أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/273.jpg?v=1763304641&w=220&q=100&f=webp

نجيب يماني

بوابة الملك سلمان عندما تلتقي القداسة بالحداثة !

عندما أعلن صاحب الرؤية المباركة الأمير محمد بن سلمان إطلاق مشروع «بوابة الملك سلمان» لعمارة مكة المكرمة لتشهد عهداً جديداً من التحديث والرؤية المتقدمة، يجمع بين قدسية المكان وعبقرية الإنسان، بين روح التاريخ ونبض المستقبل، عندما تلتقي القداسة بالحداثة في كل الأرض، تتوزّع المدن بين الجمال والعراقة، غير أنّ مكة المكرمة تبقى وحدها استثناءً سماويّاً، مدينةً نزل فيها الوحي من علٍ، ويعانق فيها الترابُ السماء، وتوارثت على أعتابها الأجيال معنى القداسة والخلود.

هنا كان البدء وهنا لا يزال الامتداد.

منذ أن أشرقت شمس التوحيد على قُبيسها، وتلألأت أنوار الرسالة في وهادها، أدركت القيادة السعودية أنّ خدمة مكة المكرمة شرف الرسالة قبل أن تكون مسؤولية الحكم.

امتد نهج المؤسس طيب الله ثراه في رعاية البيت العتيق، ليغدو هذا النهج دستوراً ثابتاً، تسير عليه القيادة جيلاً بعد جيل، حتى غدت مكة المكرمة نموذجاً للعمارة الإيمانية والتنمية المتصلة بالروح.

هذا المشروع ليس مجرّد تطوير عمراني أو خطة توسعية، بل هو فصل جديد في ملحمة العناية الإلهية بهذه المدينة المباركة، التي اختارها الله لبيته ورسالته، واليوم تختارها القيادة السعودية لتكون منصة تُطل منها على العالم برؤية عمرانية وإنسانية غير مسبوقة.

بوابة الملك سلمان ليست مجرد اسمٍ يحمل شرف مؤسس نهضة المملكة الحديثة، بل هي تجسيدٌ حيّ لروح الحاضر واستشراف المستقبل.

مشروع يمتد على مساحة 12 مليون متر مربع، ليحوّل مكة المكرمة إلى نموذج عالمي في التطوير العمراني والخدمات المتكاملة، ويجعلها مركزاً حضرياً متفرداً يوازن بين الأصالة والمعاصرة، بين عبق التاريخ وابتكارات التقنية الحديثة.

وتكمن عبقرية المشروع في أنه لا يكتفي بإعادة تشكيل المكان، بل يعيد تعريف تجربة الإنسان فيه؛ كيف يسكن، وكيف يتحرك، وكيف يعيش روحية المكان المقدس بانسيابية وكرامة.

إنها ليست عمارةً من حجر، بل عمارةُ روحٍ وفكرةٍ وإيمان.

يتّخذ التصميم المعماري للمشروع طابعاً يجمع بين الهوية المكية العريقة والأساليب المعمارية العصرية، في تناغمٍ بصري يأسر العين والقلب معاً.

فكل زاويةٍ فيه تستحضر البساطة الفريدة للمباني الحجازية القديمة، وكل قوسٍ ونافذةٍ تهمس بتاريخٍ طويلٍ من الحب والعطاء.

في بوابة الملك سلمان، لن ترى التناقض بين التراث والحداثة، بل سترى كيف يمكن أن يعانق أحدهما الآخر في لوحةٍ مهيبةٍ من جمال مكة المكرمة المقدس الذي يتجدّد دون أن يتبدل. جوهر المشروع لا يكمن في الأبراج والميادين والمرافق فحسب، بل في الفكرة التي يقف وراءها (مكة المكرمة لا تتبدل، لكنها تتجدّد في كل عصر بما يليق بقداستها ومكانتها). فهي المدينة التي احتضنت البدايات، وها هي اليوم تحتضن المستقبل.

منذ عهد المؤسس طيّب الله ثراه والاهتمام بمكة المكرمة يشكّل حجر الزاوية في بناء المملكة الحديثة، وجاءت الرؤية المباركة لتواصل هذا النهج، فتعيد صياغة الحلم بلغةٍ أكثر اتساعاً وجرأة، لتحقيق نقلة نوعية في تطوير البنية التحتية لمكة والمنطقة المركزية، ودعم برنامج خدمة ضيوف الرحمن، بتسهيل الوصول إلى المسجد الحرام وتنظيم الحركة بسلاسة واستيعابية عالية.

ويسهم في تعزيز التنويع الاقتصادي بخلق أكثر من 300 ألف فرصة وظيفية بحلول عام 2036، مما يجعل من بوابة الملك سلمان مشروعاً وطنياً وإنسانياً وتنموياً في آنٍ واحد.

إنه مشروع يُعيد صياغة العلاقة بين المدينة وسكّانها، بين الضيف والمضيف، بين القداسة والعمران.

وتظل مكة المكرمة في قلب العبادة عبر مشروع بوابة الملك سلمان؛ لأن ما يميّز هذا المشروع أنه لا ينفصل عن رسالته الروحية؛ فكل مرفقٍ من مرافقه السكنية، الثقافية، والخدمية صُمم ليكون في خدمة الزائر والمعتمر والحاج، بما يضمن لهم تجربة روحانية هادئة وعصرية في الوقت ذاته.

فالسكن ليس فقط جدراناً تؤوي، بل هو فضاءٌ للسكينة والتأمل، والخدمات ليست مجرد تسهيلات، بل امتدادٌ لكرم المكان وقدسيته، يظهر بوضوح شامخ إرث القيادة ورؤية المستقبل لكل من يتأمل المسيرة ليدرك أنه ليس مشروعاً منعزلاً، بل جزء من نسيج رؤية المملكة التي جعلت من الإنسان محور التنمية وغايتها.

فكما صاغت الرؤية مفهوم المدن المستقبلية تخطّ اليوم سطراً خالداً في تاريخ مكة المكرمة، يجعل منها أيقونةً عمرانيةً عالميةً دون أن تفقد هويتها الروحية الفريدة.

إنه مشروع يقودنا لعهدٍ جديد من الجمال المقدس، حيث تتنفس مكة المكرمة عبق الماضي وتضيء وجه المستقبل، مدينة تتسع للسماء كما تتسع لقلوب القادمين إليها من كل فجٍ عميق.

إنها التحفة التي ترسمها الأيدي السعودية المخلصة على صفحة الزمن، لتبقى شاهداً على أن القداسة يمكن أن تلتقي بالحداثة دون أن تفقد جوهرها، وأن مكة ستظل دائماً بوابة الأرض إلى السماء.

فيا خير بقاع الأرض طهراً، ويا ملتقى عباد الله والنسّاك، يا ملاذ الحائر ومستقر الوَجِل المسكين يا مكّة الخير عهد جديد يهل عليك بالخير واليُمن والبركات.

منذ 21 ساعة

حج 2026.. حيّاكم الله

في غدٍ سيقف الحجيج بصعيد عرفات الخير، يكسوهم البياض، وتجلّلهم مهابة الموقف، وتلهج ألسنتهم بالتهليل والتكبير والدّعاء، لحظة تنعقد فيها الألسن عن التعبير، وتتلعثم الكلمات في ضفة الحلق فما تُحير وصفًا للمشهد وعظمته، واللّحظة وجلالها.

