أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/273.jpg?v=1763304641&w=220&q=100&f=webp

نجيب يماني

قلب حاضر وجسد غائب..!

كتبت غادة السمان إلى غسان كنفاني

أعلم أنك تفتقدني،

لكنّك لا تبحث عني،

وأنك تحبّني ولا تُخبرني،

وستظلّ كما أنت

صمتك يقتلني.

جاء ردّ غسان

لكنني متأكد من شيء واحد على الأقل،

هو قيمتك عندي.

كلّ ما بداخلي يندفع لكِ بشراهة،

لكن مظهري ثابت

فكتبت له غادة

لا يعنيني شعورك العظيم الذي تكنّه لي

إن كنتَ تتصرّف على عكسه تماماً.

قراءة سطور غادة وغسان تشبه الوقوف أمام مرآة صادقة لا تُجامل القلب، ولا تترك له فرصة الاختباء خلف الأعذار.

كلماتها ليست عتاباً عابراً، بل محاكمة أخلاقية لفكرة الحب الصامت، ذاك الذي يكتفي بالاشتعال الداخلي ويعجز عن أن يتحول إلى فعل، أو موقف، أو حتى إشارة تطمئن روحاً تنتظر.

غادة لا تشكّك في المشاعر، ولا تنكر عمقها، لكنها تضعها في ميزانٍ صارم، ميزان السلوك. الحب في تصورها، لا يُقاس بما يعتمل في الصدر، بل بما يصل إلى الطرف الآخر.

فما جدوى شعورٍ عظيم إن ظل حبيساً؟

وما قيمة حبّ لا يجرؤ على أن يُعلن نفسه، أو على الأقل يترجم ذاته إلى حضور، أو بحث، أو سؤال؟

اعترافها القاسي (صمتك يقتلني) ليس مبالغة عاطفية، بل توصيف دقيق للألم الذي يخلّفه الغياب المتعمّد.

الصمت، في العلاقات، ليس حياداً،

بل موقف من أقسى المواقف؛ لأنه يترك الطرف الآخر وحيداً مع تأويلاته،

وشكوكه، وأسئلته التي لا تجد جواباً.

الصمت هنا لا يعني العمق، بل العجز عن المواجهة، أو الخوف من دفع ثمن المشاعر.

غسان كنفاني، من جانبه، يكشف مأزقاً آخر مأزق الإنسان الذي يشعر بفيض داخلي، لكنه عاجز عن تحويله إلى حركة.

اعترافه بقيمتها، وباندفاع كل ما بداخله نحوها، يقابله ثبات المظهر.

ذلك الثبات ليس قوة، بل قيد.

كأن الداخل يركض، بينما الجسد مشدود إلى أرض التردد، وقيود الواقع، أو إلى خوفٍ من انكشاف الذات.

هنا تتجلى المفارقة المؤلمة.

شعور صادق، وسلوك مناقض. وهذه المسافة بين الداخل والخارج هي أكثر ما يُنهك العلاقات.

الإنسان لا يعيش داخل الآخر، ولا يسمع دقّات قلبه، ولا يرى نواياه.

الإنسان لا يملك سوى ما يُقدَّم له.

لذلك تصرّ غادة، بوضوح لا يعنيني شعورك العظيم إن كنت تتصرّف على عكسه تماماً. إنها لا تطلب المستحيل، بل تطلب الانسجام، تطلب أن يتصالح القلب مع الفعل.

في هذه الرسائل يتقاطع الحب مع الكرامة. غادة لا تساوم على الثانية باسم الأول.

هي تدرك أن قبول حبّ لا يُعبَّر عنه يعني قبول دور الضحية، انتظاراً بلا نهاية، وتعلّقاً لا يُكافأ. لذلك تأتي كلماتها حاسمة، ناضجة، خالية من التوسّل. إنها لا تقول أحبني أكثر، بل تقول كُن صادقاً مع ما تشعر به، أو اتركني بسلام.

حوار يختصر مأساة علاقات كثيرة.

أشخاص يحبّون بصدق، لكنهم يخشون الخطوة، يخافون الخسارة، أو يختبئون خلف الصمت بدعوى العمق.

في المقابل، قلوب أخرى لا تطلب إلا إشارة، تؤكد أن المشاعر ليست وهماً.

الحب، كما تراه غادة السمان، مسؤولية قبل أن يكون حالة وجدانية. هو شجاعة التعبير، وجرأة الانحياز، وصدق الظهور.

أما الحب الذي يكتفي بالاختباء داخل صاحبه، فيظل ناقصاً، مهما كان عظيماً، لأنه لا يحقّق الطمأنينة.

لا تنتصر هذه الرسائل لعاشقٍ على حساب آخر، بل تنتصر لفكرة واضحة

المشاعر التي لا تُعاش، ولا تُرى، ولا تُلمَس، تتحوّل إلى عبء.

والحب الحقيقي لا يقتل بالصمت، ولا يجرح بالتناقض، بل يضيء الطريق، ويمنح القلب سبباً كافياً ليبقى.

منذ 12 ساعة

الرياض وحوار الموسيقى

مع إطلالة كل مشروع تنموي جديد، لا تبدو المملكة العربية السعودية كما كانت قبل أعوام قليلة.

التحوّل الذي تشهده ليس تجميليًا ولا مرحليًا، بل انتقالٌ عميق في الفكرة والمعنى، والأسلوب.

رؤية شطبت من قاموسها مفردة المستحيل واستعادت حاضرنا المختطف، واستشرفت مستقبلنا الوضيء. وأزالت شوه الصحوة وسخامها وعزّزت مكانة المملكة وريادتها وعلو كعبها.

في الرياض كان مؤتمر الموسيقى العربية بمثابة إشارة لانطلاقة مرحلة جديدة في التفكير الموسيقي والإبداعي، يعزز مكانة السعودية كحاضنة رئيسية للفنون على مستوى العالم.

ليس مجرّد حدث ثقافي يعبر مثل نغمة عابرة في فضاء مزدحم بالمناسبات، بل بدا أشبه بعودة الروح إلى موطنها الأول، حيث تستعيد الذاكرة العربية ألقها وتنفض طبقات الغبار عن كنوزها الموسيقية، وتعود المقامات الشرقية إلى مكانها الطبيعي.

تجمعٌ لم يأتِ ليحتفل بما نعرفه، بل ليكشف ما نخشى أن نفقده.

فالموسيقى العربية، برقتها وعمقها ودلالها

لا تزال تعيش بيننا بصفتها فناً سماعياً، تُنقل شفاهياً وتُمارس بتقاليد متوارثة، لكنها لم تُجمع في مرجع واحد، ولم تُدوَّن بمنهج علمي يليق بتاريخها.

فكان المؤتمر يداً تمتدّ إلى الماضي بقدر ما يمضي إلى المستقبل، ليولد منهما صوتٌ واحد، واضح، مكتمل النَّفَس.

الإيقاع والموسيقى اللغة الأولى للوجود، كان الكون يتنفس بإيقاع قبل أن تُعرف الآلات، كان القلب يخفق كطبلة خفية تحفظ الحياة ونبضات الشرايين، حفيف الأشجار، خرير المياه، شقشقة الطيور، خطواتنا، خبيب الأبل، ووقع حوافر الخيل والدواب، كلها تشكّل أوركسترا بدائية تؤكد أن الموسيقى ليست اختراعاً بشرياً، بل مكتوبٌ في ناموس الخلق.

تطل الأديان على الوجود بموسيقاها الخاصة تراتيل تعلو، أجراس تنادي، وأناشيد ترتفع من صدور المؤمنين، تهيّئ الروح للسمو وتعيد ترتيب القلب على إيقاع جديد. حتى القرآن الكريم يُرتَّل، ولا يُقرأ فقط، فاللحن جزء من مقصده، والطبقة جزء من أثره.

