أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/273.jpg?v=1763304641&w=220&q=100&f=webp

نجيب يماني

السعودية.. وطن الطمأنينة

ليس الأمن مجرد غياب الخوف، ولا الرزق مجرد وفرة المال والثروات؛ فالأمن في المفهوم القرآني نعمة كبرى تسبق كثيرًا من النعم، والرزق أوسع من أن يُختزل في مورد أو ثروة؛ لأنه يشمل الطمأنينة والاستقرار، وسعة العيش، وبركة الأرض، وصلاح الإنسان والمكان.

من هذا العمق يمكن النظر إلى أرض الحرمين الشريفين، ومهبط الوحي، وموطن قبلة المسلمين، بثقة وإيمان بأن الله الذي شرّف هذه الأرض وحفظها عبر القرون قادر على أن يصون أمنها، ويديم عليها رزقها، ما دامت قائمة على شرف رسالتها وخدمة مقدساتها.

القرآن الكريم يقرر أصلًا عظيمًا من أصول الطمأنينة بقوله تعالى: «فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ»، آية تفتح أبوابًا واسعة من اليقين؛ فالحفظ الحقيقي بيد الله، والحراسة الإلهية فوق كل حراسة، والعناية الربانية أقوى من كل تدبير بشري.

ويظل دعاء خليل الرحمن إبراهيم... قصة أمن بدأت من مكة لتعم كل أرجاء بلاد الحرمين الشريفين، ولعل ما يلفت النظر أن الأمن والرزق اجتمعا في دعاء أبي الأنبياء عليه السلام، في قوله تعالى: «وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ».

وجاء الدعاء أكثر تحديدًا: «رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ».

ثم يقول عليه السلام داعيًا: «رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ».

تأملوا هذا الدعاء العظيم: أمن، ثم رزق، ثم اجتماع القلوب، ثم الشكر.

لم تكن مكة عند دعاء إبراهيم عليه السلام أرضًا زراعية واسعة، بل وصفها بأنها وادٍ غير ذي زرع.

ومع ذلك طلب لها الرزق، وطلب لها الأمن، وطلب أن تهوي إليها أفئدة الناس.

فجاءت الإجابة الإلهية عبر تاريخ طويل من التحوّلات، حتى غدت أرض الحرمين الشريفين مقصد القلوب، ومهوى أفئدة المسلمين، ومركزًا تتجه إليه الأنظار كل يوم.

ومن هنا تتجلّى قيمة الدعاء الإبراهيمي في قراءة مستقبل المملكة؛ فالأرض التي دعا لها إبراهيم بالأمن والرزق، وشهد التاريخ بقاء أمنها ومكانتها، ليست أرضًا عادية في وجدان المسلمين، ولا يمكن فصل حاضرها عن هذا الإرث الإيماني العظيم، فالأمن نعمة تسبق كل النعم؛ لذا يضع القرآن الأمن في مكانة بالغة الرفعة، ويذكّر الإنسان بقيمته عند زواله أو اضطرابه.

يقول الله تعالى: «فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ، الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ».

جمع القرآن بين الطعام والأمن؛ لأن الإنسان لا يستطيع أن يستمتع بالرزق إذا فقد الطمأنينة، ولا يستطيع أن يبني مستقبله وسط الخوف والاضطراب.

لهذا تبدو نعمة الأمن التي تعيشها المملكة من أعظم النعم التي تستحق الحمد والشكر.

المملكة ليست دولة عادية في الجغرافيا الإسلامية، إنها أرض الحرمين الشريفين، والأمن هنا لا يخدم المواطن وحده، بل يخدم مسلمي العالم أجمع.

ومن أعجب ما يلفت النظر أن القرآن تحدّث عن مكة بوصفها بلدًا آمنًا، فقال تعالى: «أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ»، فنحن، ولله الحمد، نعيش الأمن والأمان بعيدًا عن المحن والاضطرابات من حولنا.

نصوص قرآنية تمنح بلاد الحرمين مكانة استثنائية؛ فهي حرم جعل الله له حرمة وأمنًا، وأودع فيه من الخصائص ما لا يوجد في غيره من البقاع.

ومن مكة امتدت رسالة الإسلام، وارتبطت أرض الحرمين بتاريخ الرسالة المحمدية ارتباطًا لا ينفصم، فالرزق الذي يتجاوز حدود الأرض ليصل إلى المسلمين في أنحاء الدنيا ارتبط هو الآخر بأرض الحرمين في دعاء إبراهيم عليه السلام. قال تعالى: «وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ»، وليس المقصود بالرزق لونًا واحدًا من الطعام أو المال، بل مفهوم واسع يشمل كل ما ينتفع به الإنسان. ولذلك فإن قراءة الرزق في واقع المملكة لا ينبغي أن تقف عند النفط والغاز أو التجارة أو الصناعة أو السياحة أو المعادن، فكل هذه صور من رزق الله، لكنها ليست نهاية القصة.

هناك رزق الأمن، والموقع، والمكانة، والعقول، والاستقرار، والثقة، واجتماع الناس، ورزق القدرة على بناء المستقبل، ورزق القيادة الواعية البصيرة القادرة على بسط الأمن والأمان، وأي رزق أعظم من أن تصبح الأرض مقصدًا لقلوب مئات الملايين من البشر؟

الأمن السعودي لا ينبغي النظر إليه باعتباره شأنًا داخليًا محضًا؛ لأن أمن المملكة يعني شيئًا أعمق بالنسبة للمسلمين: أمن المكان الذي تهوي إليه أفئدتهم.

ثلاثة مطالب تختصر كثيرًا من معاني الحياة: الأمن، والرزق، ومحبة الناس.

اجتمعت هذه المعاني في أرض الحرمين الشريفين بصورة تستحق التأمل؛ أمنٌ جعل الحرم قبلةً آمنة، ورزقٌ امتد من الثمرات إلى اقتصاد واسع متعدد الموارد، وقلوبٌ تهوي إلى البيت العتيق من كل فج عميق.

لذلك فإن التفاؤل بمستقبل المملكة ليس عاطفة عابرة، وإنما يمكن أن يستند إلى إيمان عميق، وإلى سنن التاريخ، وإلى واقع دولة تعرف قيمة موقعها ومقدساتها وثرواتها، وتدرك أن حماية المستقبل تبدأ من حماية الأمن، وأن استمرار الرزق يحتاج إلى العمل، وأن دوام النعم يحتاج إلى الشكر.

لا خوف على السعودية بإذن الله؛ فهذه أرض دعا لها إبراهيم بالأمن والرزق، وأكرمها الله بالحرمين، ويبقى واجب أهلها أن يحفظوا النعمة بالشكر، والوطن بالعمل، والأمن باليقظة، والمستقبل بالطموح.

منذ يومين

سلمت يا وطني في يومك الأغر

في اللّحظة التي نتهيّأُ فيها لتنسّم عبير الذكرى السادسة والتسعين ليومنا الوطني، رافعين شعار «عزّنا بطبعنا».. وقد لاحت البشائر، وتكاملت الأدوار لفرح مستحق، وذكرى حبيبة على القلب.

في هذا التوقيت الاستثنائي، يتعاظم كيد الحاسدين، ويرشح سمُّ استهدافهم الزعاف على ربوع وطني، وبنيته التحتية، وكأنّهم بهذا «الصنيع الصبياني»، والسلوك المأفون، والعدوان الغاشم، قادرون على إيقاف نهضة المملكة، أو تعطيل مسيرتها المباركة مع «الرؤية» المنيفة. ما دروا أن ما اقترفت أياديهم الأثيمة لن يهزّ شعرة في مملكة رسّخت قواعدها بباصر حكمة قيادتها، منذ فجر «التوحيد» الأبلج، ومروراً بكل الحقب السعودية الزاهرة، مستقراً في هذا العهد الوضيء، وقد بلغت فيه المملكة مبلغاً علياً، ونافت به شأواً سنياً، وحلّقت إلى آفاق بعيدة مع «الرؤية»..