فإن كنت من الذين ناداهم المُنادي، واستجابوا للداعي حين صاح، كما صوّره الشاعر بالقول:

وَوَجَدْتُ في عَرَفَاتِ حِينَ أتَيْتُهُ

صَبغَ البَيَاضُ صُخُورَهُ وَثَراهُ

فَلَقَدْ تَبَّدَّلَ لَوْنُهُ فَكَأنَّمَا

كُتَلٌ مِنَ الثَّلْجِ اعْتَلَتْ أَعْلاَهُ

مَلأَ الحَجِيجُ هِضَابَهُ وَشِعَابَهُ

مِنْ كُلِّ فَجٍّ جَاءَهُ وَأَتَاهُ

فَرَأَيْتُ مُعْجِزَةَ الإِلهِ بِخَلْقِهِ

وَقَفُوا سَوِيًّا يَطْلُبُونَ رِضَاهُ

بِمَلاَبِسِ الإحْرَامِ جَاؤُوا كُلُّهُمْ

وَدُعَاؤُهُمْ: «لَبَّيْكَ يَا أَللهُ»

فَفَقِيرُهُمْ، وَغَنِيُّهُمْ، وَذَلِيلُهُمْ

وَعَزِيزُهُم، لاَ يَسْألونَ سِوَاهُ

وَقَدْ اسْتَوى بِأمِيرِهِمْ مَحْكُومُهُمْ

فَجَمِيعُهُمْ لاَ يَرْتَجِي إِلَّا هُو

رَفَعُوا الأَكُفَّ إِلَى السَّمَاءِ كَأَنَّمَا

يَوُمُ الحِسَابِ أَتَى وَكَانَ لِقَاهُ

وَرُؤُوسُهُمْ نَحْوَ العُلاَ مَشْدُودَة

وَعُيونُهُمْ تَرْنُو إِلَى عَلْيَاهُ

أَجْسَامُهُمْ مُخْضَلَّةٌ بِدُمُوعِهِمْ

وَالْكُلُّ يَبْكِي يَبْتَغِي رُحْمَاهُ

فاعلم أنك من أصحاب الحظوة والرضا، إنّه يوم سكب العبرات تكفيرًا، والدعاء بالعفو والغفران رجاء غير مردود.

إلى هنا كان اشتياق المولّهين الهائمين عشقًا في الذّات الإلهية، فهاك من نبع البرعي اليمني نفحة من قصيدته الوالهة:

يا راحلينَ إلى منىً بقيادي

هيجتُمو يومَ الرَّحيلِ فُؤادي

سِرتمْ وسارَ دليلُكُمْ يا وحشتي

والعيسُ أطربنِي وصوتُ الحَادي

وعلى المنوال نفسه كان حداء ابن دقيق العبدي وقد شدا وجدًا:

تهيمُ نفسي طربًا عندما

أستلمح البرقَ الحِجازيا

ويستخفُّ الوجدُ عقلي

وقد أصبحَ لي حسنُ الحِجى زيَّا

يا هلْ أقضي حاجتي مِن منًى

وأنحرُ البزلَ المهارِيا

فأرتوي من زمزمَ فهي لي

ألذُّ من ريقِ المها ريّا

هذا مقام فسيح متراحب وبديع، وفضاء واسع ما له من سائل يحده، ولن يردك عن موارده العِذاب، ومساقيه الهواطل غير سديد المثل العربي القديم «يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق»، موقف تجد تصويره البليغ الصدّاح عن ابن القيم، وقد قال:

فَلِلَّهِ كَمْ مِنْ عَبْرَةٍ مُهَرَاقَةٍ

وَأُخْرَى عَلَى آثَارِهَا لا تَقَدَّمُ

وَقَدْ شَرِقَتْ عَيْنُ الْمُحِبِّ بِدَمْعِهَا

فَيَنْظُرُ مِنْ بَيْنِ الدُّمُوعِ وَيَسْجُمُ

وَرَاحُوا إِلَى التَّعْرِيفِ يَرْجُونَ رَحْمَةً

وَمَغْفِرَةً مِمَّنْ يَجُودُ وَيُكْرِمُ

فَلِلَّهِ ذَاكَ الْمَوْقِفُ الأَعْظَمُ الَّذِي

كَمَوْقِفِ يَوْمِ الْعَرْضِ بَلْ ذَاكَ أَعْظَمُ

وَيَدْنُو بِهِ الْجَبَّارُ جَلَّ جَلالُهُ

يُبَاهِي بِهِمْ أَمْلاكَهُ فَهْوَ أَكْرَمُ

يَقُولُ عِبَادِي قَدْ أَتَوْنِي مَحَبَّةً

وَإِنِّي بِهِمْ بَرٌّ أَجُودُ وَأُكْرِمُ

فَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي غَفَرْتُ ذُنُوبَهُمْ

وَأُعْطِيهِمُ مَا أَمَّلُوهُ وَأُنْعِمُ

فَبُشْرَاكُمُ يَا أَهْلَ ذَا الْمَوْقِفِ

الَّذِي بِهِ يَغْفِرُ اللَّهُ الذُّنُوبَ وَيَرْحَمُ

فَكَمْ مِنْ عَتِيقٍ فِيهِ كَمَّلَ عِتْقَهُ

وَآخَرُ يَسْتَسْعِي وَرَبُّكَ أَكْرَمُ

إن وقفت هناك اليوم؛ فانظر إلى عظيم ما صنعته المملكة العربية السعودية بقيادتها العظيمة من تطوير مستمر وعمل دؤوب من أجل راحة الحجيج وضيوف الرحمن. انظر إلى عرفات، وقد تيسّرت فيها السبل، وذللت الصعاب، وتيّسرت الخدمات، بما يبعث على الطمأنينية، ويحمل النفس على الرضا، ويحضها على الدعاء بالتوفيق للمملكة وقيادتها؛ فرحلة الحج اليوم باتت يسرًا في طمأنينة، لضيوف الرحمن، في كل خطوة يخطونها، وفي كل مقام ينزلون به، وعند كل مرتحل إلى منسك من المناسك، من قبل أن تطأ أرجلهم أرض الحرمين تلحقهم الخدمات بالتيسير حيث كانوا من خلال مبادرة طريق مكة، مع خدمات مبذولة لراحتهم، من ترقيم للأمتعة، وتفريغهم من حمل أمتعتهم أثناء أداء المناسك، وتذليل طرق النقل وتوفيرها، فقطار الحرمين في طاقته القصوى، والحافلات مهيأة بكل وسائل الراحة، أما الخيام بمنى فتشهد في كل عام تطويرًا غايته راحة الحجيج، وطمأنينة ضيوف الرحمن.. الخدمات الصحية في أوج تأهبها، استجابة سريعة، ومعالجات فورية، وطواقم في كافة التخصصات، استجابة لكل طارئ، في خدمات مجانية لا تبتغي منها المملكة غير رضا الله وراحة الحجاج. وغيرها من منظومة الخدمات الميسرة.

هكذا كان الوعد والمرتجى في أضاميم رؤية المملكة المباركة، وقد محّضت هذه الرحلة المقدسة جليل اهتمامها، وسخّرت لها من الإمكانات والعناية ما نراه ماثلًا اليوم في هذه المشاريع، والتوسعات الكبيرة في الحرمين الشريفين، فديباجة الاستقبال «حياكم الله»، الرجاء أن ينعم ضيوف الرحمن بأدء مناسكهم في يسر وطمأنينة، ولكن لا سبيل إلى بلوغ ذلك إلا إذا التزم الجميع بالتعليمات، وليدرك المغامرون أنه «لا حج بلا تصريح»، شعار لا يقبل تحايلًا، وجدار صد لا يعبرون منه بتفلتهم، به تستقيم الخدمات للحجاج على ميسم التقدير السليم، وتضبط حركتهم بميزان الطمأنينة والأمن والسلامة، وتقل الحوادث التي كانت تحدث تبعًا للتفلت والعشوائية، ففي الالتزام بهذا الشعار الحازم خير الجميع، وعندها ستسمع صوت الرضا النابع من قلوب الحجاج ينادي:

إليك إلهي قد أتـيـت مُلّبـيًا

فـباركْ إلهي حجّـتـي ودعائيا

قصدتُكَ مـضـطرًا وجئتُـك باكيًا

وحاشاك ربّي أن تردّ بكـائـيا

كفاني فـخــرًا أنني لـك عابدٌ

فـيا فـرحـتي إن صرتُ عبدًا مواليا

تقبل الله من الحجيج مناسكهم، وجزى الله المؤسس وأبناءه الكرام من بعده خير الجزاء على اهتمامهم الكبير بمقدسات المسلمين.