تحدث مؤتمر الرياض عن الإيقاع والمقام بوصفهما أحد أعمق مفاتيح الإنسان لفهم العالم، سيتم فيه توثيق شامل للمقامات والإيقاعات والآلات العربية، بمشاركة كل العواصم العربية، وتركيا.

مشروع يطمح إلى حفظ النماذج الغنائية القديمة والحديثة، تدوينها، تحليلها، تسجيلها، وتحويلها إلى مكتبات رقمية، ومنصات تعليمية، وأرشيف سمعي بصري يليق بتاريخ يعبر آلاف السنين.

المؤتمر ورشة كونية تلتقي فيها الخبرة بالبحث، والذاكرة بالعلم، والقديم بالجديد.

وقف المستشار تركي آل الشيخ بصفته الراعي والداعم ليضع سقفاً زمنياً واضحاً، عامان فقط لتكتمل خريطة المقامات الشرقية صوتياً، ثم يمتد المشروع نحو إيران ليشمل المقامات المتقاربة مع الإرث العربي، لتصبح الخريطة كاملة.

من توصيات المؤتمر إنشاء أكاديمية عربية عليا للعلوم والفنون الموسيقية.

لتحقيق حلم المهتمين والعاشقين للموسيقى وتكون بيتاً كبيراً يجتمع فيه الباحثون والممارسون والمبدعون، ليعيدوا صياغة المناهج، ويدرسوا المقامات كما تُدرس الكيمياء، والفيزياء، ويحللوا الإيقاعات كما يُحلل الشعر، ويمنحوا الموسيقى العربية حضوراً أكاديمياً دولياً طال انتظاره.

أكاديمية، يجلس فيها الطالب العربي في قاعة تشبه معبداً صوتياً، يتعلم أن مقام الراست ليس مجرد سلم، بل بداية كونية، وأن الإيقاع الخفيف أو الثقيل ليس عدداً من النقرات، بل ذاكرة عميقة لجسدٍ عاش الفرح، رقص وتلوى وبكى وغنى واحتفل.

مؤتمر جمع لجاناً من كل دولة عربية، وضع اختلافاته جانباً وقرر أن يتحدث بلغة واحدة، لغة الموسيقى.

تداخلت المدارس والإرث والتقاليد، لتخرج بتوصيات توحي أن العرب قادرون على بناء مشروع بحثي متكامل، متين، طويل النفس.

قامت اللجان بمسوح ميدانية في شوارع المدن وقرى الأطراف، واستعادت أصوات المؤدين الشعبيين الذين يحملون الإرث كما يحمل السقاء ماءه.

في السعودية وحدها تم تسجيل 14 مقاماً حجازياً وأكثر من 160 إيقاعاً، جُمعت من أفواه الرجال والنساء الذين ورثوا هذه الأنغام ليتحول هذا التراث إلى ضوء فلن تظل الموسيقى العربية مرهونة بأسطوانات قديمة أو تسجيلات متفرقة.

دعا المؤتمر إلى إنشاء مكتبات إلكترونية مفتوحة، ومنصات تعليمية تفاعلية، وأرشيف موسيقي ضخم يضم التسجيلات التاريخية والوثائق النادرة، حتى لا تضيع أصوات الروّاد كما ضاع الكثير قبلاً.

المستشار آل الشيخ أكّد أن الهدف النهائي هو أن تصل نتائج هذا المشروع إلى كل معهد موسيقي في العالم، فالموسيقى العربية تمتلك نظاماً مقامياً من أكثر الأنظمة ثراءً وتعقيداً، وإذا ما دُوِّنَ هذا النظام بعلمٍ دقيق، فسيغدو مرجعاً دولياً كما هي الموسيقى الكلاسيكية الأوروبية اليوم.

مؤتمر الرياض لم يكن مناسبة للاحتفاء بالماضي، بل ورشة كبرى لإعادة تشكيل المستقبل.

مشروع يربط الإيقاع بالإنسان، والمقام بالهوية، والتاريخ بالتقنية، والروح بالعلم.

هدفه تعزيز مكانة الموسيقى العربية وجعلها جزءاً من المراجع الأكاديمية الدولية، ودليلاً على أهمية التكامل العربي في هذا المجال، مشروع يقول إن العرب قادرون على صناعة نهضة موسيقية جديدة، لا تُقلّد أحداً ولا تشبه سوى نفسها.

بدلاً من أن تكون الموسيقى مجرد طرب أو متعة أو فن جميل، تتحوّل إلى خريطة للهوية، ولغة ثانية للوجود، ومرآة لما نحمله في داخلنا منذ بدأ القلب أول نبضة له تحت ضوء الحياة.

00:07 | 12-01-2026

بدون الذاكرة.. يولد الحب أعمى ويشيخ المكان..!

يقول محمود درويش: «بدون الذاكرة لا توجد علاقة حقيقية مع المكان

أعانقُ فيك الذينَ أحبُّوا ولم يفصِحوا بعدُ عن حُبّهم أعانقُ فيكَ تفاصيلَ عمرٍ توقّفَ في لحظةٍ لا تشيخْ قوي هو الحب كالموت ! ولكن شهوتنا للحياة ولو خذلتنا أقوى. هُنَالكَ حُبٌّ فقيرٌ يُطيلُ التأَمُّلَ في العابرين، ويختار سأبقى أحبك راحلاً إليك، إن كان في الماء فلا أخشى الغرق وإن كان في اليابسة فلا أهاب سيوف الطريق. فبعضي لديّ وبعضي لديك.. وبعضي مُشتاق لبعضي.. فهلّا أتيت؟ سأعيد ترتيب المساء بما يليق بخيبتي وغيابها والقلب مهجور كبئر جف فيه الماء كم يكون الليل كئيباً حين تفتقد شيئاً تعودته. في آخر الأشياء ندرك أننا نحب لكي نحب وننكسر. أنت لست لي... ولكني أحبك.. ومازلت أحبك... وحنيني إليك يقتلني، وكرامتي تمنعني، وكل شيء يحول بيني وبينك».

نص قاسٍ، شذرات عاطفية متناثرة، بيان وجودي مكتوب بلغة القلب المتعب، يختبر فيه درويش معنى الذاكرة بوصفها الشرط الخفي لكل علاقة صادقة بالحب، وبالذات، وبالمكان، وبالزمان.

الذاكرة هنا ليست خزّان صور، بل روح ثانية تمنح الأشياء معناها، وتمنح الغياب وزنه، وتجعل الحضور امتحاناً أخلاقياً لا مجرد لحظة لذة.

درويش يبدأ من المكان؛ لأن المكان بلا ذاكرة يتحوّل إلى مساحة محايدة، أشبه بفندق عابر. لا يمكن للإنسان أن يحب أرضاً لا يتذكرها، ولا أن يسكن مدينة لم تجرحه أو تفرحه.

الذاكرة تصنع الألفة، والألفة وحدها تصنع الانتماء.

لذلك فإن فقدان الذاكرة ليس نسياناً بسيطاً، بل اقتلاع ناعم للعلاقة من جذورها.

ينقلنا درويش إلى الحب الذي لم يُفصح عنه أصحابه ذلك الحب المؤجل، المكبوت، الذي يظل يعيش في منطقة الظل.

هنا يصبح الحب فعل شجاعة قبل أن يكون عاطفة، ويغدو الصمت نوعاً من الهزيمة الجميلة.

تفاصيل العمر التي توقفت في لحظة لا تشيخ، تكشف فهماً عميقاً للزمن النفسي.

الزمن لا يقاس بالعقارب، بل بالندوب. لحظة واحدة قد تجمّد العمر كله، وقد يعيش الإنسان بقية حياته داخلها، يعيد ترتيب المساء، لا ليصلح الخيبة، بل ليمنحها كرامة شكلٍ يليق بها.

وعندما يستدعي المقولة القديمة: «قوي هو الحب كالموت»، لا يقبلها كما هي، بل يعارضها بشهوة الحياة.

الحياة عنده ليست نقيض الحب، بل طاقته الأعنف.