أما قرأ هؤلاء «المغامرون» تاريخ هذه الأرض المباركة، وتأمّلوا سطور مجدها الضارب بجذوره في عمق التاريخ؟

أما راجع هؤلاء «المأجورون» سيرة قيادة هذا الوطن الشّامخ الأبي، واستشعروا قصة تلاحم فريد بينه وبين شعبه الوفيّ؟

أما وعى هؤلاء «المتآمرون» درس «الرؤية» في مرايا الحزم والعزم؟

إن فاتهم أن يقرؤوا ويتأملوا ويبصروا ويفهموا حقيقة المملكة، فلا أقل من ندير أعينهم الكمهى، وبصائرهم المنطفئة، وقلوبهم العمياء تلقاء الحقائق الجلية، والمشاهد الناصعة، والشواهد الماثلة، لعلهم يدركوا أن المملكة عصيّة على الاستهداف، وحصينة ضد الانتياش، وسامقة فلا تنالها سهام الحقد، ونبال الموجدة والحقد، لعلهم يفهموا أنّ هذا الوطن بنته سواعد أبيّة، وضمائر نقية، وقلوب توحدت تحت راية الفخر والعز والكرامة، راية وسمها «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، فمن ذا يطاول أو يصاول!

ستعبر المملكة كما عبرت مثل هذه الأفعال الصبيانة، فقد خبرنا مراميها، وأدركنا غاياتها، فمع كل قفزة نوعية تحرزها المملكة في مدارج الرقي، تبرز أصوات الحقد والعداء من قِبل «قوى إقليمية ودولية» يغيظها هذا الصعود المظفر، فتنسل السهام المسمومة من كناناتها العطنة بشكل مستمر ومنظم، ومكشوف النوايا، فهو ليس وليد صدفة، بل هو ضريبة الريادة والسيادة التي تدفعها الأمم العظيمة. ولعل المحاولة الغادرة الأخيرة التي استهدفت خط أنابيب النفط (شرق – غرب) في منطقتي الرياض والمدينة المنورة، تمثّل ذروة هذا المخطط البائس الذي يسعى لضرب الشرايين الحيوية للاقتصاد العالمي، وليس المملكة فحسب.. فليس في هذا الاستهداف الجبان الغادر غير مزيد من التعرّي لمن ملأ الحقد أجوافهم النتنة، في مقابل ما وسع المملكة من نصرة دول العالم كافة، واستنكارها، وإعلانها دعم المملكة في كل ما تقوم به من أجل حماية أراضيها، وصون ترابها، والذود عن حماها، وفي هذا الكفاية والغنى، والتأكيد على مكانة المملكة عالمياً، وإنها القادرة بعون الله على رد العدوان، وقصم ظهر الجناة، ونسف كل تدبير وتآمر يحيكونه ضد أمن وسلامة هذه البلاد الطاهرة.

فالسلام يظلّك أيّها الوطن الأبي، وأنت تستشرف صبيحة الثالث والعشرين من سبتمبر الذكرى السادسة والتسعين لليوم الوطني، صباح ستزداد فيه الرايات الخضراء خفقاً وعلواً وتيهاً.. سنقف، ويقف معنا العالم كله، وقفة تأمل واستقراء لملحمة بناء مستمرة، ونقطة ارتكاز نطل منها على مشهد وطني متكامل الأركان؛ يجمع بين تسارع خطى التطوير والنهضة، وبين بسالة التصدي لمحاولات الاستهداف البائسة التي تسعى للنيل من أمن الوطن ومقدراته الاقتصادية.

سنعرض كتاباً مرقوماً بالإنجازات الباهرة، وموسوماً بالخير، ومسطوراً بحراك تنموي بلغ الغايات، ووضع المملكة حيث يجب أن تكون، وما زال في الطموح وثبة إلى مراقٍ جديدة.. فإنما هي نهضة لا تقف عند حدود، ووثبة بلا سقوف، ورؤية لا تعرف المستحيل، تصوغ لهذا الوطن مستقبلاً ريادياً ليتبوّأ مكانته المستحقة في صدارة المشهد العالمي، مستنداً إلى إرثه القومي العريق، وعمقه الاستراتيجي والديني الفريد.

سنرفع رؤوسنا فخراً في ذكرى هذا اليوم الأغر، كما نحن دائماً بفضل الله، مدركين تمام الإدراك أن مسيرة العطاء لا تسير في طرق مفروشة بالورود، بل تصنعها العزائم الصادقة التي تجابه التحديات وتطوع الصعاب. وسنصوغ في احتفالنا بهذه المناسبة الغالية رسالة واضحة لكل متربص، ونضعها في بريده الخاص، مفادها:

إن المملكة، بقيادتها الحكيمة وشعبها الأبي، أقوى من مؤامرات الطغاة، وأسمى من أحقاد الحاقدين، وستبقى رايتها الخفاقة في علياء المجد، وسيبقى هذا الوطن واحة للأمن والأمان، ومنارة للتطوير والازدهار.

وكل عام وأنت موفور الأمن يا وطني المعطاء، باسقاً شامخاً وأبياً في عهد الملك سلمان بن عبدالعزيز، وولي عهده الأمير محمد بن سلمان بإذن الله.

00:19 | 14-09-2026

سلمت يا وطني في يومك الأغر

في اللّحظة التي نتهيّأُ فيها لتنسّم عبير الذكرى السادسة والتسعين ليومنا الوطني، رافعين شعار «عزّنا بطبعنا».. وقد لاحت البشائر، وتكاملت الأدوار لفرح مستحق، وذكرى حبيبة على القلب.


في هذا التوقيت الاستثنائي، يتعاظم كيد الحاسدين، ويرشح سمُّ استهدافهم الزعاف على ربوع وطني، وبنيته التحتية، وكأنّهم بهذا «الصنيع الصبياني»، والسلوك المأفون، والعدوان الغاشم، قادرون على إيقاف نهضة المملكة، أو تعطيل مسيرتها المباركة مع «الرؤية» المنيفة. ما دروا أن ما اقترفت أياديهم الأثيمة لن يهزّ شعرة في مملكة رسخت قواعدها بباصر حكمة قيادتها، منذ فجر «التوحيد» الأبلج، ومروراً بكل الحقب السعودية الزاهرة، مستقراً في هذا العهد الوضيء، وقد بلغت فيه المملكة مبلغاً علياً، ونافت به شأواً سنياً، وحلّقت إلى آفاق بعيدة مع «الرؤية»..


أما قرأ هؤلاء «المغامرون» تاريخ هذه الأرض المباركة، وتأمّلوا سطور مجدها الضارب بجذوره في عمق التاريخ؟


أما راجع هؤلاء «المأجورون» سيرة قيادة هذا الوطن الشّامخ الأبي، واستشعروا قصة تلاحم فريد بينه وبين شعبه الوفيّ؟


أما وعى هؤلاء «المتآمرون» درس «الرؤية» في مرايا الحزم والعزم؟


إن فاتهم أن يقرؤوا ويتأملوا ويبصروا ويفهموا حقيقة المملكة، فلا أقل من ندير أعينهم الكمهى، وبصائرهم المنطفئة، وقلوبهم العمياء تلقاء الحقائق الجلية، والمشاهد الناصعة، والشواهد الماثلة، لعلهم يدركوا أن المملكة عصيّة على الاستهداف، وحصينة ضد الانتياش، وسامقة فلا تنالها سهام الحقد، ونبال الموجدة والحقد، لعلهم يفهموا أنّ هذا الوطن بنته سواعد أبية، وضمائر نقية، وقلوب توحدت تحت راية الفخر والعز والكرامة، راية وسمها «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، فمن ذا يطاول أو يصاول!


