تشبه ما نراه في الرياضات الحديثة، توقيت دقيق، وتصنيف فئات وأشواط، وعدالة في المنافسة، وجوائز وألقاب تحفّز الأداء، وهذه ليست تفاصيل شكلية، وإنما هي أساس أي بطولة ناجحة.


ومن الزاوية الرياضية، فإن المهرجان يوسّع مفهوم الهواية نفسه، ليس كل تنافس بحاجة إلى ملاعب، أحياناً، يكفي فضاء وميدان مفتوح، وعيون تتابع صقراً ينطلق، وثوانٍ تحسم سباقاً، واللافت أيضاً أن البطولة لا تُقصي أحداً، هناك فئات للهواة والمحترفين والملاك والنخبة، للكبار والصغار، للرجال والسيدات، للسعوديين والخليجيين والدوليين، لصقور السباقات وكذلك صقور المزاين ذات الجمال، هذا الاتساع هو ما يجعل الحدث قريباً من الناس، ويمنحه طابعاً شاملاً، لا نخبوياً.


ويظهر البُعد الرياضي الحقيقي للمهرجان في مشهد التنافس الشريف بين الصقارين السعوديين ونظرائهم من مختلف دول العالم، الجميع يقف على خط الانطلاق ذاته، تحت القواعد نفسها، وبروح احترام متبادل تسبق السباق وتبقى بعده. ويبقى التنافس الشريف والالتزام بالقيم الرياضية هو ما يجعل الخسارة مقبولة، والفوز مسؤولية، والجميع يحييه ويرحب به ويهنئه كما شاهدنا في المهرجان خلال السنوات السابقة.


المهرجان كأكبر حدث من نوعه في العالم، هو في النهاية يحكي قصة ارتباط بين الإنسان وما يمارس، ومهرجان الملك عبدالعزيز للصقور يقدّم هذه القصة بلغة بسيطة: منافسة عادلة، وشغف يجمع الكل من المملكة وكل أنحاء المعمورة.


قبل انطلاق مهرجان الملك عبدالعزيز للصقور في الـ25 من ديسمبر في مَلهم شمال الرياض، يبدو واضحاً أن الصقارة هي جزء من ذاكرتنا، وباتت أيضاً جزءاً من مشهد رياضي متجدد، يثبت أن البطولة يمكن أن تُكتب بأكثر من شكل، وتُفهم بأكثر من لغة، دون أن تفقد روحها أو معناها.

00:03 | 24-12-2025

هنا الرياض 2025

في إنجازٍ تنظيمي استثنائي يعكس مكانة المملكة وقدرتها المتنامية في استضافة الأحداث الرياضية الكبرى، نجحت الرياض في تنظيم دورة ألعاب التضامن الإسلامي 2025 بصورة لافتة لاقت إشادة واسعة من المشاركين والجماهير على حدٍّ سواء. وقد شكّلت هذه الدورة محطة مهمة لإبراز القدرات السعودية في الإدارة الرياضية، والبنية التحتية المتطورة، والعمل المؤسسي المنظم، الذي يعكس رؤية المملكة 2030 وما تحمله من طموحات لتعزيز دور الرياضة جسراً للتواصل الدولي.


جاءت هذه الدورة تحت إشراف اللجنة العليا المنظمة برئاسة الأمير فهد بن جلوي، الذي لعب دوراً محورياً في توجيه العمل وتنسيق الجهود بين مختلف الجهات المشاركة. وقد أظهر الأمير فهد بن جلوي قيادة فاعلة تمتاز بالدقة والمرونة، لكن ما أسهم في ضمان سير الفعاليات وفق أعلى المعايير والتميز هي شخصية وروح الأمير فهد وطريقة تعامله مع الأفراد أو اللجان التي انبثقت عن اللجنة العليا، وهي لجان تنفيذية متخصصة: العمليات الميدانية، والإعلام، والتسويق، والخدمات اللوجستية، والأمن، واستقبال الوفود، كلها عملت بتناغم كبير يعكس الاحترافية والقدرة على إدارة حدث متعدد الألعاب وواسع المشاركة.


أحد أبرز جوانب النجاح في هذه الدورة كان مشاركة أكثر من 1,200 متطوع ومتطوعة من شباب وفتيات المملكة، الذين جسّدوا روح العطاء والانتماء الوطني. تنوّعت مهمات المتطوعين بين الإرشاد وتنظيم الجماهير، ومرافقة الوفود، وتقديم الدعم التقني والإعلامي، مما أضفى على الحدث طابعاً شبابياً وحيوياً. كما أسهم هؤلاء المتطوعون في تعزيز صورة المملكة المضيافة، وأظهروا مدى استعداد الجيل السعودي للمشاركة الفاعلة في الأحداث العالمية.