الحب قد يميت، أما الرغبة في الاستمرار فتقاوم حتى الخذلان.

هنا تتجلى فلسفة درويش لا بطولة في الموت، البطولة في النجاة مع القلب مثقوباً.

الحب الفقير الذي يطيل التأمل في العابرين ليس حباً معدماً، بل حب بلا امتيازات. لا يملك اليقين، ولا يملك الوعد، لكنه يملك الاختيار. اختيار المحبوب وسط الزحام فعل وعي، لا صدفة عاطفية.

كأنه يقول إن الفقر الحقيقي ليس قلة المشاعر، بل غياب القدرة على التمييز.

الرحيل إلى المحبوب، لا عنه، يكشف مفارقة جميلة المسافة قد تكون شكلاً من أشكال القرب.

الاستعداد للغرق أو لمواجهة سيوف الطريق ليس تهوراً، بل إيمان بأن الخوف لا يمنح النجاة.

الحب الذي يُقاس بسلامته حب هش، أما الحب الذي يقبل المخاطرة فيستحق اسمه.

الانقسام الداخلي بعضي لديّ وبعضي لديك، يلخص مأساة العاشق الناضج. لم يعد كاملاً، ولم يعد مستعداً لأن يكون نصفاً ذليلاً. الاشتياق إلى الذات الموزعة هو جوهر السؤال الأخير: (فهلّا أتيت؟)

ليس نداء استجداء، بل محاولة ترميم القلب المهجور كبئر جف ماؤه. الجفاف لا يعني عدم القدرة على العطاء، بل غياب من يستحق السقيا.

والليل الكئيب ليس بسبب الظلام، بل بسبب فقدان ما كان يمنح العتمة معناها

يصل درويش إلى ذروة التناقض الإنساني أحبك، لكنك لست لي، الحنين يقتل، والكرامة تمنع.

تلك ليست مأساة فردية، بل قانون غير مكتوب في العلاقات العميقة. أحياناً يكون النضج هو معرفة متى نتوقف، لا لأن الحب انتهى، بل لأن الإنسان لا يريد أن يخسر نفسه وهو يحاول إنقاذ شعوره.

نص درويش يعلّمنا أن الذاكرة ليست ترفاً، وأن الحب بلا ذاكرة عاطفة عابرة، وأن المكان بلا جرح لا يصبح وطناً، وأن الكرامة ليست عدو الحب، بل حدّه الأخير.

وبين القتل والمنع، يولد الإنسان أكثر وعياً وأشد وحدة.

00:01 | 8-01-2026

«الست».. حين يفضح الفيلم فقر الخيال لا تشويه التاريخ..!

من المهم التأكيد على أنّ العلاقة التي تَسِم عموم الجمهور بأيّ مبدعٍ في مجاله قائمة في الأصل على جودة ما يطرحه المبدع، ودرجات التلقّي لدى الجمهور على تفاوت أمزجتهم، ومعارفهم وثقافاتهم، وذوائقهم، وما يتصل بأدوات الاستقبال الإنسانية حيال الإبداع من أدب وموسيقى ورسم، وغيرها.

على هذه القاعدة تتأسّس العلاقة، وتبلغ ذروتها من الإعجاب والوله، ما بلغ المبدع الكمال أو قارب ذلك بموهبته، حينها يجلس على القلوب حبًّا، ويتوسّد الأفئدة هيامًا، ويعلو بينهم صيتًا وسمعة، وهو مقام قلَّ أن يحظى به مبدع من المبدعين، لاستحالة بلوغ مناط الرضا لدى الجميع، فإذا اتّسعت دائرة هذا الحب والإعجاب، وقاربت أن تمس حدود الشمول والإحاطة، فإنّ الخارج عن هذه الدائرة سيكون في حكم «الشّاذ» الذي فسد ذوقه، واضطربت حواسه، واعتلّت مُستقبِلاته، ومن بين كافة المبدعين والمبدعات، بلغت السيدة أم كلثوم بفنّها مقامًا أورثها إعجابًا عابرًا للقارات، نافذًا للقلوب، مدهشًا ما بلغت الدهشة مداها، عاقدة بصوتها وفنها آصرة العلاقة من مشرق العالم العربي إلى مغربه، صوتها علامة عصر بأكمله، فكانت بحقٍّ «كوكب الشرق»، الذي غنّى له بصدق، فلم تنكفِ في اختياراتها على شعراء وطنها، وإنما تفتقت عبقرية اختيارها فنظرت في فرائد الشعر العربي، وفطاحلة الشعراء العرب، فجاء اختيارها كفء الجمال، ونظير الجودة، وخصيص الإبداع، وكأنها قد جمعت الحسّ العربي في غنائها، وكأنها حين تصدح تمدّ حبالًا من جمال تركّ عليها عصافير الدهشة، فتجعلها مغنطيسًا يجذب إليها القلوب قبل الأسماع، صوتها عاصمة الأصوات ظاهرة فنية أثرت في وجدان الأمة،ولا زالت لقدرتها الفريدة على التعبير عن المشاعر الإنسانية العميقة.

الست أعطت الفن والغناء معنًى جديدًا، يتأرجح بين الذوق والالتزام بين الرزانة والإعجاب، تهتزّ له طربًا في وقار، وتنداح معه حتى لتكاد تبلغ مقام «التبذّل»، فتردك «رزانتها» فتعود تجلس في حضرتها جلوس من يرغب في الصياح فيرده الصمت، ومن يحتاج إلى القيام فيمسكه القعود، ومن يريد التعبير بجسده طربًا فيناديه الأدب أنْ اجلس.

هكذا لا لغة تعبّر عن الحالة عند سماعها تمام التعبير إلا مفردة «الدهشة» المفضية إلى «القشعريرة»، والفاتحة نوافذها نحو الألفة والحنين إلى ماضٍ تولّى، ولم يُبقِ لك غير الدموع على كل شيء.

بهذا عرفنا «الست»، وبهذا وسمنا علاقتنا بها منذ أن وعينا للفن معنًى في قلوبنا، فكنا على البعد منها جغرافيًا، بالقرب منها وجدانيًا،

بما يصلنا من إبداعها، على الرغم من زواجر «الصحوة» الغليظة، وحوائط منعها الأسمنتية فكرًا وموقفًا من الحياة،

من الطبيعي جدًّا أن تكون سيرة «الست» هدفًا مشروعًا للبحث والتنقيب، والذهاب إلى استجلاء منازع العبقرية فيها، ومساقي روضة فنّها المتجاوز لحجب الزمان، والصاعد على حوائط المكان،

وهو أمر مهم وضروري لما يكتسب من صفتي الوفاء لمن أبدعوا، بجانب التوثيق بفعل إبداعي موازٍ، يكاد يضعنا في الأجواء التي نما وترعرع فيها المبدع، والظروف التي رفعته مقامًا سنيًّا، والعقبات التي واجهها، وكافة الظروف الإنسانية، مما عرفه الناس أو خفى عنهم، ولهذا يكون للعمل الدرامي عن الشخصيات المبدعة دوره المنظور، وجهده المقدر.. سمعت الكثير من النقد عن فيلم الست.. قلت لنفسي حياتها الخاصة ملك لها.

حثيت الخطى نحو إحدى قاعات السينما في أرض بلادي لحضور فيلم «الست»، وضحكت في خاطري، فقد كانت مثل هذه الخطوات نزجرها خوفًا ورهبة نحو الأحواش لمشاهدة الأفلام، وإنها لنعمة من نعم «الرؤية»، أفاض الله على مُفجّرها الخير كله، والسؤدد والنجاح والتوفيق في مسيرته المكللة بالنجاح.