ستعبر المملكة كما عبرت مثل هذه الأفعال الصبيانة، فقد خبرنا مراميها، وأدركنا غاياتها، فمع كل قفزة نوعية تحرزها المملكة في مدارج الرقي، تبرز أصوات الحقد والعداء من قِبل «قوى إقليمية ودولية» يغيظها هذا الصعود المظفر، فتنسل السهام المسمومة من كناناتها العطنة بشكل مستمر ومنظم، ومكشوف النوايا، فهو ليس وليد صدفة، بل هو ضريبة الريادة والسيادة التي تدفعها الأمم العظيمة. ولعل المحاولة الغادرة الأخيرة التي استهدفت خط أنابيب النفط (شرق – غرب) في منطقتي الرياض والمدينة المنورة، تمثّل ذروة هذا المخطط البائس الذي يسعى لضرب الشرايين الحيوية للاقتصاد العالمي، وليس المملكة فحسب.. فليس في هذا الاستهداف الجبان الغادر غير مزيد من التعرّي لمن ملأ الحقد أجوافهم النتنة، في مقابل ما وسع المملكة من نصرة دول العالم كافة، واستنكارها، وإعلانها دعم المملكة في كل ما تقوم به من أجل حماية أراضيها، وصون ترابها، والذود عن حماها، وفي هذا الكفاية والغنى، والتأكيد على مكانة المملكة عالمياً، وإنها القادرة بعون الله على رد العدوان، وقصم ظهر الجناة، ونسف كل تدبير وتآمر يحيكونه ضد أمن وسلامة هذه البلاد الطاهرة.


فالسلام يظلّك أيّها الوطن الأبي، وأنت تستشرف صبيحة الثالث والعشرين من سبتمبر الذكرى السادسة والتسعين لليوم الوطني، صباح ستزداد فيه الرايات الخضراء خفقاً وعلواً وتيهاً.. سنقف، ويقف معنا العالم كله، وقفة تأمل واستقراء لملحمة بناء مستمرة، ونقطة ارتكاز نطل منها على مشهد وطني متكامل الأركان؛ يجمع بين تسارع خطى التطوير والنهضة، وبين بسالة التصدي لمحاولات الاستهداف البائسة التي تسعى للنيل من أمن الوطن ومقدراته الاقتصادية.


سنعرض كتاباً مرقوماً بالإنجازات الباهرة، وموسوماً بالخير، ومسطوراً بحراك تنموي بلغ الغايات، ووضع المملكة حيث يجب أن تكون، وما زال في الطموح وثبة إلى مراقٍ جديدة.. فإنما هي نهضة لا تقف عند حدود، ووثبة بلا سقوف، ورؤية لا تعرف المستحيل، تصوغ لهذا الوطن مستقبلاً ريادياً ليتبوّأ مكانته المستحقة في صدارة المشهد العالمي، مستنداً إلى إرثه القومي العريق، وعمقه الاستراتيجي والديني الفريد.


سنرفع رؤوسنا فخراً في ذكرى هذا اليوم الأغر، كما نحن دائماً بفضل الله، مدركين تمام الإدراك أن مسيرة العطاء لا تسير في طرق مفروشة بالورود، بل تصنعها العزائم الصادقة التي تجابه التحديات وتطوع الصعاب. وسنصوغ في احتفالنا بهذه المناسبة الغالية رسالة واضحة لكل متربص، ونضعها في بريده الخاص، مفادها:


إن المملكة، بقيادتها الحكيمة وشعبها الأبي، أقوى من مؤامرات الطغاة، وأسمى من أحقاد الحاقدين، وستبقى رايتها الخفاقة في علياء المجد، وسيبقى هذا الوطن واحة للأمن والأمان، ومنارة للتطوير والازدهار.


وكل عام وأنت موفور الأمن يا وطني المعطاء، باسقاً شامخاً وأبياً في عهد الملك سلمان، وولي عهده الأمير محمد بن سلمان بإذن الله.

19:46 | 13-09-2026

السعودية.. حكاية يوم في روزنامة الحياة

فور صدور قرار مجلس الوزراء الموقر بأن يكون اليوم (الثاني عشر) من شهر مايو من كل عام يوماً للتبرع بالأعضاء، تفاعل الدكتور ماجد بن إبراهيم الفياض، الرئيس التنفيذي لمجموعة مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث، مع هذا القرار، فسطّر على حسابه في منصة (X) قائلاً: «موافقة مجلس الوزراء على تخصيص يوم 12 مايو من كل عام يوماً للتبرع بالأعضاء، خطوة مهمة تعزّز ما حقّقته المملكة من تقدّم في زراعة الأعضاء، وتسهم في ترسيخ ثقافة التبرع والتكافل، بما يمنح مزيداً من المرضى فرصة جديدة للحياة».

يأتي هذا المنشور إدراكاً تاماً منه بأهمية هذا النداء، واستشعاراً لبارق الإشارة التي تومي باتجاه «التخصصي»، والدور المنوط به في زراعة الأعضاء، والتوسع فيها.

ولا تحسبنّ أنّ موافقة مجلس الوزراء على تخصيص هذا اليوم للتبرع بالأعضاء، من مستنسلات الاعتياد، أو الإشارات العابرات في روزنامة الحياة، الماضية ركضاً متسارعاً ولاهثاً، لا والله، إنّها لحظة تدير فيها المملكة وجه العالم كلّه، بلا استثناء، إلى قضية إنسانية بالغة النّبل، قضية تمسّ الجميع، إذ لا يخلو ركن من أركان البسيطة عن مسيس الحاجة إليها، إنقاذاً لأنفس أضناها الألم، وطواها الأسى والقنوط، ولا خلاص لها من حالة التأرجح بين الموت والحياة إلا بإغاثة متبرعٍ، ونخوة مانح.

إنه صنيع «الرؤية» التي تبصر بها المملكة، وتتطلع إلى ما يهمّ العالم أجمع، لتضيف بهذا التخصيص يوماً جديداً إلى التقويم، يمنح الإنسانية موعداً سنوياً تتجدّد معه الدّعوة إلى العطاء، وتتّسع معه مساحة الوعي، ويعلو فيه صوت الأمل. وما على ذوي الحِجى والنّفوس الكبار إلّا أن يثبّتوا الموعد في مضابط تقاويمهم السنوية، ويبصموا عليها، تقديراً لنبل المقصد، واعترافاً بفضل المملكة في التنويه إليه.

وما كان للمملكة أن تبتدر بالنّداء لأمر لم تستوفِ حقّه ومستحقه، فقدمُها في مجال زراعة الأعضاء، والتبرّع بها رسخت، والشّواهد على علو كعبها في ذلك كثيرة، إذ صارت مضرب مثل، ومقصداً لمن ينشد العلاج، وهي التي قطعت بالفعل شوطاً مهماً في هذا المجال.

أُنشئ المركز السعودي لزراعة الأعضاء، وتطوّرت مهامه عبر عقود، وأقرّت المملكة نظام التبرّع بالأعضاء عام 2021، كما سجّل خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وولي العهد الأمين، في برنامج التبرع بالأعضاء، مبادرة حملت رسالة إنسانية رفيعة وشجّعت المجتمع على الإقبال على هذا العمل النبيل.

تكشف التجربة السعودية أنّ المنظومة لا تقف عند حدود تشجيع المتبرع، وإنما تهتم أيضاً بحقوقه وتقدير عطائه.

يمثّل مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث رأس الرّمح في مجال زراعة الأعضاء، وقد ذاع صيته عالمياً في هذا المجال، كفاء تسخيره لأحدث التقنيات، ودخول الروبوتات والذكاء الاصطناعي في العمليات الجراحية، وزراعة الأعضاء. واللافت، أنّ التبرع بالأعضاء لم يعد فكرة غامضة أو إجراءً بعيداً عن متناول الناس، فقد أسهمت المنظومة الصحيّة السّعودية في تسهيل إبداء الرغبة بالتبرع عبر القنوات الرقمية، ومنها تطبيق «توكلنا»، مع وجود أطر تنظيمية تحفظ حقوق المتبرعين وتنظم عمليات التبرع والزراعة.

إنّ التبرع بالأعضاء من أسمى صور العطاء؛ لأنّ الإنسان يمنح جزءاً من جسده لإنسان آخر كي يستعيد قدرته على الحياة، ويخرج من أسر المرض، بعين أكثر أملاً.