00:24 | 25-05-2026

قصيدة اعتذار.. إلى عرفات الله

إِلى عَرَفاتِ اللَهِ يا خَيرَ زائِرٍ

عَلَيكَ سَلامُ اللَهِ في عَرَفاتِ

وَيَومَ تُوَلّى وُجهَةَ البَيتِ ناضِراً

وَسيمَ مَجالي البِشرِ وَالقَسَماتِ

عَلى كُلِّ أُفقٍ بِالحِجازِ مَلائِكٌ

تَزُفُّ تَحايا اللَهِ وَالبَرَكاتِ

إِذا حُدِيَت عيسُ المُلوكِ فَإِنَّهُم

لِعيسِكَ في البَيداءِ خَيرُ حُداةِ

لَدى البابِ جِبريلُ الأَمينُ بِراحِهِ

رَسائِلُ رَحمانِيَّةُ النَفَحاتِ

وَفي الكَعبَةِ الغَرّاءِ رُكنٌ مُرَحِّبٌ

بِكَعبَةِ قُصّادٍ وَرُكنِ عُفاةِ

وَما سَكَبَ الميزابُ ماءً وَإِنَّما

أَفاضَ عَلَيكَ الأَجرَ وَالرَحَماتِ

وَزَمزَمُ تَجري بَينَ عَينَيكَ أَعيُناً

مِنَ الكَوثَرِ المَعسولِ مُنفَجِراتِ

وَيَرمونَ إِبليسَ الرَجيمَ فَيَصطَلي

وَشانيكَ نيراناً مِنَ الجَمَراتِ

تُقاس الرحلات أحياناً بما تفتحه من أبواب في الذاكرة، لا بما تقطعه من مسافات.

رحلة عباس حلمي الثاني خديو مصر إلى الديار المقدسة عام 1909م كانت من تلك الرحلات التي تحوّلت إلى مشهد تاريخي تتداخل فيه السياسة بالروح، والسلطة بالمعنى الديني، وتتشكّل حوله طبقات من السرد الأدبي والتوثيق الدقيق.

في قلب هذا الموكب، برز حضور أحمد شوقي، شاعر البلاط وصوت الفخامة البلاغية في عصره. كان يُنتظر منه أن يكون رفيق الرحلة كما اعتاد أن يكون رفيق المجد، غير أن المشهد اتخذ منعطفاً غير متوقع. الصحراء بما تحمله من قسوة، وركوب الإبل بما يفرضه من مشقة، صنعا في داخله تردداً ثقيلاً، انتهى إلى قرار صامت بالانسحاب من القافلة في لحظة غفلة.

عاد إلى القاهرة، بينما مضى الركب إلى الحجاز، تاركاً خلفه فراغاً في الموكب وجرحاً في العلاقة مع الخديوي. غير أن الشعر، كما اعتاد أن يفعل، تولّى ترميم ما أفسدته الخطى. فكانت النتيجة قصيدة ستبقى واحدة من أشهر نصوص الحج في الأدب العربي (إلى عرفات الله) بلاغة الاعتذار في ثوب الشعر. لم تأتِ القصيدة مجرد تهنئة بسلامة العودة، بل جاءت نصاً مشبعاً بالاعتراف والاعتذار، ومحمولاً على لغة عالية تنحاز إلى الجلال الروحي بقدر ما تنحاز إلى المجاملة السياسية.

يقول شوقي:

(إلى عرفات الله يا ابن محمد

عليك سلام الله في عرفات)

ثم ينساب النص في بناء شعري يزاوج بين المقام الديني ومقام المخاطب:

(دعاني إليك الصالح ابن محمد

فكان جوابي صالح الدعوات

وخيّرني في سابح أو نجيبة

إليك فلم أختر سوى العبرات)

تتجلى هنا مفارقة دقيقة؛ شاعر يُفترض أن يكون صوت الحضور، يتحوّل إلى شاهد على عجزه، مكتفياً بالدموع بدل المسير، وبالاعتذار بدل المشاركة.

ويزداد المشهد كثافة في قوله:

(وقدّمت أعذاري وذلي وخشيتي

وجئت بضعفي شافعاً وشكاتي)

يتحوّل الضعف في هذا السياق من معنى سلبي إلى عنصر جمالي، يعيد تشكيل صورة الشاعر داخل النص، لا بوصفه فاراً، بل بوصفه إنساناً اصطدم بحدود طاقته.

بين قداسة المكان وملامح السلطة تتجاوز القصيدة بعدها الديني لتلامس علاقة الشاعر بممدوحه. فالخطاب الموجّه إلى الخديوي يكشف طبقة أخرى من المعنى، حيث تتجاور قداسة المكان مع رمزية السلطة، في نص واحد تتعدّد فيه الأصوات والدلالات.

ومع الزمن، أعيدت قراءة القصيدة في سياق مختلف تماماً. فقد أعادت أم كلثوم تقديمها بصياغة غنائية خففت من حضور المدح الشخصي، وصاغتها بروحيّة عامة، مستندة إلى لحن رياض السنباطي الذي منحها طابعاً إنشادياً خالداً.

تحوّل المطلع من خطاب خاص:

(إلى عرفات الله يا ابن محمد)

إلى نداء أوسع:

(إلى عرفات الله يا خير زائر)

فتحررت القصيدة من حدود الشخص إلى فضاء المعنى العام، حيث يخاطَب الحاج بوصفه رمزاً لا فرداً.

هروب صنع خلوداً، نعم قد يبدو المشهد في ظاهره انصرافاً عن واجب، غير أن ما تبعه من أثر جعل من ذلك القرار نقطة تحوّل أدبية. خسر الشاعر رحلة الجسد، لكنه ربح رحلة النص، تلك التي لم تتوقف عند زمنه، بل امتدت لتصبح جزءاً من الوجدان الجمعي في مواسم الحج حتى يومنا هذا..

هكذا يتبدى حضور أحمد شوقي بوصفه شاعراً استطاع أن يحوّل لحظة ضعف إنساني إلى نص متين البنية، متوهج الدلالة، يعبر الأزمنة دون أن يفقد نبرته الأولى.

قصيدة (إلى عرفات الله) لم تعد مجرد أبيات شعرية للاعتذار، بل صارت وثيقة شعرية تعيد تعريف العلاقة بين التجربة والقول، بين العجز والإبداع، وبين الفعل وما يوازيه من تخييل. وفي كل موسم حج، تعود الأبيات لتُستدعى من الذاكرة، كأنها كتبت لتُقرأ من جديد، لا لتُحفظ فقط.

تقبّل الله على صعيد عرفة كل من وقف ولبّى وذكر اسم ربه الأعلى، ووفق ولاة أمر الوطن لخدمة ضيوف الرحمن.

00:05 | 21-05-2026

«مشكاة التفاعلي» مشروع وزارة الطاقة لبناء جيل المستقبل!

في خطوة واعدة ‏وتجربة مُلهمة في قطاع الطاقة تم تنفيذ برنامج مشكاة التفاعلي بالتعاون مع جمعية الطاقة للتنمية المستدامة بجدة، مستهدفاً أكثر من 800 طالب وطالبة بمرحلتي الابتدائية والمتوسطة، لتؤكد أن المواطن في نظر القيادة عماد التنمية الاقتصادية الشاملة والمستدامة، وركيزة أساسية في النهضة التنموية، وتحقيق الإنجازات في مختلف المجالات والقطاعات الواعدة.