شاهدت الفيلم، ووجدت فيه عملًا متعوبًا عليه، قدّم إضاءات بارقة، وفتح نوافذ «إنسانية» في مسيرة «الست»

كانت دهشتي عظيمة وأنا أتابع «الهجوم» العنيف الذي تعرّض له الفيلم، والذي خرج بعضه عن حدود اللياقة والأدب بعبارات غير خليقة بمن يفترض فيهم أنهم نقّاد وفنانون لهم صيتهم وسمعتهم، وكأنهم قد وجدوا ضالتهم في «الست» فاستلّوا خناجر حقد دفين، واستندوا إلى «نظرية المؤامرة»، واستهدفوا المنتج بالتشنيع، والرمي بتهم «محاولات تشويه الرموز المصرية»، والعبث بالتاريخ، وما إلى ذلك من التهم الجزاف حيال ما قدمه الفيلم من نمط مغاير في الحبكة والتناول والطرح، والذهاب عميقًا في حياة «الست» بوجهة نظر إنسانية، ولو أنهم أحسنوا النظر لكان أمامهم أحد خيارين لا ثالث لهما؛ إما أن يقدموا المقابل التاريخي للأحداث وفق المسطور والموثق عندهم، وبيان المغالطات التي وقع فيها الفيلم تاريخيًا وجدّف بها تزويرًا وبهتانًا

بطرح أدبي وجمالي يتفق مع الذوق، وإما أن يجدوا فيما طرح قراءة جديدة لسيرة «الست»، قاربت بين حياتها الخاصة وعطائها العام، لتبرز عبقريتها، وبعدها الإنساني العميق، وهي تتعالى كل هذا التعالي على جراح كتمتها فما شعر بها أحد، وحرمان لم يأخذ من صوتها نغمة، ومعاناة كتّمتها وهي تقف شامخة على المسرح بكل كبرياء وإباء، وأن تؤدي دورها الذي عرفت به في الحياة من دعم للجيش، وشحذ للهمم، وتضميد للجراح..

فلو اتسع عندهم الأفق لرأوا ذلك رأي العين، ولخرجوا من بعد مشاهدة الفيلم كما خرجنا؛ بمزيد من الحب والتقدير والعرفان للست، ولكن ما زال في الناس الحسد، حتى وإن كانوا من عائلة ونيس، وأدهشوا الناس بلهمجي!

رحم الله كوكب الشرق فلا زالت حية في قلوب محبيها ولا زالت أغانيها ترياقا للمحبين والمحرومين.

00:00 | 5-01-2026

تعاسة الحب الأحادي..!

يقول تولستوي: «إن قيود الحب لا تختلف كثيراً عن قيود السجن، دون الحب العيش أسهل إلا أنه بلا معنى، لا بد أن يكون الحب متبادلاً، إن الحب من طرف واحد تعاسة، لقد أحببت جمالك منذ زمن، لكني بدأت للتو بحب الخالد والأزلي فيك قلبك، وروحك».

هذه الكلمات لا تُقرأ قراءة عابرة، بل تُستقبل كما تُستقبل الاعترافات الكبرى؛ بانتباه، وبقدر من الشجاعة؛ لأنها لا تُجامل العاطفة ولا تزيّنها، بل تكشف ثمنها الحقيقي.

تولستوي لا يتحدث عن الحب بوصفه نشوة رومانسية أو وعداً دائماً بالسعادة، بل يضعه منذ السطر الأول في مواجهة الحرية.

القيد هنا ليس استعارة عابرة، بل توصيف دقيق لحالة الإنسان الذي يهب ذاته.

الحب، في جوهره، تنازل طوعي عن جزء من السيادة الداخلية.

المحب لا يعود حراً كما كان، لأنه صار معنياً بغيره، مسؤولاً عن أثره، محكوماً بضعفه تجاه من أحب.

وهذا ما يجعل الحب شبيهاً بالسجن، لا لأن فيه قهراً، بل لأن فيه التزاماً لا فكاك منه.

ومع ذلك، لا يُدين تولستوي هذا القيد، بل يعترف بضرورته.

العيش دون حب أسهل، لكنه عيش بلا وزن، بلا حرارة، بلا ضرورة داخلية.

السهولة هنا ليست فضيلة، بل علامة فراغ.

الإنسان يستطيع أن يتحرك، أن ينجح، وأن يستمر، لكن بلا حب يتحوّل الوجود إلى سلسلة من الوظائف لا إلى تجربة ذات معنى.

كأن تولستوي يقول إن المعنى لا يُمنح مجاناً، بل يُنتزع من صعوبة الارتباط.

ثم ينتقل إلى شرط العدالة العاطفية وهوالتبادل.

الحب من طرف واحد تعاسة، لا لأنه أقل إخلاصاً، بل لأنه اختلال.

الحب الذي لا يجد صداه يتحوّل إلى استنزاف، إلى انتظار طويل بلا جواب، إلى حوار داخلي لا يسمعه أحد.

هنا يبدو تولستوي صارماً، وكأنه يرفض تمجيد التضحية العمياء. فالحب، كي يكون حياة، يحتاج أن يُرى، أن يُعترف به، أن يعود ولو بقدر ما.

التحوّل الأعمق يظهر في الجملة الأخيرة. الانتقال من حب الجمال إلى الحب الخالد والأزلي ليس مجرد نضج عاطفي، بل ارتقاء في الرؤية.

الجمال يُحب لأنه ظاهر، لأنه يلمع، لأنه يُثير الإعجاب.

أما القلب والروح فيُحبان لأنهما باقِيان، لأنهما يتجاوزان الزمن، ولأنهما يحملان الحقيقة العارية للإنسان.

تولستوي يلمّح إلى أن الحب الحقيقي يبدأ متأخراً، بعد أن تسقط الزينة، وبعد أن يتعب البصر من المظاهر.

هذه الرؤية لا تفصل الحب عن الألم، ولا تعزله عن الخسارة، لكنها تمنحه كرامته الفلسفية.

الحب ليس وعداً بالسعادة، بل طريقاً إلى المعنى. ليس احتفالاً دائماً، بل اختباراً أخلاقياً للقدرة على الالتزام، على الصبر، على الاعتراف بالآخر كقيمة لا كامتلاك.

ومن هنا تبدو قيود الحب مختلفة عن كل القيود الأخرى.

السجن يُفرض من الخارج، أما الحب فيُختار من الداخل. السجن يُلغي الذات، أما الحب فيعيد تشكيلها.

السجن يهدف إلى الإخضاع، أما الحب فيقود إلى الانكشاف.

ولهذا، رغم التشابه الظاهري، يبقى الفرق شاسعاً قيد الحب يمنح الإنسان سبباً ليحتمل، بينما قيد السجن يسلبه السبب.

تولستوي، بخبرته الإنسانية العميقة، لا يدعونا إلى الهروب من الحب خوفاً من ألمه، ولا إلى الارتماء فيه دون وعي، بل إلى فهمه كما هو تجربة كاملة، بثقلها وجمالها، بقيودها ومعناها.

تجربة لا تليق بالسطحيين، ولا تصبر عليها الأرواح الكسولة، لكنها وحدها القادرة على أن تجعل الحياة أكثر من مجرد عبور.

يا سعده اللى عرف مرة حنان الحب وقساوته، ويا قلبه اللي طول عمره ما داق الحب وحلاوته تشوفه يضحك وفى قلبه الأنين والنوح عايش بلا روح وحيد والحب هو الروح.

00:05 | 1-01-2026

يا جميل الذيابي.. هل مات الحبر أم قتلناه..؟

شاهدتُ حلقة البودكاست للأستاذ المخضرم والمثقف جميل الذيابي، حاوره الأستاذ عبدالله عبيان، حوار أثار سؤالاً يتجاوز الأشخاص إلى جوهر المهنة ومعنى الصحافة ودورها الإنساني.

يقول إنه «يودّ الانعتاق من استخدام الحبر، فهو ليس بعاشق له، وليس مفتوناً به»، هنا يصبح الدفاع عن الحبر موقفاً ثقافياً، لا ترفاً رومانسياً.