قد يذهب المال ويُستهلك، وقد تنتهي الهدايا بانتهاء مناسبتها، أمّا العضو الذي يُمنح لمريض محتاج فقد يتحوّل إلى عمر جديد، وبيت يستعيد فرحته، وأسرة تتخلّص من ألم الانتظار. من هنا تأتي أهمية تخصيص يوم وطني سنوي للتبرع بالأعضاء، فالمجتمعات لا تبني ثقافاتها الكبرى بالقرارات وحدها، وإنّما بالتكرار الواعي للفكرة حتى تتحوّل من معلومة عابرة إلى قناعة راسخة، ومن قناعة إلى سلوك، ومن سلوك فردي إلى ثقافة اجتماعية.

سبق أن أعلنت هيئة كبار العلماء جواز نقل الأعضاء من إنسان إلى آخر، حيّاً كان أو ميتاً، بما يؤكّد أنّ هذا الباب يجد له سنداً شرعياً واضحاً.

إنّ خطوة تخصيص الثاني عشر من شهر مايو من كلّ عام يوماً للتبرع بالأعضاء ستنقل قضية التبرع من نطاق المبادرة الفردية المتفرّقة إلى ثقافة وطنية معلنة.

فوجود يوم محدّد يعني أنّ القضية ستعود إلى الواجهة كلّ عام، وأنّ المؤسّسات قادرة على بناء برامج توعوية طويلة المدى حولها، والمعوّل أن يقوم الإعلام بما يستطيع لتحويل المناسبة إلى مساحة لسرد قصص الأمل، كما أنّ المدارس والجامعات والجمعيات تستطيع المشاركة في صناعة وعي جديد يضع قيمة إنقاذ الإنسان في مقدمة القيم الاجتماعية.

ولي عودة إلى هذا الموضوع من منظور آخر إن أمدّ الله في الآجال.

00:00 | 10-09-2026

من الرياض.. «الجين» يرسم طريق العلاج

منذ انبلاج فجر الرؤية القديرة، تغيّرت الكثير من المفاهيم في المجال الصحي التخصصي الذي وجد دعماً وعنايةً خاصةً من ولي العهد الأمين، مما مكّن ربّانه والقائم على أمره من أن يستشرف خططاً طموحةً وبرامج واستراتيجيات متقدّمة، خرجت بمنظومته التقليدية إلى آفاق أرحب، مواكبةً للتطور العالمي، ليصبح مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث رأس الرمح في حركة التطور الكبيرة في المجال الصحي التخصصي، متبوئاً مراكز متقدمة في مجالات كثيرة، أبرزها زراعة الأعضاء، واستخدام الروبوتات، بما قلّل أمد الطبابة، بوسائل أكثر نجاعةً، وأكثر أماناً.

على ذات خطى النجاح المضطرد الذي دأب «التخصصي» على تسجيله في دفتر الإنجازات، يستعد لعقد مؤتمر «أحدث التطورات في طب الأورام الجينومي» في العاصمة الرياض الأسبوع القادم؛ لبحث المستجدات في علم الأورام الجينومي، وتوظيفه في صناعة القرار السريري وتطوير علاجات السرطان الدقيقة.

استضافة «التخصصي» للمؤتمر لا تبدو مجرد رغبة في تنظيم فعالية علمية جديدة، ولا مجرد مواكبة لموضوع أصبح يحتل مساحة واسعة من اهتمامات الطب الحديث؛ القصة أعمق من ذلك بكثير، إنها قصة تحوّل مؤسسي ينتقل بالسرطان من كونه مرضاً يُشخَّص وفق العضو المصاب، إلى مرض تُقرأ تفاصيله من داخل الخلية، وتُفكّك شفرته الجينية، ثم تُترجم النتائج إلى قرار علاجي أكثر دقة، ليكون الطب الجينومي جزءاً من منظومة الرعاية السريرية.

استضافة تبدو امتداداً طبيعياً لمسار علمي وعملي أخذ يتشكّل داخلها، حتى أصبح «الجين» نفسه أحد الأدلة التي يستند إليها الطبيب في اختيار العلاج.

تكمن أهمية التحوّل في أن «الطب الجينومي» تم تطويعه بأيدٍ وطنية قادرة؛ لينتقل من برنامج بحثي إلى نظام مدمج في الرعاية السريرية، خطوة رفعت عدد الفحوصات الجينومية من (22) ألف فحص عام 2022 إلى أكثر من (44) ألفاً، مع إجراء أكثر من (5) آلاف تحليل ضمن طب الأورام الدقيق، وأسهمت في تغيّر العلاج ليستفيد منه نحو 70% من الحالات المرضية الموثقة.

الطبيب أصبح قادراً على إضافة طبقة أخرى من المعرفة: ماذا تقول جينات المريض؟ وماذا تقول جينات الورم؟ وكيف يمكن تحويل هذه المعلومات إلى قرار علاجي؟

وهنا تتضح دلالة المؤتمر، كون «التخصصي» لا يناقش مستقبل الطب الجينومي من بعيد؛ إنه يناقش تجربة أصبحت جزءاً من ممارسته اليومية الفعلية، بما يمكن القول معه إن المؤتمر يمثّل منصة علمية تناقش المستجدات في الأورام الجينومية وعلاقتها بصناعة القرار السريري والرعاية الدقيقة للسرطان.

ولو عدنا بالذاكرة إلى الوراء، لأدركنا أن التصنيف الطبي للسرطان كان يعتمد على المكان الذي ظهر فيه الورم: سرطان الثدي، والقولون، والرئة، والمبيض.

وهو على خلاف الواقع اليوم، فطب الأورام الدقيق بات يضيف سؤالاً أكثر عمقاً: ما الذي يحدث داخل هذا الورم؟

وهنا ينتقل الطب من التعامل مع المرض باعتباره اسماً عاماً إلى التعامل معه باعتباره بصمة بيولوجية خاصة بالمريض وورمه؛ ليحصل المريض على العلاج الذي يناسب الخصائص الجزيئية للمرض لديه، بدل الاعتماد على نموذج علاجي واحد لجميع مرضى السرطان. توجد داخل الورم الواحد مجموعات مختلفة من الخلايا، بعضها يستجيب للعلاج، وبعضها يمتلك خصائص تساعده على البقاء والمقاومة. معرفة هذه التفاصيل ستفتح أبواباً جديدة لفهم تطور المرض وتصميم علاجات أكثر دقة.

تسلسل الجينوم ينتج بيانات هائلة، وتحليل الخلية المفردة يضيف طبقات جديدة، ودمج الجينوم مع النسخ الجيني والبروتينات والمعلومات المكانية والتاريخ الطبي والصور النسيجية يخلق مشهداً بالغ التعقيد.

وهنا يأتي دور الذكاء الاصطناعي والجينوم الحاسوبي.

فالذكاء الاصطناعي يساعده في تحليل كميات هائلة من البيانات، واكتشاف أنماط قد يصعب الوصول إليها بالطرق التقليدية، وتحويلها إلى معرفة قابلة للاستخدام الطبي.

هذه السلسلة هي المفتاح الحقيقي لفهم اختيار «التخصصي» استضافة هذا المؤتمر؛ ليحكي قصة مستشفى يحاول الوصول إلى مرحلة يصبح فيها القرار العلاجي أكثر ارتباطاً بالبيولوجيا الفعلية للمرض، وبالبصمة الجينية للمريض والورم، وبالقدرة على مراقبة المرض وتحليل تغيّراته واكتشاف مقاومته للعلاج في وقت مبكر.

الثورة الحقيقية في طب الأورام الجينومي تعيد تعريف السؤال الطبي نفسه.

الطب التقليدي يسأل: كيف نعالج السرطان؟ أما الطب الجينومي فيضيف أسئلة أكثر عمقاً: لماذا نشأ هذا السرطان بهذه الصورة لدى هذا المريض تحديداً؟

وما الذي يجعله يستجيب لهذا العلاج أو يقاومه؟

ثم كيف نستطيع اكتشاف تغيّره قبل أن يتحول إلى مشكلة سريرية واضحة؟

أسئلة تدفع علوم الجينوم والأورام الجزيئية والذكاء الاصطناعي والخزعة السائلة والأوميكس المتعدد إلى الاقتراب أكثر فأكثر من سرير المريض.