جاء مشكاة التفاعلي بوصفه تجربةً تربويةً وتنمويةً جديرة بالإشادة، في زمنٍ تتسارع فيه التحوّلات المعرفية والتقنية، وتزداد فيه الحاجة إلى بناء وعيٍ جديد لدى الأجيال الصاعدة، تبرز المبادرات التعليمية والتوعوية بوصفها استثماراً حقيقياً في الإنسان، لا يقل أهمية عن الاستثمار في البنية التحتية والاقتصاد أو التقنية.

الرقم الكبير للمستهدفين في البرنامج لا يمثل مجرد إحصائية عابرة، بل يعكس حجم الرؤية والطموح اللذين يقفان خلف المشروع؛ فالوصول إلى أكثر من 800 طالب وطالبة يعني أن مئات العقول الصغيرة قد جرى طرق أبوابها بالمعرفة، ومئات الأرواح تم تحفيزها للتفكير والتفاعل والانفتاح على مفاهيم التنمية والطاقة والوعي البيئي والسلوك الإيجابي وحجم الأثر الذي تتركه في الوعي والسلوك والخيال.

برنامج لم يأتِ في قالبٍ تقليدي جامد يعتمد على التلقين المباشر، بل انطلق من مفهوم (التفاعل)، وهو أحد أهم أساليب التعليم الحديثة في عالم اليوم.

فالدراسات التربوية تؤكد أن الطفل يتعلم بصورة أعمق عبر المشاركة والتجربة والحوار والأنشطة التطبيقية، أكثر من اعتماده على الاستماع السلبي للمعلومة.

فالبرامج التفاعلية من أنجح الأدوات المستخدمة في غرس المفاهيم العلمية والقيم السلوكية للنشء، وتعكس فهماً متقدّماً لطبيعة الجيل الجديد؛ جيل الصورة والتقنية والتفاعل السريع.

نجاح البرنامج يكمن في الفكرة ذاتها، وإدراك القائمين عليه أن بناء الإنسان يبدأ مبكراً، وأن ترسيخ مفاهيم الاستدامة والطاقة والوعي البيئي في عقل الطفل يمثل خطوة إستراتيجية بعيدة المدى.

المبادرة القيّمة من وزارة الطاقة تكشف وعياً بمتطلبات المرحلة المقبلة من مسيرة المملكة في ظل رؤية 2030، وقراءة واعية لكلمات ولي العهد الأمين، حين قال -حفظه الله-

(المواطن السعودي أعظم شيء تملكه السعودية للنجاح، وأنه بدون المواطن لا نستطيع أن نحقق أيّ شيء من الذي حققناه).

الشراكة مع جمعية الطاقة للتنمية المستدامة تمنح المشروع بعداً مؤسسياً مهماً، لأن قضايا الطاقة والاستدامة لم تعد موضوعات نخبوية تُناقش داخل المؤتمرات بل أصبحت جزءاً من تشكيل ثقافة المجتمع ووعيه اليومي.

العالم يتجه نحو ترسيخ ثقافة الاستدامة، وتقليل الهدر، وتعزيز المسؤولية البيئية، وإعداد أجيالٍ قادرة على فهم التحديات المستقبلية المرتبطة بالطاقة والمناخ والموارد.

أجمل ما في المشروع أنه اختار الفئة العمرية الأكثر قابلية للتشكيل والبناء. فهي تمثل التربة الأولى التي تُغرس فيها الأفكار والقيم، وكل جهد يُبذل فيها ينعكس لاحقاً على المجتمع بأكمله.

الطفل الذي يتعلم اليوم قيمة المحافظة على الطاقة، وأهمية البيئة، وثقافة التنمية المستدامة، سيكون غداً مواطناً أكثر وعياً ومسؤولية.

البرنامج حقّق هذا الجانب، بدليل حجم المشاركة والتفاعل، وهو ما يعكس وجود فريق عمل مؤمن بالفكرة، وقادر على تحويل الرسائل المعرفية إلى تجربة ممتعة وملهمة للطلاب والطالبات، فمثل هذه المبادرات الصغيرة الذكية تُشعل شمعةً في عقل طفل.

ومن هنا تبدو قيمة (مشكاة التفاعلي)، بأنه مشروع وعيٍ حقيقي يراهن على المستقبل، ويؤمن بأن التنمية المستدامة تبدأ من بناء الإنسان الواعي.

مبادرة استشرافية تنسجم مع سعي وزارة الطاقة ووزيرها الأمير عبدالعزيز بن سلمان لتعزيز نسبة التوطين في منظومة الطاقة، والوصول إلى ما نسبته 75% من مكوّنات القطاع بحلول عام 2030.

التقدير لكل من أسهم في هذا العمل النبيل؛ فكرةً وتنظيماً وتنفيذاً ودعماً، اختاروا أن يزرعوا المعرفة في العقول الصغيرة، وأن يفتحوا نوافذ الضوء أمام جيلٍ يحتاج إلى من يأخذ بيده نحو العلم والوعي والإبداع.

وتلك في الحقيقة أعظم الرسائل التي يمكن أن تقدّمها المؤسسات المجتمعية والتنموية للأوطان.

فهل سنرى مبادرات جديدة وفريدة ومتفردة في هذا المضمار من كافة القطاعات الأخرى ليساقط علينا رطب الرؤية جنياً؟

00:15 | 18-05-2026

ما يموت الود لو مات الكلام!

ما يموت الود لو مات الكلام

‏لك مكان وذكريات ولك شعور

‏ما انت عابر في حياتي والسلام

‏أنت حتى في غيابك لك حضور

أبيات عميقة للأمير الشاعر بدر بن عبدالمحسن ليست بوحاً عاطفياً عابراً، بل بيان وجداني مكثّف عن طبيعة العلاقة التي تتجاوز سطح القول إلى عمق المعنى.

بدر رحمه الله لا يكتب عن حبٍّ عاديٍّ، بل يكتب عن مقام الودّ، عن تلك الرابطة التي لا تنكسر بالصمت ولا تتلاشى بالمسافة.

(ما يموت الود لو مات الكلام)

جملة تُقيم الفرق بين اللغة والروح.

الكلام أداة، والودّ جوهر الأداة قد تصمت وقد تتعثر، وقد تُساء قراءتها؛ أما الجوهر فيبقى نابضاً في الأعماق.

تصوير يأتي لإعلاء قيمة المعنى على اللفظ، ولصدق الشعور على فصاحة العبارة. الودّ هنا كائن مستقل، لا يعيش على حروف، بل يسكن الضمير.

يتوالى البوح الصادق (لك مكان، وذكريات ولك شعور)

ثلاثية محكمة البناء؛ مكانٌ في القلب، وذكريات تؤسّس العلاقة المشتركة، وشعور يمدّ العلاقة بطاقة البقاء.

التكرار المقصود لكلمة (لك) يمنح النص إيقاعاً تأكيدياً، يرسّخ الحضور تثبيتاً بعد تثبيت، ويمنح المخاطَب شرعية الإقامة في قلبه بلا منازع.

(ما انت عابر في حياتي والسلام)

إعلان رفض لفكرة المرور المؤقت، العابر يمرّ كنسمة صيف لا تترك أثراً، أما هذا المخاطَب فصار جزءاً من النسيج الداخلي. يمثل شعوراً ناعماً مثل الشعور الذي تمنحه المخدة لمن أرهقه السهر. جملة تحمل نبرة حسم، قطع للطريق أمام أي محاولة لتصغير العلاقة أو اختزالها في لحظة شعور يمنح الأمان والحماية

(أنت حتى في غيابك لك حضور)..