ما قيل عن الرغبة في الانعتاق من الحبر لا يقف عند حدود تفضيل وسيلة على أخرى، بل يفتح سؤالاً أعمق عن معنى الصحافة ذاتها، وعن دورها الإنساني قبل التقني.

مؤكّداً أن كفوفه لا تزال تحمل أثر الحبر ومسكة القلم؛ فالأستاذ الذيابي نشأ وترعرع واشتدّ عوده بين حبر الصحافة وضجيج المطابع وحبرها يسيل على خدود الورق.

يا جميل الذيابي، ليس كلُّ تغييرٍ تقدّماً، ولا كلُّ انعتاقٍ خلاصاً. فرغبتك بالانعتاق من الحبر لمواكبة طوفان التغيير، وإن بدت منسجمة مع مزاج العصر، تفتح باباً خطيراً لا على الصحافة وحدها، بل على معنى الثقافة ذاتها.

فالحبر، الذي جرى تصويره بوصفه عبئاً، ليس مادةً جامدة تُستبدل، بل ذاكرةٌ حيّة، وجسرُ إحساس، وشهادةُ زمنٍ لم تكن فيه الكلمة سلعةً عابرة تُمرَّر بإصبعٍ بارد على شاشة بلورية.

الصحافة الورقية لم تكن يوماً مجرد وسيط تقني كانت طقساً اجتماعياً، ومشهداً يومياً، ومختبراً للوعي. بها تشكّلت أجيال، وتربّت أذواق، وتكوّن حسّ نقدي لا يُختصر في إشعارٍ عاجل أو عنوانٍ صادم.

الورق علّم القارئ التمهّل والتأمّل، والقراءة بوصفها علاقة لا استهلاكاً.

والحبر، بما يحمله من أثر ورائحة، كان شاهداً على صدق التجربة، وعلى عرق المحرّر، وعلى توتّر المطبعة، وعلى صراع العناوين.

القول باختفاء الحبر لا يختزل المستقبل، بل يسطّحه. يفترض أن التقنية قدرٌ أحاديّ الاتجاه، وأن الإنسان كائنٌ بلا حنين، وبلا حاجة إلى اللمس، وبلا ذاكرة حسّية. وهذا افتراض يتناقض مع طبيعة البشر.

فكلما تسارعت الشاشات ازداد التعب، وكلما تكاثرت المنصّات تعاظم الضجيج. عند نقطةٍ ما سيبحث الإنسان عن الصمت، عن الثقل، عن الشيء الذي يُمسَك لا الذي يلمع.

سيبحث عن الصحيفة كما يبحث عن ملجأ، وعن الكتاب كمن يُمسك بيد محبوبته وسط الزحام.

صحافة التقنية، باردة؛ تنقل الخبر بسرعة، تنزع عنه الدفء وصدق التفاعل، تُراكم المعلومات، لكنها تُفرغ المعنى لا رائحة لها، ولا ذاكرة، ولا صباح.

لا تعرف طقوس القهوة، ولا ارتعاشة الورق في شتاءٍ مبكّر؛ فهي بلا روح. والروح، في النهاية، ليست ترفاً.

الورقية ذاكرة الإنسان وإحساسه، هنا جريدته في الركن مهملة، هنا كتابٌ معاً كنّا قد قرأناه، الورقية تشعرك بأنك تشارك العالم لحظةً متأنّية لا تُقاطعها الإعلانات والترويج للمنتجات يضيع منك الإحساس والتركيز، الدفاع عن الصحافة الورقية ليس رفضاً للتقنية، بل رفضٌ لإلغاء الإنسان باسمها. المستقبل، الذي يُصوَّر وكأنه شاشةٌ بلا نهاية، سيكتشف حدوده.

سيكتشف أن اللمس ضرورة، وأن البطء فضيلة، وأن الرائحة ذاكرة. وعندها سيجد نفسه مضطراً إلى إعادة الحياة للصحيفة الورقية، وللكتاب، وللحبر لا بوصفها بدائل، بل بوصفها مكملات تحفظ التوازن في عالمٍ أفرط في السرعة.

الحبر لا ينافس التقنية، بل يذكّرها بحدودها. والورق لا يعادي المستقبل، بل يمنحه جذوراً. ومن دون جذور، لا شجرة تصمد أمام العاصفة. هذا ليس حنيناً رومانسياً، بل منطق إنساني محض.

ما يُلامَس يبقى، وما يُشمّ يُحفَظ، وما يُقرأ بتأنٍّ يُغيّر. أمّا ما يُمرَّر سريعاً، فيمرّ معه كل شيء.

إن الحديث عن اختفاء الحبر ليس نبوءة، بل استعجال. والتاريخ علّمنا أن ما يُعلَن موته غالباً يعود في اللحظة التي يشتدّ فيها العطش إلى المعنى.

يومها ستعود الصحيفة الورقية لا بوصفها أثراً قديماً، بل فعل مقاومة، وبياناً صامتاً يقول إن الإنسان لم يُخلق ليعيش بارداً، وإنما ليبقى مشحوناً بالدفء والمشاعر والتفاعل بحواسه كاملة.

الحبر والورق ليسا أوراقاً تُطوى، بل ذاكرة أجيال حفرت طريقها بصبر، وصنعت فجر الكلمة، وشيّدت نافذة الخبر، ووسّعت أفق الرأي والفكر. إنقاذها ليس ترفاً ثقافياً، بل واجب وطني.

آه يا جميل الذيابي!

ليتك لم تقل عن صحافة الحبر ما قاله مالك عن الخمر، ليتها أتت من غيرك لعلمي بوفائك مع كل شيء في حياتك وعلى رأس القائمة وفاؤك لأساتذتك وزملاء الحرف والحبر والورق؛ لأنك تعرف أكثر من غيرك أن الحبر لم يكن يوماً عادة عابرة، بل عهد مهني ومسؤولية أخلاقية، وأن الصحافة التي خرجت من رحم المطابع لم تصنع أسماء فقط، بل صنعت ضمائر.

وأن من تربّى على رائحة الورق يعرف أن الكلمة حين تُكتب بالحبر لا تُستبدل، بل تُحمَل.

الوفاء الحقيقي لا يقف عند الأشخاص، بل يمتد إلى الوسائل التي صنعت المعنى، وحفظت الذاكرة، وربّت الوعي.

الدفاع عن الحبر ليس دفاعاً عن الماضي، بل عن جوهر المهنة، وعن إنسانيتها، وعن تلك الشعلة الأولى التي إن انطفأت خسرنا أكثر مما نتصور، وخسرنا الصحافة كما عرفناها، وكما أحببناها، وكما أردناها أن تبقى.

00:01 | 29-12-2025

عشق بلا امتلاك..!

سَأَقنَعُ مِنكِ بِلَحظِ البَصَر

وَأَرضى بِتَسليمِكِ المُختَصَر

وَلا أَتَخَطّى التِماسَ المُنى

وَلا أَتَعَدّى اِختِلاسَ النَظَر

أَصونُكِ مِن لَحَظاتِ الظُنونِ

وَأُعليكِ عَن خَطَراتِ الفِكَر

وَأَحذَرُ مِن لَحَظاتِ الرَقيبِ

وَقَد يُستَدامُ الهَوى بِالحَذَر

أبيات ابن زيدون هذه ليست غزلًا تقليديًا يُقال لاسترضاء العاطفة، بل ميثاق أخلاقي يكتبه العاشق مع نفسه قبل أن يكتبه لمن أحب

نصٌّ يشي بأن الحب، في أرقى تجلياته، ليس اندفاعًا أعمى، وإنما وعيٌ دقيق بحدود الروح والجسد، وتهذيبٌ للشهوة حتى تصير نظرًا، وهمسًا، وإيماءة مكتملة المعنى.

يبدأ ابن زيدون بإعلان قناعةٍ تبدو للوهلة الأولى خسارة، لكنها في عمقها اختيار سيادي

(سأقنع منك بلحظ البصر)

اللحظ هنا ليس مجرد نظرٍ عابر، بل لحظة امتلاء مكتفية بذاتها.