لقد شكّل تنظيم دورة ألعاب التضامن الإسلامي في الرياض نموذجاً ناجحاً للتخطيط والإدارة والتعاون بين المؤسسات الحكومية والشباب السعودي، ورسالة واضحة بأن المملكة ماضية بثبات نحو تعزيز حضورها الدولي عبر الرياضة وتنظيم الفعاليات الكبرى بكفاءة واقتدار.

00:20 | 26-11-2025

شيء من مزاد الصقور

«اركبوا ميراج معنا في الغمارة


عادة أن الشجيع يقدمونه»..


قبل زيارتي الأولى لمزاد نادي الصقور السعودي، لم أكن أعرف ما الذي سألتقيه، صحيح أن علاقتي بالطيور قديمة جدّاً، وطفولتي كانت في كل أكتوبر من كل عام في (المجيرمة)، وهي من مواقع المقناص الشهيرة في وسط الساحل الغربي، وكان والدي إذا عرف أنني تعرفت على رجل فيه خير أو له مكانه يسميني (صائد القرانيس)، وهي المفردة الأصلية لما يعرف بطارح الطيور. سألت نفسي ترى كيف ستكون آلية التسجيل والتفنيد والترقيم والتسعير مع وجود هذا القدر من المهتمين والشغوفين بهذا الموروث؟


ولهذا، حين دخلت إلى مقر المزاد في مَلهم شمال الرياض، شعرت أنني أدخل عالماً مختلفاً تماماً، عالماً له لغته وروحه وتاريخه، فمنذ اللحظة الأولى، أدركت أن ما أشاهده هو تجربة تفوق المزاد، تجربة ثقافية واقتصادية واجتماعية متكاملة، فيها طواريح، وهو الاسم الذي يحمله من يهوى ويمتهن صيد أو شبك الصقور، جاؤوا بصقورهم التي غنموا بها من سماء المملكة خلال موسم الطرح، الذي يمتد على مدى شهرين، عادة من 1 أكتوبر وحتى الـ30 من شهر نوفمبر.


في المزاد حشد كبير من المهتمين والمزايدين، جميعهم يتحلّقون حول منصة المزاد، كما أنهم مرتبطون بأعداد كبيرة من خلفهم يتواصلون عبر الهاتف ويتابعون عبر الشاشة.


كنت أراقب الشاهين وهو يدخل القاعة، صغير الحجم بخلاف حجم اهتمام الناس به، تُقرأ مواصفاته، ثم تبدأ المزايدة، لترتفع الأرقام بسرعة، «الشاهين له أيامه وله قيمته، وهذا الصقر نادر بمواصفاته».


وقتها فقط فكّرت، كم من قصص هذا الموروث ما زالت تنبض بيننا دون أن نحسّ بها إلا حين نقترب منها؟


أكثر ما شدّني هو التنظيم العالي للمزاد، كل شيء موثّق، كل عملية بيع مسجلة، والبائع والمشتري يحصلان على توثيق للبيع، وضمان حصول كل منهما على حقوقه، البائع أو الطاروح يحصل على ماله، والمشتري أو الصقار على الشاهين، ولم أتوقع أن هذا القطاع له منظومة حديثة بهذا المستوى.


وما فهمته أن هذا الحدث السنوي يعد رافداً اقتصادياً مهماً يعود بالنفع على الطواريح والمجتمعات المحلية، ويعيد إحياء مهنة وهواية الطرح التي كانت مهددة بالاندثار، كثيرون من الحاضرين أكدوا أنهم عادوا لممارسة الطرح بسبب هذا المزاد، وأن أبناءهم يتعلمون منهم اليوم ما تعلموه من آبائهم.


ولعلي بعد هذه الزيارة، بدأت أرى الشاهين بعيون مختلفة، الطائر الذي يشكل رمزاً لموروث سعودي عميق يستعيد مكانته.


خرجت من المزاد وأنا أدرك أن ما شاهدته هواية وهوية كاملة، وسوق منظم يتطور عاماً بعد عام، ويجعل المملكة مرجعاً في عالم الطرح والصقارة.


لقد غادرت وأنا أعرف جيداً لماذا يفتخر السعوديون بالشاهين، ولماذا لا تنفصل سماء المملكة عن تاريخها، ولا تراثها عن مستقبلها.