ذروة المفارقة الجمالية، الغياب عادة نقيض الحضور، غير أن الشاعر يعيد تعريف المفاهيم؛ الحضور ليس جسداً يُرى، بل أثرٌ يُحَسّ.

صورة الشخص قد تغيب عن العين، لكنها تبقى في الذاكرة، في التفاصيل، في الأشياء التي تذكّر به. بذلك يتحوّل الغياب إلى شكل آخر من أشكال البقاء.

قمة الحب الخالص تأتي هنا (لو يخطي الطيب علينا عذرناه طيبه نُشوفه والخطا ما نشوفه)..

هنا لا يُقاس الإنسان بزلاته، بل بصفائه. النظرة تتجه إلى الأصل لا إلى العارض، إلى الطيبة لا إلى العثرة.

هذا اختيار أخلاقي راقٍ؛ فالحب الحقيقي لا يبرر الخطأ، لكنه لا يجعل منه هوية.

الطيب يبقى هو العنوان، والخطأ تفصيل عابر في هامش الصفحة.

تتجلى براعة بدر فنياً في قدرته على تحويل اللغة اليومية إلى شعر يفيض رهافة. مفردات مألوفة، لكن توزيعها يمنحها وهجاً خاصاً. الإيقاع هادئ، متوازن، خالٍ من التكلف. العاطفة صادقة، غير مثقلة بالمبالغة.

تلك هي فرادة الأمير الشاعر؛ بساطة ظاهرية تخفي عمقاً إنسانياً واسعاً.

نص يعكس رؤية للحياة تقوم على الثبات لا على التقلب، وعلى الصفح لا على التشدّد، وعلى الاعتراف بقيمة من أحببنا حتى لو فرّقت بيننا الظروف ودارت بنا الايام

في عالم سريع النسيان، تبدو القصيدة وصية وفاء، تذكّر بأن العلاقات العميقة لا تُقاس بوفرة الكلام، بل بصدق الأثر.

البدر لا يكتب كلمات فحسب، بل يشيّد مقاماً للودّ، ويضع أمام القارئ معياراً راقياً للحب.. أن ترى الخير أكبر من الخطأ، وأن تعترف بالحضور حتى في المسافة، وأن تؤمن بأن بعض الناس لا يمرّون.. بل يقيمون فينا إقامة دائمة ومميّزة لا خروج فيها ولا عودة.

00:00 | 14-05-2026

السعودية ملحمة التحوّل وصناعة الجمال..

بعد سنوات الصحوة العجاف وتصحّر عقول سدنتها وتمرغهم في وحل التشدّد والتنطّع تتوهّج السعودية اليوم وسط التحوّلات الكبرى التي تعيشها.

يتقدّم المشهد الفني بوصفه أحد أكثر المسارات إشراقاً وتأثيراً، حيث تتداخل الرؤية مع الطموح، ويتحوّل الإبداع إلى لغةٍ كونية تعيد تعريف المكان والإنسان.

من أروقة بينالي الدرعية التي تستنطق الذاكرة وتعيد تشكيلها بصيغ معاصرة، إلى تجارب ديزرت إكس العلا التي تفتح حواراً عميقاً مع الطبيعة، يتجلّى أن الفن في السعودية تجاوز حدود العرض والتلقي، ليغدو تجربة وجودية تتشابك فيها الفكرة مع المكان، والهوية مع المستقبل.

الحديث عن الحراك الفني السعودي لا يُقرأ بوصفه طفرة عابرة، بل يُفهم كتحوّل بنيوي عميق، تأسّس على رؤية استراتيجية جعلت الثقافة ركيزة من ركائز التنمية.

فقد انتقل الفنان السعودي من هامش المشهد العالمي إلى مركزه، يحمل رؤيته الخاصة، ويقدّم سرديته التي تنبع من بيئته وتاريخ مجتمعه، ثم تنفتح بثقة على العالم.

ويبدو واضحاً أن الاحتفاء باليوم العالمي للفن داخل المملكة يكتسب بُعداً يتجاوز الطابع الرمزي، ليصبح منصة تأكيد على أن الفن بات جزءاً من النسيج اليومي، وعنصراً فاعلاً في تشكيل الوعي الجمعي.

فالتجربة السعودية لم تعد تكتفي بالمشاركة، بل تسعى إلى التأثير وصناعة الاتجاه.

اللافت في هذه التجربة قدرتها على الجمع بين الأصالة والتجديد؛ فكما يُحتفى بالخط العربي والحِرف اليدوية بوصفها امتداداً لذاكرة حضارية عريقة، تتقدّم في المقابل فنون رقمية وتجارب تعتمد على الذكاء الاصطناعي، بما يعكس وعياً متكاملاً بحركة التاريخ، حيث لا تعارض بين الجذور والانطلاق، بل تكامل يثري كليهما.

وفي هذا السياق، تمثل المشاريع الكبرى مثل حديقة الملك سلمان وما يتفرع عنها من صروح ثقافية، إلى جانب دار الأوبرا الملكية في الدرعية، ملامح مرحلة جديدة يتجسد فيها الفن كجزء من الفضاء الحضري، لا كعنصر منفصل عنه. فالفن يغادر القاعات المغلقة ليقيم في الشوارع والساحات، ويصبح جزءاً من تجربة المدينة اليومية.

أما الحضور الدولي، فيكشف نضج التجربة السعودية، حيث لم يعد الظهور في منصات كبرى مثل بينالي فينيسيا مجرد تمثيل ثقافي، بل مشاركة فاعلة تسهم في صياغة الأسئلة الجمالية المعاصرة. ويتعزّز ذلك عبر الشراكات مع مؤسسات عالمية مثل مركز بومبيدو، التي تفتح آفاقاً جديدة للحوار والتبادل الثقافي.

كما أن تنامي سوق الفن، ودخول دور المزادات العالمية مثل سوذبيز وكريستيز، يعكس تحوّل الفن إلى قوة اقتصادية مؤثرة، تسهم في تنويع مصادر الدخل وتعزيز الصناعات الإبداعية.

ولا يمكن إغفال الدور الحيوي للمؤسسات الثقافية، وفي مقدمتها هيئة الفنون البصرية، التي تقود هذا الحراك برؤية واضحة تستهدف تمكين الفنان، وتوسيع دائرة المشاركة، وترسيخ حضور الفن في تفاصيل الحياة اليومية. فالمسألة لم تعد رعاية للمواهب فحسب، بل بناء منظومة متكاملة تُنتج المعرفة وتدعم الابتكار.

كما يبرز أثر برامج مثل مسك للفنون، والمعهد الملكي للفنون التقليدية، في إعداد جيل جديد من المبدعين، يمتلك أدواته، ويعي دوره، ويتحرك بثقة داخل المشهدين المحلي والعالمي.

هذا التحوّل المتسارع خلال سنوات قليلة يبعث على التأمل؛ فالفن في السعودية لم يعد ترفاً ثقافياً، بل أصبح لغة تعبير حضاري، ووسيلة لبناء الجسور بين الشعوب، وأداة لإعادة صياغة الصورة الذهنية للمجتمع.

وفي عمق هذه التجربة، يبرز سؤال جوهري: ما هو الفن؟

ذلك السؤال الذي تطرحه الحملة المعاصرة بوصفه مدخلاً للتفكير، لا بحثاً عن إجابة نهائية، بل دعوة مفتوحة لاكتشاف الفن في كل شيء؛ في التفاصيل الصغيرة، في التحوّلات الكبرى، في العلاقة بين الإنسان ومحيطه.