كأنه يقول إن العين، إذا صدقت، تُغني عن اليد، وإن الرؤية المشبعة بالحب أوسع من كل امتلاك.

هذه القناعة لا تصدر عن عجز، بل عن سموّ؛ فالمحروم لا يتحدث عن القناعة، بينما العارف يختارها.

ويتابع (وأرضى بتسليمك المختصر)

التسليم المختصر إشارة فائقة الذكاء؛ إنه السلام الذي يمرّ محمّلًا بما لا يُقال. المصافحة هنا لغة، والاختصار بلاغة، لأن الإطالة قد تفضح ما يُراد ستره.

الحب الناضج لا يثرثر، بل يلمح، ويترك للفراغ أن يتكلم.

ثم يضع ابن زيدون حدودًا صارمة لرغبته (ولا أتخطّى التماس المنى / ولا أتعدّى اختلاس النظر)

الالتماس أضعف من الطلب، والاختلاس أخفّ من الجهر.

الشاعر يتحرك داخل المنطقة الرمادية التي لا تُدين ولا تُنتهك، حيث الرغبة تُمسك بزمامها ولا تُترك سائبة.

هنا يتحول العشق إلى تمرين أخلاقي، لا إلى فوضى شعورية.

ويتجلّى البعد الإنساني العميق في قوله (أصونك من لحظات الظنون / وأعليك عن خطرات الفكر)

الصون ليس حماية جسدية، بل حماية للمعنى.

ابن زيدون لا يخشى الفعل بقدر ما يخشى التأويل، ولا يحذر الخطوة بقدر ما يحذر الفكرة التي قد تسيء.

يرفع المحبوبة إلى مقامٍ لا تبلغه الشكوك ولا تطاله التخرصات، وكأن الحب الحقيقي يبدأ بحراسة صورة الآخر من التشويه ثم يبلغ النص ذروة نضجه

(وأحذر من لحظات الرقيب / وقد يستدام الهوى بالحذر)

الرقيب هنا ليس شخصًا بعينه، بل كل ما يهدد صفاء الحب المجتمع، الزمن، اللسان، والذات نفسها.

والحذر ليس نقيض العشق، بل شرط بقائه.

فكرة بالغة الحداثة تقول إن الحب الذي لا يعرف الحذر يستهلك نفسه سريعًا، أما الحب المتأنّي فيملك فرصة الاستدامة.

ما يقدّمه ابن زيدون في أبياته مدرسة كاملة للحب العفيف الواعي

حبٌّ لا يُقاس بما يُؤخذ، بل بما يُضبط. حبٌّ يكتفي بالقليل لأنه يرى في القليل كفاية الروح.

عشق لا يطلب الإثبات الصاخب، بل يطمئن إلى يقينه الداخلي.

الألفاظ مختارة، ناعمة، إيقاع الكلمات هادئ، كأن القصيدة تمشي على أطراف أصابعها خشية أن توقظ ما ينبغي أن يظل نائمًا.

حتى الفعل الشعري يتحوّل إلى سلوك أخلاقي.

هذه الأبيات تذكّرنا بأن الحب ليس امتحانًا للجرأة، بل امتحان للنبل.

وأن أقسى أشكال العشق ليست تلك التي تجرّ صاحبها إلى الحافة،

بل التي تعلّمه الوقوف قبلها بخطوة، مكتفيًا بالنظر، مطمئنًا إلى أن بعض المسافات لا تُختصر، لأنها جزء من جمال الطريق نفسه،

وسَأَقنَعُ مِنكِ بِلَحظِ البَصَر حتى أرد على حوضك في لحظة يغفل فيها عنا البشر.

00:02 | 25-12-2025

درس في سبورة النمل !

قضت حكمة الله في خلقه على الإنسان أزلاً أن يحمل «الأمانة»، بعد عرضها على السماوات والأرض والجبال، وغيرها من المخلوقات فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً.

حكم الله وهو تكليف معونته «العقل» وهو مناط التكليف بوصفه الأداة المائزة، والموجهة، المُعوّل عليه في اتخاذ ما يرضي الله بالاتباع، وتجنّب ما يسخط الله بالمخالفة، فظلت سائر المخلوقات خلواً من هذا العقل، منقادة بحكمة القضاء الإلهي لأداء وظائفها بسلطان الغريزة، راسمة صوراً شتى من سلوكيات وتصرفات وأفعال هي في مجملها دروس وعبر تعين الإنسان، صاحب العقل، للنظر والتأمل لإدراك حكمة الخالق، متى ما أحسن القراءة، واستوعب الدرس، وفهم الرسالة، بمقتضيات التوجيه الرباني المسطور في الكثير من الآيات، الحاضة على النظر والتأمل والتفكير.

فلنتدبر إلى ما ورد في صحيفة «الشرق الأوسط» من خبر مفاده أنّ النمل المريض في مستعمرته يُطلق رائحةً معيّنة تستدعي النمل العامل للقضاء عليه طوعاً وفداءً، من أجل حماية المستعمرة من العدوى، في سلوك يُعدّ تضحيةً ذاتيةً لافتة، تتجلّى فيه معجزةٌ حيّة تكشف مستوى مذهلاً من التنظيم والكفاءة، وهو درس يتوجّب على «صاحب العقل» أن يقرأه بروية لما ينطوي عليه من رسائل عديدة، يتقاطع فيها الإيثار، مع التضحية، وتغليب مصلحة الجميع على مصلحة الفرد، وحكمة احترام السلوك الجمعي ولو كان في ذلك الموت الزؤام.. والمثير أنّ النملة لا تطلق هذه الإشارة إلا بوجود العاملات حولها، ما يعني أنّ الإشارة ليست مجرّد نتيجةٍ للمرض، بل فعلٌ واعٍ على مستوى الغريزة التطوّرية. موقفٌ يشي بقدرة النمل على تغيير سلوكه تبعاً للسياق، كأنّ المستعمرة تمتلك عقلاً واحداً موزّعاً على آلاف الأجساد..

لكن واقع الحال يكشف لنا صوراً مغايرة كل المغايرة عند الإنسان لهذا الدرس البليغ الذي دوّنه النمل في سبورة الانتباه؛ سرّح عينيك إن شئت في كافة التجمعات البشرية، حيث تقتضي الظروف التقاءهم عفو الخاطر أو بمقتضى الحاجة والخدمة، وضرورات الحياة، فلا تجد أدنى تحرّج من الإتيان بتصرفات فيها إضرار بالغ بالجميع، ومضايقة واضحة لهم، وفيهم من يحمل معديات الأمراض من إنفلونزا وزكام والتهاب في الجيوب الأنفية وكحة ومتحّورات كورونا تسبّبها كائنات دقيقة فينقلونها لغيرهم عبر العطاس بلا تحرّج، والسعال دون كوابح، واللمس المباشر بالقُبل والأحضان والالتصاق، وكل السلوكيات التي تحرج العقل، وتعطّل عمله المفروض.

ولم يملك الواحد منهم أدنى درجات حكمة النمل باعتزال الناس حتى لا يعديهم؛ ناهيك أن يبلغ به الفداء وتصعد به التضحية إلى الإيعاز بقتله؛ صوناً لحياة الناس، أو على الأقل طلب «عزله»، ليأمن الناس من بوائق مرضه وسلوكه، وعوضاً عن ذلك يلوم من يعاتبه على مسلكه، ويجافي من يعتزله ويستعصم عنه!