صفوة القول: يريد «التخصصي» أن يكون أحد المعالم التي تُنتج المعرفة، وتختبرها، وتحوّلها إلى ممارسة سريرية، ثم تعيد إرسالها إلى العالم ممهورة باسم الوطن. بهذا المفهوم يصبح هذا المؤتمر إعلاناً عن تحوّل أعمق من قراءة السرطان باسمه ومكانه إلى قراءته بشفرته. ومن إعطاء العلاج وفق النوع العام للمرض إلى البحث عن العلاج الذي يناسب هذا الورم لدى هذا المريض، ويجعل الطب الجينومي والأورام الدقيقة عنواناً لمرحلة جديدة من الطب نفسه.

00:44 | 7-09-2026

رسوم الأرض البيضاء تغلق أبواب التحايل وتفتح طريق التطوير

معاناة عاشها الوطن مع مساحات الأراضي الشاسعة المتروكة لسنوات طويلة ساكنة تحت الشمس، لا عمرانَ فوقها، ولا نشاطَ اقتصادياً حولها، ولا قيمةَ مضافةً تتحقق للمجتمع من وجودها. تقضم أوصال المدن، وترفع أسعار السكن، وتشوّه المنظر العام، وتحد من جودة الحياة.

ترتفع قيمتها مع نمو المدن وتوسع الطلب، فتتحوّل الأرض من أصل يفترض أن يدخل دورة التنمية إلى أداة للانتظار والمضاربة، ويصبح ارتفاع السعر بمرور الزمن هو العائد الأساسي من الاحتفاظ بها.

هذه المعادلة تقف خلف التطور المتواصل لمنظومة رسوم الأراضي البيضاء، وتمنح القرار الجديد لمجلس الوزراء أهمية تتجاوز مجرد إجراء إداري يتعلق بتوثيق نقل الملكية وعدم توثيق أي تصرف عقاري ناقل لملكية أرض خاضعة لأحكام نظام رسوم الأراضي البيضاء والعقارات الشاغرة إلا بعد التحقق من سداد الرسوم المستحقة عليها، ليصبح نقل الملكية مرتبطاً بتسوية الالتزام المالي، فلا يتخلص المالك من عبء الرسوم بمجرد نقل الأرض إلى شخص آخر. الملكية العقارية حق أصيل تحميه الأنظمة، لكن هذا الحق يتحرك داخل منظومة اقتصادية واجتماعية أوسع.

الأرض الواقعة داخل النطاق العمراني جزء من مدينة تتوسع، وشبكات طرق تمتد، وخدمات عامة تُقام، وسكان يبحثون عن مساكن، ومستثمرين يبحثون عن فرص، واقتصاد يحتاج إلى أصول تدخل دورة الإنتاج.

لهذا جاءت رسوم الأراضي البيضاء لتحفيز المالك على اتخاذ قرار اقتصادي: إما أن يطور الأرض، وإما أن يتحمّل تكلفة إبقائها غير مستغلة، وإما أن يبيعها بعد تسوية الالتزامات المترتبة عليها. صيغة تضيق مساحة المناورة أمام من يحتفظ بالأرض سنوات، ثم ينقل ملكيتها لتبدأ دورة جديدة من الالتفاف على الالتزامات، فلا يعود تغيير الاسم في الوثيقة وسيلة لإسقاط المستحقات.

فلا يمكن أن يكون تغيير المالك بديلاً عن الوفاء بالالتزام، هذه نقطة مهمة في بناء سوق عقارية أكثر انضباطاً، فالرسوم لا تستهدف تحصيل الأموال، بل تستهدف تغيير السلوك الاقتصادي، لتتحوّل الرسوم إلى حافز اقتصادي لإعادة توجيه رأس المال العقاري نحو النشاط المنتج.

الاقتصاد لا يستفيد من أصل ترتفع قيمته على الورق، بينما يظل مجمّداً خارج دورة الإنتاج، القيمة الحقيقية تظهر عندما تتحوّل الأرض إلى حياة، فزيادة الأراضي المطروحة للتطوير تساعد في تخفيف الاختناقات التي ترفع تكلفة الحصول على الأرض.

الدولة تريد سوقاً تتحرك فيها الأصول، لا سوقاً تتراكم فيها الملكيات دون إنتاج.

السوق السعودية تتحرك داخل اقتصاد يتوسع ويتنوع، وتطوير المدن والمشروعات الكبرى والبنية التحتية يخلق طلباً جديداً على الأراضي والمنتجات العقارية، هذا يعني أن إدارة الأرض أصبحت قضية اقتصادية واستراتيجية في الوقت نفسه.

كل قطعة أرض تبقى مجمّدة تعني فرصة تنموية مؤجلة، ومن هنا يمكن فهم التشدّد المتزايد في ربط الالتزامات العقارية بعمليات التصرف والتوثيق.

الأرض التي تبقى مجمّدة طويلاً تحقق مكسباً لمالكها، لكنها تحرم الاقتصاد من جزء من إمكاناتها؛ لذلك فإن إغلاق منافذ التحايل على رسوم الأراضي البيضاء لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مجرد تشديد على الملاك.

إنه جزء من فلسفة اقتصادية أوسع تقوم على تحرير الأصول من الجمود، وتحويل الملكية إلى مشاركة في التنمية، وإعادة التوازن بين حق الفرد في امتلاك الأصل وحق المجتمع في سوق عقارية أكثر كفاءة.

القرار لا يقول لمالك الأرض: تخلَّ عن ملكيتك، وإنما يقول له بوضوح أكبر: طوّرها، أو سدّد ما يستحق عليها، أو بعها بعد تسوية التزاماتها، وبهذه المعادلة تتقلص مساحة التحايل، وتزداد تكلفة الاكتناز، ويصبح التطوير خياراً أكثر جاذبية، والمحصلة النهائية التي تستهدفها السياسة أبعد من الرسوم نفسها: أرض تتحرك، وسوق تتوازن، وعمران يتوسع، ومعروض يزداد، واقتصاد يستفيد من كل أصل قادر على أن يدخل دورة الإنتاج.

هذا هو الفارق بين سوق تنمو أسعار عقاراتها فقط، وسوق تنمو فيها قيمة العقار والمدينة والاقتصاد والمجتمع معاً.

قرار حكيم ينهي المعاناة ويبث الحياة في المدن، ومن أراد الاحتفاظ بأرضه يدفع رسومها، ولا بد من إلزامه بتسويرها حتى لا تؤذي الآخرين.

00:00 | 3-09-2026

تداعيات حرّة بين مفقود موجود !

«إذا فكّرت كثيرًا في المفقود فقدت كثيرًا من الموجود؛ لأنّك انتقلت من عالم الاستمتاع بما في يديك إلى عالم التّفكير بما ليس لديك.. فاستمتع بما تملك».

كأنّ من أرسلها على هاتفي كان ساعتها جالساً على بوابة قلبي، يقلّب صفحاته.. ويدرك مكمن الأسى فيه، كأنّني ما سمعت بها من قبل..

كأنّها شيء جديد أُجرّب الصّعود في معارجه، وأذهب في مسالكه تدبّرًا وتأمّلًا واستقراءً بصيرًا..

كأنّها كانت بين يديّ فأزاحت اللحظة عنها غطاء الغفلة، فبانت لي «حكمة»، أيقظتني من شرود ومكابدة ونكد طويل مديد.

لا شيء فيها خارج عن سياق ما عبر أذني من جُفل المواعظ الملقاة بلا روح في دروب حياتي.. وأنت لا تدري لِمَ لَمْ تثبت المواعظ في قلبك إلّا قليلًا

رغم أنّ صوت زواجر الخطباء من خوادع الدنيا يطاردك أينما يمّمت، يخفت ويعلو، يشتدّ ويرتخي، تطيعه حينًا بدافع ندم عابر، لكن الحياة تناديك، والأمل فسيح، فيتوارى صوتهم، كأنّه لم يعبر بقلبك، كأنّهم لم يقولوا شيئًا، هل كان صوتهم من «لسان» لم يباشر بشاشة القلب فبقي في الآذان؟!

لكنك كعهدك تدخل على الخطيب بنصف منك غارق في زحام الحياة، ونصف يحاوره في «صمت ثرثار»، ينكر ويمالي.. فلا تخرج من مكرور الخُطب إلا بمزيد الحيرة والقلق..