هكذا تتشكّل ملامح المشهد الفني السعودي، تجربة حية، نابضة، تتجاوز التعريفات الجامدة، وتمضي بثقة نحو المستقبل، حاملة معها إرثاً ثرياً، ورؤية طموحة، وقدرة مدهشة على تحويل الجمال إلى قوة ناعمة تعيد رسم موقع المملكة على خريطة الثقافة العالمية.

21:52 | 10-05-2026

صناعة مستقبل الطب الرياضي!

لم تعد الرياضة في وطني مجرد نشاط جماهيري، وإعجاب وتشجيع، بل مشروع سيادي متكامل، فرضته رؤية المملكة القديرة، التى أعادت تشكيل خريطة الحركة الرياضية باستثمارات بلغت مليارات الريالات في الأندية والبنية التحتية.

من هذا المنطلق كانت الشراكة حاضرة بين مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث، الذي يسعى بخطى واثقة نحو توسيع أفقه الاستراتيجي، عبر شراكات نوعية تُعيد تشكيل العلاقة بين الصحة والرياضة، وتُحوّلها من تقاطع محدود إلى تكامل عميق يثمر قيمة مضافة على مستوى الفرد والمجتمع.

أتى توقيع اتفاقية تأسيس «مركز القدية للطب الرياضي» مع شركة القدية للاستثمار تجسيداً حياً لهذا التوجه الطموح، الذي يستند إلى رؤية واضحة، ويستهدف بناء منظومة متقدمة للطب الرياضي بمعايير عالمية.

الخطوة الجديدة تعكس وعياً متنامياً بأهمية الطب الرياضي كأحد الأعمدة الأساسية لتطور القطاع الرياضي، خاصة في ظل التحوّلات الكبرى التي تشهدها المملكة ضمن رؤية المملكة 2030، والتي وضعت الرياضة في قلب مشروعها التنموي، ليس بوصفها نشاطاً ترفيهياً فحسب، بل باعتبارها صناعة متكاملة ذات أبعاد صحية واقتصادية واجتماعية.

المركز المرتقب في عاصمة الوطن يحمل في مضمونه نقلة نوعية، إذ يجمع بين الخبرة الطبية العريقة للتخصصي، والطموح الاستثماري لمشروع القدية، ليقدّم نموذجاً متكاملاً يجمع الوقاية والتشخيص والعلاج وإعادة التأهيل، إلى جانب برامج تطوير الأداء، وهي منظومة متكاملة تضع الإنسان في قلب الاهتمام، سواء كان رياضياً محترفاً أو موهبة ناشئة أو فرداً يسعى إلى نمط حياة صحي.

الدور المحوري الذي سيتولاه المستشفى التخصصى في الإشراف الفني والتشغيلي يمنح المشروع بعداً نوعياً، حيث تتجسّد فيه خبرات تراكمية عميقة، مدعومة بسجل عالمي حافل بالإنجازات والتصنيفات المتقدمة.

هذا الامتداد العلمي والسريري يضمن أن يكون المركز منصة للتميّز، لا تكتفي بتقديم الخدمات، بل تُسهم في إنتاج المعرفة، وتطوير الأبحاث، وابتكار حلول طبية متقدمة في مجال الطب الرياضي.

الحضور القيادي في توقيع الاتفاقية، ممثلاً في الدكتور ماجد بن إبراهيم الفياض والأستاذ عبدالله بن ناصر الداود، يعكس جدية المشروع وعمق الرهان عليه، بوصفه خطوة استراتيجية تتجاوز حدود التعاون التقليدي، نحو بناء نموذج يحتذى به في التكامل بين القطاعات الحيوية.

الأبعاد الاقتصادية لهذه المبادرة لا تقل أهمية عن أبعادها الصحية، إذ يُنتظر أن يسهم المركز في جذب الاستثمارات النوعية، وتعزيز مكانة المملكة مركزاً إقليمياً للطب الرياضي، خاصة مع تزايد الاهتمام العالمي بهذا المجال، وارتباطه المباشر بصناعات الرياضة واللياقة البدنية والتقنيات الصحية.

المشهد العام يوحي بأن المملكة تتجه نحو بناء منظومة رياضية صحية متكاملة، تقوم على أسس علمية راسخة، وتستفيد من أحدث ما توصلت إليه الممارسات العالمية، مع الحفاظ على خصوصية التجربة الوطنية.

في هذا الإطار، يغدو «مركز القدية للطب الرياضي» أحد أبرز معالم هذه المرحلة، وجسراً يربط بين الطموح الرياضي والتفوق الطبي.

المكانة التي يحتلها مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث على خارطة المؤسسات الصحية العالمية تضفي على هذا المشروع مصداقية عالية، وتمنحه زخماً إضافياً، خاصة مع تصنيفه المتقدّم ضمن أفضل المؤسسات الأكاديمية الصحية، وما يحمله ذلك من دلالات على جودة الأداء وعمق التأثير.

بهذا التكامل بين الخبرة الطبية والرؤية الاستثمارية، تتشكّل ملامح مرحلة جديدة، تتداخل فيها مسارات الصحة والرياضة، لتنتج نموذجاً متطوراً يعزز جودة الحياة، ويدعم مسيرة التنمية، ويؤسّس لواقع تتكامل فيه العافية مع الإنجاز، والعلم مع الطموح.

ما يتحقق على أرض الوطن انعكاساً لتحوّل وطني أوسع يرى في الصحة ركيزة سيادية، وفي البحث العلمي قوة ناعمة، وفي الإنسان محور التنمية،

اتفاق يفتح أفقاً جديداً لدور سعودي متقدّم في صياغة مستقبل الطب الرياضى إقليمياً وعالمياً.

23:45 | 6-05-2026

مع السعودية.. الكل على أصابع أقدامهم !

«متعة السعودية أن تجعل الناس كلهم على أصابع رجولهم» عبدالعزيز بن سلمان..


ما احتفت اللغة العربية بأمرٍ قدر حفاوتها بجوامع الكلم، بما تستبطنه من قدرة مُطلقها على الإيجاز في اللفظ، مع شمول في المعنى، وخُلوصٍ بارع من مساقط التعقيد، ومنزلقات الالتواء، فتأتي العبارة حينها محتشدة بطاقة عابرة للزمن، حاضرة في لحظة التفسير المباشر، مجنّحة من ثمَّ مع نوافذ التأويل المطلق، كأنّها مرآة يقرأ فيها من يُطالعها مقدار ما يدخره في جَنانه من علمٍ ومعرفةٍ وثقافةٍ وإداركٍ وشعورٍ، وغيرها.


على أنّها حين تُشحن بطاقة الإيحاء في مسارب الرسائل المبطنة تلك المفصحة وجهاً، والمرمّزة في وجوه أُخر، فإنّها حينئذٍ تغدو أشدّ وقعاً، وأكثر حضوراً، وأعمق غوراً، وأدعى على أن تُؤخذ إلى المرامى التي يتغيّاها قائلها ويرمي إليها؛ لهذا ما تنفكُّ مثلُ هذه الرسائل أن تكون قرينة بقائلها، يُنظر إلى أثرها من موقع صاحبها، وتُقرأ بمصاحبة زمانها، ولا مناص ثمّة من أخذها بملحقات الظّرف الذي أُنتجت فيه، فتسهل عندئذٍ قراءتها على الوجه الصّحيح، وتبلغ سَمْع من تعنيه، وتستقرّ حيث يجب أن تستقر، وتبقى رسالة قادرة على عبور اللّحظة، ودالة عليها وعلى ما سبقها ويليها.


على هذا المهاد والتهيئة انظر بعين التدقيق الفاحص، والنّظر المستبصر، والتأمّل البصير في عبارة «متعة السعودية أن تجعل النّاس كلّهم على أصابع أرجلهم» أرسلها وزير الطاقة الأمير عبدالعزيز بن سلمان، في استضافة تلفزيونية تعليقاً على مجرى الأحداث الأخيرة.