يصرون بجهل غريب للذهاب إلى دور العبادة وأماكن أعمالهم ومتاجرهم ومناسباتهم الاجتماعية محملين بأمراضهم، يقبّلون هذا ويحضنون ذاك، يوزّعون رذاذ عطاسهم الحامل للعدوى والمرض على أكبر مساحة من حولهم، دون وعيٍ أو إدراكٍ على الأقل بضرورة تغطية أنوفهم بمناديل ورقية تحمي الآخرين من العدوى، يمسحون بقايا سوائلهم المعدية بكفوف أيديهم التي يمدّونها لكلّ قادم للسلام بالقُبَل والأحضان والعناق الحار، بل إنّ بعضهم وهو بكامل مرضه وتعبه يذهب متحاملاً على وجعه إلى المسجد ناقلاً ما به من مرض إلى الآخرين، رغم التوجيه النّبوي «لا ضر ولا ضرار».

انظر إليهم وهم يدخنون في الأماكن العامة والخاصة، دون أدنى مراعاة لحق الآخرين في تنفّس هواء نقي، والاستمتاع بجو رائق.. طالعهم وهم يلوثون البيئة بفضلاتهم ومخلفاتهم الآدمية.. راقبهم وهم يتعاملون مع المرافق العامة بسلوك يجافي العقل وينسف المنطق، وكأن الواحد منهم غير مهتم بنفع الآخرين، وأنه لن يعاود الانتفاع بها والحاجة إليها مجدّداً

هناك الكثير الكثير، ولكن يكفيك من القلادة ما أحاط بالعنق، والأدب ما يروي الشاهد والمثل.

إن السلوك «الآدمي» الذي نشاهده اليوم يكاد يلغي ميزة العقل تماماً، والأدهى أن البعض يصف كل هذه التصرفات غير العاقلة بردها إلى «الحيوانية»، وهذا والله تجنٍ كبير على الحيوان، وسائر المخلوقات، فلو تبع بعض الناس «غريزة» الحيوان في بعض الأمور، لكان أوفق من تصرفات لهم جاوزوا فيها الصواب وهم أصحاب عقل، وانحطوا بها درجات دون مستوى «الغريزة».. وما درس النمل هذا إلا مثال جلي. إنها مستعمرةٌ صغيرةٌ تذكّر البشر أنّ البقاء لا يأتي من القوّة فقط، بل من الانسجام، والالتزام، والوعي بأنّ الفرد ليس أعظم من الجماعة. هكذا يعلّمنا النمل أنّ الكمال ممكن، وأنّ الإبداع الإلهي يتجلّى حتى في أصغر المخلوقات؛ تلك التي نمشي فوقها دون أن ندرك أنّ تحت أقدامنا أمّةً كاملة... تعمل بوحيٍ دقيقٍ لا يخطئ.. فليتنا نتعلم ونحس بعظمة غيرنا من مخلوقات الله، النمل بسلوكياته في الفداء، والغراب بستر موتانا حين عجزنا عن إخفاء قبح ما اقترفه الانسان.

00:03 | 22-12-2025

من الطين إلى النشور.. رحلة «خوجة» في مرآة الخلق والخلود

بين مطلعٍ يفيض بالدهشة، ومنتهى يقطر خشوعاً، يقف الشاعر عبدالعزيز خوجة في قصيدته «بين طيني ونزولي» على تخومٍ فاصلة بين الأرض والسماء، بين الضعف الإنساني والتوق الإلهي، في حوارٍ داخليّ يمزج الفلسفة بالشجن، والاعتراف بالتأمل، والنهاية بالبداية.

القصيدة تُفصح عن معمارها الرمزي «الطين» أصل الخلق، و(النزول) هو الوعي بالخطيئة، أو الانحدار من مقام الصفاء إلى امتحان الأرض.

وهي بذلك تستحضر قصة الإنسان في نشأته الأولى، حيث يقول الشاعر في بيتٍ يقطر صدقاً وجودياً إنه يقف بين ما كان وما سيكون، بين خَلقٍ من تراب وحنينٍ إلى نورٍ سماويّ.

في قوله كما يلمح أحد النقاد اعترافاً بأن الإنسان كائنٌ مأزوم بالمسافة بين أصلٍ أرضيّ ومصيرٍ سماويّ، فهو «ابن الطين» الذي لا يكفّ عن النظر إلى الأعلى.

ومن هنا تنبع فلسفة القصيدة تلك الثنائية الأزلية بين الجاذبية الأرضية والحنين إلى الخلاص.

يقول الدكتور خوجة في إحدى شذرات القصيدة:

«بينَ طيني ونُزولي وجنونِ الكبرياءِ...

ضاعَ منّي صِدقُ ذاتي، وارتوى قلبي عَناءِ»

هذا البيت وحده يفتح بوابةً على بحرٍ من التأملات، فالطين هنا ليس مجرد مادة، بل ذاكرة الخلق؛ والنزول ليس سقوطاً، بل تجربة وعيٍ يتفكّر فيها الإنسان كيف تحوّل من نفحةٍ علوية إلى جسدٍ مُثقل بالشهوة والندم. أما جنون الكبرياء فهو الذنب الذي يُعيدنا إلى لحظة السقوط الأولى، حيث بدأ الصراع بين العقل والرغبة، وبين الطاعة والتجربة.

القصيدة تُشبه مناجاة وجودية لا تعترف بالزمن، حين يقول الشاعر الخوجة في موضعٍ آخر إنه «ما زال يبحث عن وجهه بين مرايا الخلق»، كأنه لا يزال في مرحلة التكوّن.

هذه الصورة تُجسّد مأزق الإنسان الذي يرى نفسه مخلوقاً ناقصاً، لكنه مع ذلك مأمورٌ بالسير نحو الكمال.

من الناحية الفنية، يزاوج خوجة بين الإيقاع المتهادي والصورة المشبعة بالرمز. لغته أنيقة لا تكتفي بالوصف، بل تتغلغل في المعنى حتى تُلامس الجوهر. فهو حين يذكر «النزول»، يُحيله إلى دلالة روحية لا إلى فعلٍ مادّيّ؛ وحين يتحدث عن «الطين»، يُعيده إلى الذاكرة الأولى التي انبثق منها الإنسان ليخوض رحلة الوعي والامتحان.

أما من جهة البنية، فإن القصيدة تتحرك بحركةٍ لولبية، تبدأ من سؤال الخلق وتنتهي بإشراقة التوبة.

وكأنها تسير وفق قانون كونيّ من الطين إلى النور، من السقوط إلى القيام، من الذنب إلى الصفح. وهذا ما يمنحها طابعاً روحانياً لا يخلو من الفلسفة.

ورغم كثافة البعد التأملي فيها، لا تخلو القصيدة من لمسةٍ عاطفيةٍ خوجويةٍ مألوفة، تلك التي تُشبه التنهيدة التي تخرج من قلبٍ يرى الجمال في الانكسار. فكل بيت فيها يشي بأن الإنسان مهما علت مقاماته يظلُّ أسيرَ أصلِه، محكوماً بضعفه، مفتوناً بقدرته على النهوض.

يقول الشاعر في ختام القصيدة:

غيرَ أنّي ما نسيتُ الطينَ فيّ...

كلّما رُمتُ السماءَ أعادَني خَجلي إليّ

هذا الختام يمنح النصّ بُعده الجوهري: فالتجربة الإنسانية ليست في الصعود وحده، بل في إدراك ثِقل الأرض التي نحملها معنا. إنّه وعيُ التناقض الذي يصنع الشاعر الحقّ، حيث لا خلاصَ إلا بالاعتراف، ولا سموَّ إلا بالتواضع.

الشعر بوصفه مرآة الوعي بهذا المعنى، لا تُقرأ بين طيني ونزولي كقصيدةٍ وجدانية فحسب، بل كوثيقةٍ فكريةٍ عن الإنسان في صراعه الأزلي بين مادّته وروحه.

إنها استعادةٌ لشجن الخلق الأول، واعترافٌ بأن السقوط لم يكن نهاية، بل بداية الوعي.