والعمر يمضي.. والبروق خلّب، وكأنّ ما بين يديك هباء، وما أحرزته مطفف ميزان في مرآة العين وهي تقلّب طرفها يمينًا وشمالًا، تبحث عن «غائب» يسعدها، ومنتظر يسعدها، في سوح «زائل» لا محالة، فأيّ غفلة هذي؟!

وأنت ما تستطيع أن تكبح جماح ما يتلامع لك في أفق الخاطر بوصفًا «نعيمًا» لم تدركه واقعًا، فحصدته وهمًا بمنجل الأسف المتلاف، و«ممكنًا» فوّته بالغفلة فأورثك ندمًا ناحرًا.. قلق لا يحملك على استقرار، واضطراب يذهب بك كل مذهب في الحياة..

أوقفك ابن رومي حيث وقف، بكلّ حمولة الأسى التي مرّ بها في حياته، وأخذك العجب منه كلّ مأخذ، وأنت ترى صورته في نسج العميد طه حسين عنه بالقول

«نحن نعلم أنّه كان سيئ الحظ في حياته، ولم يكن محبّبًا إلى النّاس، وإنّما كان مبغضًا إليهم، وكان مُحسدًا أيضًا، ولم يكن أمره مقصورًا على سوء حظّه، بل ربّما كان سوء طبيعته، فقد كان حاد المزاج، مضطربه، معتلَّ الطّبع، ضعيف الأعصاب، حادَّ الحسِّ جدًّا، يكاد يبلغ من ذلك الإسراف».

وكأنّه من ذلك النول قد نسج لك خلاصة أمر «الدنيا»، وقدّمها لك واخزة ومبرقة:

طُبِعَت عَلى كدرٍ وَأَنتَ تُريدُها

صَفوًا مِنَ الأَقذاءِ وَالأَكدارِ

وَمُكَلِّفُ الأَيَّامِ ضِدَّ طِبَاعِهَا

مُتَطَلِّبٌ فِي المَاءِ جَذْوَةَ نَارِ

ألا ما أكثر ما طلبتُ «جذوة النّار» من مياه كثيرة مرّت على جسر حياتي، أحسّها «فرصًا» ضاعت، فيردني صوت الضمير الحي.

ليس ثمة فرص ضائعة، فما كان لما فاتك أن يصيبك، وما كان لما أصابك أن يخطئك، فتستقرّ نفسك لحظات، لكنّها تعود إلى فورانها في دوائر النّدم الماحق، والأسف الهالك، ويمرّ عليك الحكيم المتنبي ملوّحًا بذات تلويحة ابن الرومي، كأنّ ماء البئر نفسه، ولكن الدّلو مختلف:

صَحِبَ الناسُ قَبلَنا ذا الزَمانا

وَعَناهُم مِن شَأنِهِ ما عَنانا

وَتَوَلَّوا بِغُصَّةٍ كُلُّهُم مِنـهُ

وَإِن سَرَّ بَعضُهُم أَحيانا

رُبَّما تُحسِنُ الصَنيعَ لَياليـهِ

وَلَكِن تُكَدِّرُ الإِحسانا

هل بقي من العمر ما يكفي لطموح لم تبلغ غاياته، وحاجة من عاش لا تنقضي؟

هل ثمة زاجر يحبس صوت النّدم على ما فات، ويطمئن القلب بالرضا على ما احترز ونال، بقبول لا تشينه نوازع الموجدة على ما ضاع؟ هل عناك الطيب صالح، في روايته «ضو البيت / بندرشاه»، بالقول: كانت ساقاه تحسّان بوطأة السنين الخمسين أو الستين، ولكنّ خياله كان خيال طفل دون العاشرة.

اللّيل بهيم، وشجيرات السيّال الجاثمات كنسوة في مأتم، ولمع الأضواء الموهومة في تلك الحلكة، وصوت الحياة الضّعيف في كلّ ذلك العدم. وفجأة، ذلك النّداء، وسط الظلام

«يا محيميد»

نداء قريب منه، كحبل الوريد.

وقال محيميد: «نعم»

نداء واضح مألوف يقول له «يا محيميد تعال».

هشّ له وقال «نعم»، ولم يخطر له أنّ ذلك أمر مستحيل، فقد كان النّداء هو الظّلام أو البرق الذي يلمع في جوف الظّلام، ولم يكن له من بدٍّ إلا أن يسير وراءه يقتفي أثره.

نعم.. نعم؛ «لن يخرج المرء عن أرض له وسماء»، لن يكفّ القلب عن الطراد، لن تهدأ مروحة الندم، لن يسكت صوت الحسرة، والعمر مضى أو كاد.

ليت العبارة جاءت باكرًا، ليت القلب وعى أنه «إذا فكّرت كثيرًا في المفقود فقدت كثيرًا من الموجود؛ لأنّك انتقلت من عالم الاستمتاع بما في يديك إلى عالم التّفكير بما ليس لديك».

00:12 | 31-08-2026

وَكانَ بَيانُهُ لِلهَديِ سُبلًا!

تحضرني قصيدة جميلة نظّمها الشاعر أحمد شوقي تسمى نهج البردة في مدح رسول الله محمد، معارضًا بها بائية الشاعر البوصيري، يقول مطلعها:

ريمٌ عَلى القاعِ بَينَ البانِ وَالعَلَمِ

أَحَلَّ سَفكَ دَمي في الأَشهُرِ الحُرُمِ

لَمّا رَنا حَدَّثَتني النَفسُ قائِلَةً

يا وَيحَ جَنبِكَ بِالسَهمِ المُصيبِ رُمي

جَحَدتُها وَكَتَمتُ السَهمَ في كَبِدي

جُرحُ الأَحِبَّةِ عِندي غَيرُ ذي أَلَمِ

رُزِقتَ أَسمَحَ ما في الناسِ مِن خُلُقٍ

إِذا رُزِقتَ اِلتِماسَ العُذرِ في الشِيَمِ

يا لائِمي في هَواهُ وَالهَوى قَدَرٌ

لَو شَفَّكَ الوَجدُ لَم تَعذِل وَلَم تَلُم

لكن قصيدة البردة للإمام البوصيري واحدة من أعمق النصوص الشعرية التي لم تكتفِ بالمدح، بل أسّست تجربة روحية كاملة، تتدرج فيها اللغة من حرارة الانكسار إلى سكون الالتجاء، ومن ذاكرة الجسد إلى إشراق المعنى.

نص يقوم على حركة داخلية دقيقة، تتنقل عبر محطات خمس، كل محطة منها تمثّل درجة من درجات التحول الوجداني والفكري.

المقطع الأول: انكسار الذاكرة وبذرة الوعي

أمِن تذكّر جيرانٍ بذي سلمِ

مزجت دمعًا جرى من مقلةٍ بدمِ

تبدأ القصيدة من عتبة الحنين، حيث الذاكرة تستدعي زمنًا متشظيًا بين الفقد والحضور. جيران هنا ليست توصيفًا اجتماعيًا، بل استعارة للحميمية الروحية التي انقطعت. أما ذي سلم فتتحول إلى رمز للسلام الداخلي الذي غادر القلب.

امتزاج الدمع بالدم يرفع التجربة الشعورية إلى أقصى درجات الصدق، حتى يغدو الجسد نفسه شاهدًا على الحنين، لا مجرد ناقل له.

المقطع الثاني: سلطة الشهادة الداخلية

وكيف يُنكر حبًّا بعد ما شهدت

به عليك عدول الدمع والسقمِ

ينتقل البناء من الوجدان إلى الحجة. الدمع يتحوّل إلى شاهد عدل، والسقم إلى وثيقة إثبات. المفارقة البلاغية تقوم على إعادة تعريف الألم بوصفه برهانًا على الصدق، لا علامة ضعف.

الحب هنا يخرج من دائرة العاطفة العابرة إلى مقام التجربة الوجودية التي تفرض حضورها على الجسد والروح معًا.