جاءت العبارة مجيبة على الظرف بما يستحقه من عابر الرسالة لمن تعنيه، بيقين أنها قد وصلت بريده، وأدّت غرضها المَعنِي، فمن هذه الثّقة القادرة جاءت العبارة محمولة في ابتسامة الواثق، واطمئنان المقتدر أنّ «كلّ شيء تحت السيطرة».. وعلى الجميع الترقّب والانتظار، وأن يقفوا على «أصابع أرجلهم»؛ ليروا صنيع المملكة وقدرتها على ترتيب سوق النفط بما يلائم التحديدات الجديدة..


في الوقت نفسه نجد أنّ العبارة تعدّت بشمولها إلى أرحب من ذلك، حين نأخذها بأجنحة التأويل إلى كافة الفضاءات، ونفكّ مغلاقها على رويّة ومكث، ونذهب في مسالك بلاغتها، ودروب جوامع كلمها، فتتراءى في شاشة الخاطر صورة الناس وقوفاً على أطراف أصابعهم كناية عن التأهّب والترقّب والانتظار، وهي حالة لا ترافق صاحبها إلا مع نوازع القلق، وطائف الشّوق، وجائش الرغبة، فلا استقرار، ولا سكون، ولا ركون، إنّما هي حركة فوّارة دؤوبة من المُصْدِر، ونشاط متصل من الفاعل، وقرارات ومعالجات تفوق توقع المترقب، وتهزم تخرّصات المتأهّب، وتدهش خاطر المنتظر، وتبقى للسعودية «المتعة» وهي تصنع كلّ ذلك في خطو الواثق، وصنيع القادر، وسديد الرّائي..


هذا ما صنعته السعودية مع «الرؤية» منذ فجر انطلاقها في 2016، وهي مع مشرق كل شمس توقف الناس على أطراف أصباع أقدامهم، مع تباين مشاعرهم، وتفاوت مناظيرهم، واختلاف مشارب تقييمهم، بما أحدثت من تغييرات مهولة في وجيز الزمن، وقصير العمر، فلقد سقطت كافة الصور النمطية، وتلاشت كافة المُسلّمات التقييمية، وسقطت كلّ الأقنعة التي وَسَمت المملكة سابقاً، في كافة المجالات، وبقيت المملكة اليوم منظورة في مرآة «الرؤية»، ولا شيء سواها، حاضرة كما ينبغي، مدهشة بعطائها، واثقة من قدراتها وإمكاناتها، مهما عظُم الخطب، واشتدت الأزمات..


إنّ هذه «المتعة» التي تصنعها السعودية اليوم وهي ترى النّاس وقوفاً على أصابع أرجلهم لصنيعها، تستطيع أن تقرأها بسهولة ويسر، لو قَصَرت النظر فقط على منهجية قيادتها الرشيدة في فقه التعامل مع الأزمات، فلا تحسبن أنّ أزمة سوق النفط اليوم، أشدّ وقعاً مما حدث عند «جائحة كورونا»، وقد تعطّل العالم كلّه بلا استثناء، واهتزّ ميزان الاقتصاد في أقوى الدول وأكثرها رسوخاً، وبقيت المملكة كالسيف المجرّد وحيدة، وتجاوزت بصمودها وقدرتها حدود المحافظة على وتيرة نموّها الاقتصادي؛ بل امتدت لتواسي وتضمد الجراح، وتعين كافة الدول المحتاجة، وتحمل لواء دول العشرين في أصعب دوراتها، فكان صنيعها مدهشاً، وقدرتها محل تقدير العالم أجمع، وذلك رهان أدار بوصلة الاهتمام والنّظر المغاير للمملكة، والتعامل معها، وشطب من الذواكر الصور النمطية المتكلسة، واستبدلها بواقع جديد مغاير.


فمن ذلك الفعل الذي أوقف العالم على أطراف أصابعه حينها، أتي رهان الأمير عبدالعزيز بن سلمان، بأن ذات الأقدام عليها أن تظل واقفة على أطراف أصابعها في موقف الترقب والانتظار، وأن تدخر ما تستطيع من طاقة الدهشة لما ستفعله المملكة من «متعة» في طوايا ما ستقوم به مستقبلاً، قريباً أو ممتداً ما امتد العطاء واستمر مع هذا العهد الزاهر، والقيادة الباصرة الرشيدة.


لن أستثني نفسي من حظّ الوقوف على أطراف أصابع قدمي انتظاراً، غير أني سأكون مملوءاً بالثقة، ومزهوّاً بالافتخار لما سيأتي؛ لقناعتي أنه سيكون كما عهدناه فوق المتوقع، وأبعد من الاحتمال، وأرحب وقعاً في عالم الإنجاز و«المتعة» السعودية الخالصة..


فشكراً للأمير عبدالعزيز بن سلمان على هذه العبارة الموحية، والرسالة التي تعنينا نحن أولاً قبل أن تعبر لغيرنا.


فأنعِم بقيادة تقول وتفعل، قولها جوامع كلم، وفعلها «متعة» تلجم.

00:36 | 5-05-2026

تراتيلُ الفناءِ في مِحْرابِ الوجْد

يقول مجنون ليلى

لَو مالَ قلبي عَنْ هَواكَ نَزعتُهُ

‏وَشَرَيتُ قَلبًا فِي هَواكَ يَذوبُ

‏آياتُ حُبِّكَ في فؤادي أُحكِمَتْ

‏مَنْ قالَ أنّي عَن هواكَ أتوبُ

كلما قرأت شعراً لقيس بن الملوح أقف مندهشاً لسحر كلماته الصادقة واشتعال حبه الذي ظل متّقداً طوال حياته، حب يستحيل وجوده في أيامنا هذه بل قد يكون معدوماً.

في كلماته لليلى تتوارى اللغاتُ خجلاً أمامَ سطوةِ بوحه، وتنكفئُ الحروفُ على أرصفةِ الذهولِ وهي تُطالعُ دستوريّةَ العشقِ التي خطّها مجنون بني عامر.

في شعره لا نقرأُ شعراً، بل نشهدُ عمليةَ تشريحٍ وجوديّة، حيثُ يغدو القلبُ مجردَ رداءٍ يُخلعُ إذا ما قصّر في حقِ المحبوب، ويُستبدلُ بكيانٍ أدقَّ وأرقَّ، لا وظيفةَ له سوى الذوبانِ السرمديِّ في ملكوتِ الهوى.

يتجلّى قيسٌ كصوفيٍّ في محرابِ الجمال، يرفضُ فكرةَ استبدالِ القلبِ بِلُجّةِ الشوقِ أو الميلِ ولو لغفوةٍ واحدة.

يُعلنُ للعالمِ أنّ الوفاءَ لديهِ ليس اختياراً، بل قدَرٌ ممهورٌ بالدم. فإذا ما حدثَ وخانَ القلبُ نبضَه بالالتفاتِ لغيرِ وجهِ ليلى، فالخلاصُ يكمنُ في انتزاعِ هذا العضوِ المتمرد.

إنها تضحيةٌ تفوقُ حدودَ المألوف؛ فمن ذا الذي يشتري قلباً جديداً لغرضِ الاحتراقِ والذوبانِ فحسب؟

(​وَأَهجُرُ قَلبي فيكَ إِن كانَ مائلاً

وَأَترُكُ روحي أَن تَكونَ تَطيبُ)..

تمضي الأبياتُ لترسمَ آياتٍ مُحكماتٍ في إنجيلِ الهوى، حيثُ غدا حبُّ ليلى نصاً مقدساً لا يقبلُ التأويلَ أو النسخ. هي «آياتٌ» نُقشت بأزاميلِ الوجعِ على جدرانِ الفؤاد، فاستحالتْ إلى عقيدةٍ راسخةٍ لا تزعزعها رياحُ العذلِ ولا نصائحُ اللائمين.