00:07 | 24-11-2025

«الضعيف تبكيه أمه»

يسألني البعض كيف يمكن أن نُنتج جيلاً كروياً يلعب كرة القدم بروحٍ عالية، وقتاليةٍ حقيقية، وحضورٍ مميّز يقود الأندية والمنتخبات إلى النجاح والإنجازات؟، يسألون، ومن حقهم مثل هذا السؤال، على خلفية تحقيق منتخب المغرب أخيراً كأس العالم للشباب.


وجدت نفسي وبكل قسوة أرد على مثل هذه التساؤلات بأهمية تغيير الفكرة الترفيهية والمثالية المحاطة بها حالياً الأكاديميات الكروية، فلا أعتقد أن نجماً من نجوم المغرب ذهبت به سيارة خاصة ترافقه مربية من البيت إلى الأكاديمية، بل يركض على قدميه الحافيتين تطارده كوابيس الحاجة لأجل القتال في الملعب فيبرز أنيابه ومخالبه لينتزع الخانة التي يلعب فيها من غيره، وهذا الحال ليس في المغرب فقط بل وفي كل العالم؛ لذلك تجد مجموعة الأفارقة في الأكاديميات الأوروبية وبعض سكان جنوب المدن الكبرى.


الكاتب ابن اللعبة والحقيقي الذي لم تغيّره بريق الماركات من اكسسوارات وملبوسات يعرف أن كرة القدم لعبة الحرب، والحب لعبة الموت، والحياة لعبة الفقر والغنى؛ لذا أقول بثقة إن الطريق إلى ذلك لا يبدأ من الأندية أو المنتخبات، بل من الفكرة الأولى التي نزرعها في الطفل منذ سنواته الأولى.


اليوم، نرى من يصنع ما يُسمّى «أكاديميات كروية» تُشبه في واقعها الحضانة أو الروضة، كثير من الترفيه والجهد السلوكي وبروتوكول استخدام الشوكة والسكين على طاولة الطعام، ومراجعة المشرف النفسي والمشرف الاجتماعي إلى غير ذلك، هذا عمل متميّز لكنه يختلف عن عمل كرة القدم ذاك الذي فيه تبكي من كلمات مدربك الجارحة ثم تعود في اليوم التالي لتنتصر عليه، فالتأسيس الحقيقي لا يكون بالتسلية والأنشطة الشكلية، بل عبر نظام صارم يُعلّم الطفل الجدية والانضباط وروح التحدي و«الضعيف تبكيه أمه» كما يقال في المثل الشعبي.


يجب أن يكون الطفل الصغير مستعدًا للقتال، قادراً على إظهار أنيابه ومخالبه، وأن يقاتل من أجل المركز الذي يريد أن يلعب فيه، يجب أن يقاتل من أجل الحصول على «جزمة» الفريق ليعوض قدميه الحافيتين.


إن مجرد جمع الأطفال وأخذ الأموال منهم ومن أهاليهم لن يصنع كرة قدم حقيقية، إنه بذخ مجتمعي يحافظ فيه الصغير على وقته ليشغله فيما يفيد كأن تقول له «العقل السليم في الجسم السليم».


فهكذا تُهدر الطاقات وتضيع المواهب قبل أن تنضج، هذه هي روح اللعبة في بناء جيل كروي يبدأ من الجدية، والانضباط، والعمل الحقيقي، لا من الترفيه والسطحية والتنافس على آخر صيحات «قصة الشعر»، الأكاديمة يجب ألا تكون مسرحاً للممثلين بل ميدان اقتتال لأجل إثبات الذات وتحدي المعوقات.


وإذا أردنا أن نُخرّج لاعبين يحملون روح القتال في الميدان، فعلينا أن نُنشئ بيئة تعليمية وتدريبية تُغرس فيها المنافسة الصحيّة منذ الصغر، قائمة على الجهد، والموهبة، والاستحقاق.


العمل الحقيقي لا يبدأ عند تمثيل المنتخب، بل في الصفوف الأولى من التعليم، حين يتعلم الطفل معنى الالتزام، وأخلاقيات الرياضة، وروح الفريق الواحد.


إن جيل الإنجاز لا يولد صدفة، بل يُبنى على العلم، والانضباط، والتخطيط المبكر حين يأكل الصغير عشب الملعب من أجل الفوز.


وحين نغيّر مفهوم الحضانة من «مكان للرعاية» إلى «أكاديمية للتأسيس»، سنكون قد وضعنا اللبنة الأولى لبناء مستقبلٍ كروي مشرق، يليق بطموحنا، ويعكس روح الوطن في كل ملعب.

00:06 | 23-10-2025