عبدالعزيز خوجة في هذه القصيدة لا يكتب شعراً فحسب، بل يعيد طرح السؤال القديم الجديد: من نحن بين الطين والنشور؟ بين الأرض والسماء؟ بين الخطيئة والرحمة؟ وهو بذلك يوقظ فينا الحسّ الإنساني العميق بأن كلّ رحلةٍ نحو الله تبدأ من معرفة الطين الذي فينا.

00:02 | 18-12-2025

حين تُعلّق أستراليا الجرس !

على قصر المدة الزمنية بين إعلان أستراليا عزمها على حظر دخول الأطفال دون سن السادسة عشرة، لمنصات التواصل الاجتماعي، وإقرار ذلك بتشريع جديد، ودخوله التنفيذ في خواتيم الأسبوع الماضي، إلا أنّ حجم التفاعل كان كبيراً جدّاً، وواسع الانتشار، كونه الحظر الأول من نوعه عالمياً، ولما انطوى عليه من «جرأة» تكاد تمسّ مبدأ «الحرية المقدّس» في المجتمعات الغربية، واستعلائها دوماً بفكرة رفض الوصاية بأيّ شكل من الأشكال، وتعظيم حرية الاختيار؛ انصياعاً للعبة الديمقراطية والليبرالية، قديمها وجديدها، ليبرز هذا التشريع قافزاً فوق هذه الثوابت، تعبيراً عن قلق حقيقي، و«أزمة» ماثلة، وخطر داهم يتهدّد مستقبل الأجيال في أستراليا، بما حرّك مستشعراتها نحو إقرار هذا التشريع، في محاولة لوقف تداعيات هذا الخطر، وإدراك ما يمكن إدراكه، في ضوء أبحاث ودراسات كثيرة نبّهت على عظيم أثر منصات التواصل الاجتماعي على المراهقين واليفّع، ولعلّ أبرزها الدراسة الحديثة التي قامت بها مؤسسة «ديمِنشيا أستراليا» بمشاركة خبراء مختصين، وخلصت إلى الربط بين الإفراط في استخدام الهواتف الذكية وتراجع صحة الدماغ لدى المراهقين والشباب، حيث ذهب المشرف على الدراسة، أخصائي علم الأعصاب البروفيسور مارك ويليامز، إلى القول بأن «نتائج الدراسة بيّنت وجود تغيّر ملحوظ في قدرات الذاكرة والانتباه لدى مستخدمي الأجهزة الإلكترونية لفترات طويلة، مؤكداً أن الاعتماد المستمر على شاشات الهواتف الذكية يقلّل من القدرة على معالجة المعلومات، ويزيد فرص نسيان المهام، ويؤثر في الذاكرة» الأمر الذي وجد فيه رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي، الحجة المنطقية، والسند العلمي، لدعم التشريع، معضداً موقفه في رسالة مصورة، أوضح من خلالها أن «الهدف من الحظر هو دعم الشباب الأسترالي وتخفيف الضغط الذي يمكن أن يتعرّض له من البث والخوارزميات التي لا نهاية لها».

وذهب إلى أبعد من ذلك بالقول: «هذا هو اليوم الذي تستعيد فيه العائلات الأسترالية زمام الأمور من شركات التكنولوجيا العملاقة، إنهم يؤكدون حقّ الأطفال في عيش طفولتهم، وحقّ الآباء في الشّعور براحة البال».

على أن هذا «الفرح الرسمي»، ومناصريه، واجهته في المقابل آراء مخالفة، بدوافع متفرقة، فأنصار الحرية بلا قيود رأوا في التشريع الجديد تجاوزاً للحريات بلا مبرر منطقي، أما الأكثرية فذهبت إلى «صعوبة التطبيق»، مع توقع واسع وعريض بتجاهل بعض الأطفال وذويهم هذا الحظر، وهو ما أقر به رئيس الوزراء نفسه، بالقول: «الأمر لن يكون سهلاً».

أما موقف الشركات المعنية بالتشريع الجديد، فليس بمستغرب أن تقف في الضفة الأخرى منه، قياساً على الخسائر الاقتصادية من جرّائه، لكنها في المقابل اتخذت من «صعوبة التطبيق»، ومناصرة بعض أولياء الأمور حجة لتقوية موقفها الرافض للتشريع، وتقديم بدائل أخرى، ضمّنها المتحدث باسم «ميتا»، في بيان؛ جاء فيه «يتفق الخبراء وجماعات الشباب والعديد من أولياء الأمور على أن الحظر الشامل ليس هو الحل، فهو يعزل المراهقين عن المجتمعات والمعلومات عبر الإنترنت، مع توفير حماية غير متسقة عبر التطبيقات العديدة التي يستخدمونها، فهناك طريقة أفضل تشريع يُمكّن أولياء الأمور من الموافقة على تنزيل التطبيقات والتحقق من العمر، مما يسمح للعائلات وليس الحكومة بتحديد التطبيقات التي يمكن للمراهقين الوصول إليها».

إن المراقب لهذا المشهد المائج بالآراء المختلفة، لا بد أن يقف موقف المتأمل، والمستبصر، ليدرك أن هذه المعضلة لم تعد شأناً يخص مجتمعاً دون مجتمع، وأن حاجتنا إلى المعالجة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية عامة، والسعودية على التخصيص باتت كبيرة، فلئن كانت دوافع الحظر لدى المجتمع الأسترالي قائمة على «صيانة عقول المراهقين من الاستهلاك، وفتح النوافذ أمامهم لممارسة حياة طبيعية بما فيها من ترفيه بريء وممارسة الرياضة وتكوين علاقات في العالم الواقعي بعيداً عن الافتراضي»، فإن دوافعنا تبدو أكبر لما نلمسه من تقاطعات كثيرة في مشهد تعامل المراهقين عندنا مع وسائل التواصل الاجتماعي، وكلها لا تصب في شيء إيجابي، بل تنطوي على مخاطر كبيرة، سواء من حيث تعاطيهم مع المواقع المشبوهة، أو جماعات الهوس الديني والتطرف العقدي، أو شبكات الجريمة المنظمة، وغير ذلك من «البلاوي» التي نعيشها كل يوم، ونكتوي بنارها في صمت، ليبقى السؤال معلّقاً كيف العلاج، وما هي طرق الحل؟

فلو كان لنا أن ننظر إلى تجربة أستراليا الوليدة، فالحقّ أنها – على نصاعة أهدافها – قابلة للخرق والتحايل والالتفاف لصعوبة الضبط بصورة مثالية، في ظل منظومات أسرية لا تعمل بمحركات «الوصاية الأبوية» الصارمة، بما يمثّل رادعاً أو جرس تنبيه للأطفال والمراهقين، ولهذا ربما لا تجد التجربة ما تصبو إليه من النجاح المنشود، لكنها تظل جرساً معلّقاً يقرع باستمرار تنبيهاً لهذا الخطر الداهم، لهذا فمن المهم أن نبدع وسائل جديدة منسجمة مع واقعنا، وقابلة للتنفيذ بصورة منطقية ومعقولة، وفي خاطري تجربتنا «المريرة» مع كل المستحدثات التي «غزت» مجتمعنا؛ بدءاً من «الدش»، مروراً بالجوال، والجوال المزوّد بالكاميرا، وغير ذلك؛ حيث ظل «خطابنا الوعظي الصحوي» يستهدف الآلة «المسكينة» بالحظر والمنع، وكان الأولى بها استهداف الإنسان المستخدم، وتحصينه بقيم إيجابية، تجعل من الآلة بين يديه «نعمة»، بدلاً من كونها «نقمة» جرّاء سوء تصرفه، وسلوكه المُلغّم، فلا حظر سيفيد، ولا مراقبة ستجدي، ولا تشريعات ستحد، بالشكل المؤثر ما لم يصحب ذلك تبصير وتوعية وتوفيق..

بظنّي أن الأمر جدير بالنقاش المستفيض، حتى لا يتسع الفتق على الراتق، بأكثر مما هو متسع الآن في صمت مقلق، حفظ الله أبناءنا وبناتنا.

00:02 | 15-12-2025