المقطع الثالث: مركز النور الكوني

محمدٌ سيدُ الكونين والثقلين

والفريقين من عربٍ ومن عجمِ

يبلغ الخطاب ذروة الاتساع الكوني. الاسم النبوي لا يرد بوصفه تعريفًا، بل بوصفه إعلان سيادة تشمل العوالم كلها: الإنس والجن، العرب والعجم، الظاهر والمخفي من الوجود.

هذا الاتساع يحوّل المديح من إطار شخصي إلى رؤية كونية تجعل من النبي مركزًا جامعًا للمعنى الإنساني.

المقطع الرابع: فيض الجود واتساع العلم

فإنّ من جودك الدنيا وضرتها

ومن علومك علم اللوح والقلمِ

هنا ينتقل البوصيري إلى بناء رمزي بالغ العمق، حيث يتحوّل الجود إلى مبدأ كوني يشمل الدنيا والآخرة معًا.

لفظة الدنيا وضرتها تفتح أفق المقارنة بين عالمين، بينما يبقى الفيض النبوي ممتدًا إليهما معًا دون انقطاع.

أما العلم، فيتجاوز حدود المعرفة البشرية ليصل إلى اللوح والقلم، أي إلى أصل التدوين الكوني للقدر والمعرفة. هذا التصوير يرفع مقام النبي إلى مستوى الوساطة النورانية بين الغيب والشهادة.

المقطع الخامس: ذروة الالتجاء والاعتصام

يا أكرمَ الخلقِ ما لي من ألوذُ به

سواكَ عند حلولِ الحادثِ العممِ

تصل القصيدة إلى قمتها الوجدانية، حيث ينحصر الملاذ في نقطة واحدة. الفعل ألوذ يكشف عن حركة نفسية عميقة تبحث عن الأمان في لحظة اضطراب شامل.

الحادث العمم يوسع دائرة الخطر إلى مستوى كوني، مما يجعل الالتجاء ضرورة وجودية لا خيارًا عاطفيًا.

تتحرك البردة عبر بنية تصاعدية دقيقة، من الحنين، إلى الشهادة، إلى الكونية، إلى الفيض، ثم إلى الالتجاء. كل مقطع يفتح طبقة جديدة من المعنى، حتى تتشكّل القصيدة بوصفها رحلة من الداخل إلى الخارج، ومن الإنسان إلى النور.

اللغة عند البوصيري لا تكتفي بوصف التجربة، بل تعيد خلقها داخل المتلقي، فتغدو القصيدة حالة شعورية ومعرفية في آنٍ واحد، تتجدد مع كل قراءة، وتبقى قابلة للحياة عبر الزمن؛ لأنها مكتوبة بروح تتجاوز حدود الزمن نفسه.

صلى الله عليك يا سيدي يا رسول الله.

00:00 | 27-08-2026

الرياض مدينة تمشي إلى المستقبل

رؤية خاطت من نول القدرة والعزم ثياب العز والفخار لوطننا الغالي، منذ أن فجّرها دويًّا في سمع الدنا ولي العهد الأمين، فعايشناها وعشنا معها؛ وعدًا أخضر غير مكذوب، ومنجزًا مدهشًا غير مجلوب، وتوقعًا مبرقًا بكل جديد خلاق مطلوب.

هناك مشاريع تُبنى لتضيف شيئًا جديدًا إلى المدينة، وثمة مشاريع تأتي لتعيد تعريف المدينة نفسها.

مشروع المسار الرياضي في الرياض يمنح إيقاعًا جديدًا للحياة، يفتح بين أحيائها شريانًا أخضر تتحرك عبره الرياضة والفنون والثقافة والطبيعة والترفيه والاستثمار.

مسار يمتد على أكثر من مئة وخمسة وثلاثين كيلومترًا، تنتشر على جانبيه المساحات الخضراء والمرافق الرياضية والثقافية والترفيهية.

محاولة لإعادة صياغة مدينة كاملة بمفهوم جديد للحياة الحضرية، تصبح فيه الرياض أكثر خضرة، وأكثر حركة، وأكثر اتصالًا بالإنسان، وأقرب إلى أن تكون مدينة تُعاش لا مدينة تُعبر فقط.

المسار باركه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز ويتمثل في إنشاء نهضة حضرية مبتكرة ومستدامة، تكون شريانًا بيئيًا يربط الرياض، ويمكّن سكانها وزوّارها من ممارسة مختلف الرياضات، ويرفع جودة الحياة بما يتوافق مع أهداف رؤية السعودية القديرة، مساراً يصنع شريانًا أخضر يضج بالحركة والحياة يخترق العاصمة من غربها إلى شرقها في جغرافيا جديدة للحياة يجعل المدينة نفسها أكثر قابلية للمشي والحركة والاستمتاع.

تحوّل عميق في فلسفة المدينة التي لم تعد تُقاس بعدد الطرق السريعة والمباني والأبراج، وإنما بقدرتها على منح الإنسان فرصة للمشي والرياضة والجلوس والتواصل والاستمتاع بالطبيعة.

أكثر من 4.4 مليون متر مربع من المساحات الخضراء المفتوحة لإعادة الطبيعة إلى قلب المشهد، لتصبح البيئة نفسها عنصرًا من عناصر جودة الحياة.

تتحوّل الرياض من مدينة صحراوية إلى مدينة تعرف كيف تصنع داخل صحرائها واحات حضرية ممتدة حيث يلتقي التاريخ والطبيعة والرياضة والعمران.

برج الفنون، عمل فني مستلهم من أبراج كهرباء الضغط العالي التي كانت تمتد على طريق الأمير محمد بن سلمان. الألواح الهندسية الملونة التي تكسو العمل تتفاعل مع أشعة الشمس، فتنتج انعكاسات بصرية متغيّرة، ليصبح البرج علامة فنية مرتبطة بذاكرة المكان وتحوّلاته.

فالرياض الجديدة لا تريد أن تهدم ذاكرتها؛ تريد أن تعيد تفسيرها.

المكان لا يحاول إخفاء طبيعته الصحراوية؛ يجعل الرمال نفسها جزءًا من التجربة لتصبح الصحراء نفسها ملعبًا بدل أن تكون الرمال حاجزًا أمام النشاط، تتحوّل إلى جزء من التصميم.

تظهر الخطة الحضرية للمشروع مجموعة من المناطق والوجهات التي تمنح الرحلة تنوعًا في طبيعتها، مسار يجاور الوادي، وآخر يلامس الرمال، ووجهة تستحضر الفن، وأخرى تمنح الرياضة مركز الصدارة، وأخرى تصنع تجربة بيئية، وأخرى تفتح الباب أمام الاستثمار والترفيه. برج رياضي يضم أعلى جدار تسلق في العالم كما يتوّج بأعلى مضمار للجري في العالم، ويضم مرافق لممارسة أكثر من 30 نوعًا رياضيًا، إلى جانب مرافق مخصصة للأشخاص ذوي الإعاقة ليصبح المشروع صاحب مفارقة جميلة.

أطول متنزه طولي في العالم أفقيًا، ومعلم رياضي شاهق رأسيًا.

الأرض تتحرك والبرج يرتفع مشروع عمراني وبيئي واقتصادي وثقافي ورياضي واستثماري في آن واحد.

أجمل وصف للمشروع يكمن في فلسفته باعتباره شريانًا بيئيًا يربط الرياض من غربها إلى شرقها.

الشريان يحمل الحياة من مكان إلى آخر.

والمسار يفعل شيئًا قريبًا من ذلك يربط الأحياء، ويخلق وجهات جديدة، ويجمع الرياضة والفنون والترفيه والطبيعة والاستثمار، ويمنح السكان مساحات للحركة واللقاء، المدينة هنا تتحوّل إلى تجربة مفتوحة.

والإنسان لا يصبح مجرد مستخدم للطريق بل يصبح شريكًا في صناعة المشهد الحضري.

فجودة الحياة تتحوّل إلى أشجار ومساحات مفتوحة والصحة تتحوّل إلى مسارات للمشي والدراجات، كما أن الاستدامة تتحوّل إلى حركة أكثر اعتمادًا على المشي والاقتصاد يتحول إلى وجهات ومناطق استثمارية.

والسياحة تتحوّل إلى معالم وتجارب.

والرياضة تتحول من نشاط محدود إلى ثقافة مجتمعية، حتى العمارة تجد لنفسها مكانًا داخل الحكاية، عبر الكود العمراني الذي يستلهم مبادئ العمارة السلمانية ويجمع بين الأصالة والحداثة.

مسار يجيب عن سؤال حضري عميق.

كيف نجعل المدينة مكانًا يحب الإنسان أن يعيش فيه، لا مجرد مكان يضطر إلى العيش فيه؟ والجواب تقترحه الرياض يأتي أخضر، مفتوحًا، طويلًا، متحركًا.

يبدأ من وادي حنيفة ويمضي عبر قلب الرياض، ويتجه شرقًا نحو وادي السلي على امتداد الطريق، لا يحمل المسار الناس فقط إنه يحمل صورة مدينة جديدة.

مدينة تمشي، تركض، تركب الدراجة، ترى الفن تحت الشمس، تستعيد علاقتها بالخضرة.

مدينة تمنح الطفل ملعبًا، والرياضي مساره، والعائلة متنزهها، والمستثمر فرصته، والفنان فضاءه، والزائر تجربة مختلفة ليس مجرد مسار إنما هو مسافة من الحلم الحضري الذي يمشي على الأرض.

مبادرات تقدح بها قيادتنا الرشيدة عن وعي وبصيرة وسديد رأي، تمثّل درسًا للعالم كونها تصدر من المملكة، التي بمقياس المعطيات الجغرافية الأقل حظًّا من حيث أسباب استنبات الخضرة، وتوسيع دائرة الغطاء النباتي، فلا أنهار تجري، ولا أراضي صالحة للزراعة، ولا أمطار إلا نذرًا يسيرًا، إنّما هي صحراء في غالبها، ورغم ذلك، تنقدح بصيرة قيادتها، ويتسامق وعيها، وتتحدّى عزيمتها الصّعاب، لتحيل هذه الصحراء واحات، وتفتح للخضرة نافذة فيها، أكدها ولي العهد الأمين بقوله سنعمل لقيادة الحقبة الخضراء القادمة. تقدير لكل العاملين على هذا المسار والقائمين على أمره وبالتوفيق.

00:01 | 24-08-2026

تخيّل!

تاقف على طرف الهدب ما تلمحك عيني

عاتبت أكيد إن العتب ما كان يعنيني

سلم أبرّد السلام وهذا ترى كلّ الكلام

اللي بقى بينك وبيني تخيّل

اليوم مشتاق لسما للشمس والأرض البعيد

اشتقت للقلب الخلي وش هم لو تعتب عليّ

جيتك أنا بليلة ألم قلبي على كفي

همست لي روح يا غريب الشوق ما يكفي

سلم أبرّد السلام وهذا ترى كلّ الكلام

اللي بقى بينك وبيني تخيّل

جيتك أنا في ليلة شتا تهزني ريح الشمال

محتاج أنا لبسمة وشال محتاج لك

تركتني لبرد الطريق وأنا على بابك

أتذكر إنّك قلت لي بالله وش جابك

ودعتني قبل السلام وهذا ترى كلّ الكلام

اللي بقى بينك وبيني تخيّل

نص فخم للأمير البدر يحضر كهمسةٍ مشبعةٍ بالحنين، يسكب روحه على مهلٍ في كأس اللغة، فلا تُقرأ كلماته بقدر ما تُعاش وتُلامس.

تتجاوز كلماته حدود الخيال لتغدو حالةً وجدانية كاملة، يمتزج الألم بالجمال، ويتحوّل الحنين إلى فنٍّ خالصٍ يتقنه شاعر يعرف كيف يلامس أكثر المناطق هشاشةً في النفس الإنسانية.

«تخيّل» ليست مجرد كلمة، هي البوابة التي يدخل منها العاشق إلى هذا العالم الشفيف.

دعوة للاندماج، للانخراط في التجربة، للوقوف في المسافة نفسها التي يقف عليها العاشق، بين الذكرى والانكسار، بين الرجاء الذي يحتضر والصمت الذي يتمدّد.

«تخيّل» وحدها تختصر فلسفة النص، حيث يتحوّل التخيّل إلى واقعٍ أشد حضوراً من الحقيقة.

«تاقف على طرف الهدب ما تلمحك عيني»، افتتاحية تفيض بالدهشة، تقبض على لحظةٍ مستحيلة، حضورٌ يكاد يُرى ثم يتلاشى كطيفٍ عنيد.

صورة بصرية مدهشة تكشف براعة البدر في رسم مشهدٍ دقيقٍ، حيث يصبح الهدب مسرحاً للغياب، وتتحوّل الرؤية إلى حالةٍ من التوتر بين الإدراك والفقد.

هنا تتجلّى القدرة على تحويل التفاصيل الصغيرة إلى لوحات نابضة بالحياة.

يمضي النص في بناء مفارقاته الشعورية «عاتبت أكيد إن العتب ما كان يعنيني»، عبارة تختزن تناقضاً إنسانياً عميقاً، عتاب بلا رغبة، ولوم بلا قناعة، وكأنّ القلب يمارس طقوس الحنين رغم إدراكه لعجزها.

ازدواجية تمنح النص كثافة نفسية عالية، وتجعل المتلقي شريكاً في هذا الصراع الداخلي.

«سلم أبرّد السلام وهذا ترى كلّ الكلام»، هنا يبلغ الاقتصاد اللغوي ذروته، حيث يختزل بحراً من المشاعر.

السلام يتحوّل إلى محاولة يائسة لإخماد نار الشوق، والكلام يتقلّص حتى يكاد يختفي، وكأنّ الصمت صار أبلغ من كل تعبير، ثم تتسع دائرة الحنين «اليوم مشتاق لسما للشمس والأرض البعيد»، الاشتياق لم يعد موجّهاً لشخصٍ بعينه، بل صار حالة كونية. الحنين يتمدّد ليشمل الوجود كله، وكأنّ الفقد أعاد تشكيل علاقة الشاعر بالعالم.

«جيتك أنا بليلة ألم.. قلبي على كفي»، صورة درامية آسرة، يتجسّد فيها الاستسلام الكامل. القلب لم يعد شعوراً مجرداً، بل كياناً يُقدَّم بلا حماية. ثم تأتي الصدمة: «روح يا غريب.. الشوق ما يكفي»، انكسار حاد، يطفئ وهج الترقب، ويؤكد أن الشوق -رغم عظمته- عاجز عن إنقاذ ما انهار.

يصل النص إلى ذروة الوجع، «تركتني لبرد الطريق وأنا على بابك»، قسوة ظالم تختصر أقصى درجات الخذلان. القرب المكاني يقابله بُعد شعوري هائل، والباب يتحوّل إلى رمزٍ للخذلان، يأتي السؤال الجارح «بالله وش جابك؟»، سؤال يحمل دهشةً باردة، كأنّ الحضور ذاته صار عبئاً غير مرحّب به.

ما يمنح هذا النص فرادته أنّه لا يعتمد على التعقيد، بل على صدق التجربة ونقائها.

اللغة بسيطة، لكنها مشبعة بإحساسٍ عميق، يجعل كل كلمة تنبض بالحياة.

بساطة ليست عجزاً، بل ذروة النضج الفني؛ حيث يتمكّن الشاعر من قول الكثير بالقليل.

تتجلّى عبقرية البدر في قدرته على الإمساك بالتوازن الدقيق بين الهمس والانفجار، بين الحضور الذي يلوح والغياب الذي يهيمن.

نصٌّ يبرهن أن الشعر الحقيقي يُقاس بعمق أثره، لا بكثرة مفرداته.

«تخيّل» تتحوّل إلى تجربة شعورية متكاملة، يعيشها القارئ كما لو كانت جزءاً من ذاكرته الخاصة.

نصٌّ لا يُقرأ فقط، بل يُسكن، ويترك أثراً طويلاً لا يُمحى، كأنّه وشمٌ خفيّ على جدار القلب.. «تخيّل».

00:00 | 20-08-2026