يتساءلُ قيسٌ باستنكارٍ يملأُ المدى: كيفَ يتوبُ المرءُ عن كينونتِه؟ وكيفَ يعتذرُ الغريقُ عن احتضانِ الماء؟

يمتدُّ ألقُ قيسٍ في فضاءاتِ التيه مؤكداً عهدَ الدمِ والدمع، وموضحاً أنَّ العشقَ لديهِ هو الطوافُ الأبديُّ حولَ فكرةٍ واحدة، لا شريكَ لها ولا شبيه.

الحبُّ هنا صيرورةٌ من الألمِ العذب، ومخاضٌ لا ينتهي إلا بالانصهارِ التامِّ في ذاتِ الآخر.

(​أَرى كُلَّ مَعشوقَينِ غَيرِيَ وَغَيرَها

يَنالانِ حَظاً في الهَوى وَيَتوبانِ

وَأَصبَحُ كَالمَجنونِ أَهذي بِذِكرِها

تَمَلَّكَ مِني الحُبُّ كُلَّ جَنانِي)..

خاتمةُ القولِ إنَّ هذا النصَّ يظلُّ منارةً لكلِّ الأرواحِ الهائمةِ التي ترفضُ أنصافَ الحلولِ في العاطفة.

المجنون لم يكتب شعراً لِيُطربنا، بل سكبَ روحَه في قوالبَ من نور، ليخبرنا أنَّ الحبَّ الحقيقيَّ هو ذلك الذي يجعلُ الفناءَ في المحبوبِ أسمى مراتبِ الخلود. كأنما خُلِقَ هذا الرجلُ ليعلّمَ البشريةَ أنَّ القلوبَ التي لا تذوبُ، هي محضُ حجارةٍ صماءَ لا تستحقُّ أن تنبضَ في صدورِ الأوفياء.

00:06 | 30-04-2026

رؤية 2030.. النموذج الاستثنائي

في كل عام يمضي على «الرؤية»، منذ انطلاقتها المباركة في العام 2016م، وهي تقدم جرد حسابها، وتطرح ما أنجزت، وما هي بصدد إنجازه.

يقيناً لا شك فيه، أن الله أنعم على هذه البلاد المباركة بقيادة لا مثيل لها في كافة دول العالم. ومن يرى في ما أقول مبالغة أو «شطح» محب في حضرة الوطن، ومقام قيادته، فلينظر ما وسعه النظر، وليقلب طرفه أينما شاء، ولينظر في كراسة التاريخ الإنساني الحديث. فإن رأى أن هناك دولة واحدة في القديم والحديث استطاعت أن تنجز ما أنجزته «الرؤية» في عقد واحد من الزمن فليأتني، وأنا قمين له بالاعتذار، وضمين له بالاعتراف بالفضل ولن يجد ثمة مبتغاه.

فما أعظم كلمات خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز في تصدير تقرير الرؤية للعام 2025، وقد جاءت حاملة البشرى، مبرقة بالأمنيات الصوادق، بقوله البالج الأغر «بلادنا تمضي نحو مستقبل أفضل مع منجزات رؤية 2030 منذ إطلاقها»، وهي كلمة صدق، ورؤية حق، تدعمها المنجزات الماثلة، وتعضدها العطاءات المنظورة، وتكشفها الأرقام التي لا تتجمل ولا تكذب، ولست بصدد التطرق لها، فذاك مجال تضيق عنه المساحة، وتتراحب آفاقها لذوي الاختصاص كلٌّ في مجاله، لينهلوا من معين الإنجاز، وليكشفوا ما حققته الرؤية في وجيز الزمن، الذي تتلامع حقائقه في مرآة كلمات خادم الحرمين الشريفين «بلادنا أصبحت نموذجاً في استغلال الطاقات والثروات من أجل تنمية شاملة»،

كلمة قائد بصير، عارف بحقائق الأشياء ودقائقها، ومدرك بأن ما قدمته المملكة من إنجاز مع الرؤية، تتقاصر دونه كبريات الدول الراسخة في ميدان التقدم التقني والصناعي والاقتصادي، لتقف المملكة برؤيتها موقف الند، وموقف المزاحم بالعطاء في ميدان العطاء الإنساني.

ومن ذات منسج الثقة العميق، ومنطق القول المفحم، جاءت كلمات ولي العهد المرافقة لإعلان تقرير الرؤية عن العام 2025، لتؤكد أن «المملكة قدّمت نموذجاً استثنائياً في تحويل الرؤى إلى واقع»، وهو الميدان الذي تبيّن فيه المسافة بين الأقوال والأفعال، والنظريات والتطبيق، وتستجلى في تفاصيله القدرات وموازين الدول، وحكمة ورشد قيادتها، وقدرتها في الصعود بأوطانها إلى المراقي الساميات، وتدفع بها إلى سوح التنافس الشريف في ميادين التقدّم، خدمة للإنسانية جمعاء، وهذا حال المملكة لمن أراد أن يبصرها بعين النصفة دون انحياز أو تطفيف.

فلئن كان ما تحقق من إنجاز يحمل المنصفين على الدهشة، فالدهشة أعظم حين يقرر ولي العهد الأمين أن «ما حققته الرؤية من إنجاز يضعنا أمام مسؤولية لمضاعفة الجهود»، فنحن هنا أمام قائد لا ينظر إلى المنجز بوصفه نهاية الطريق، والغاية المبتغاة التي لا تحتاج إلى مزيد؛ بل يراها منطلقاً لمرحلة أرحب تحدياً، واستشرافاً لأفق أبعد، بلا ركون أو إبطاء، وهذا دأب «الرؤية»، ما صعدت قمة إلا رنت لقمة أسمق، وما أنجزت فرضاً إلى رسمت أفقاً آخر لفروض تتطلع إلى الكمال، فنظرك قاصر، وخيالك ضامر إن حسبت أنّ «المجد» قد ختم سطوره في ربوع بلادي، وأنّ «الإنجاز» قد سكن ذاكرة الماضي الحاشد، ولم يبقَ للحاضر ما يضيف، وللمستقبل ما يدهش.. فما مضى كان أزهر، لكن الحاضر أورق وأنضر، والمستقبل أزهى وأبهر.

انظر وتأمل فعل «الرؤية» منذ أن أظلّت حاضر حياتنا، وتجذّرت سريعاً في نسيج المجتمع، باثة في حياتنا طاقة جديدة، ومحركة تروس الإنجاز لترسم الدهشة والغبطة والإعجاب، في متواليات من إبهار، ومتتاليات من البدائع المتفردات في كل مجال ومساق، مسجلة في دفتر السبق العالمي حضورها المميّز، ومنجزها الباعث على استمطار الحمد والثناء..

لست بصدد مناقشة ما جاء في تقرير الرؤية لهذا العام، فما احتشد به التقرير عصيٌّ على التلخيص، فمن رام ذلك فقد ركب غير ذلول، وقامر بمهزوم، وراهن رهان خاسر مكلوم، فذاك محيط فسيح تضاربت أمواجه بالإنجازات العصيّة على الحساب، واحتشدت بواطنه الفسيح من العطاءات التي جاوزت المتوقع، وتخطت المنظور، ولا غرو ولا عجب.. فعلى مقياس «العزم» فصّلت القيادة هياكل «الرؤية»، وبيقين الواثق في شعبه راهنت على النجاح، فما خاب عزم، ولا انهزم رهان؛ بل كان «المحصول» أكبر من مظان «الحقل»، والمحصود أوفر من وعد السلال، ليسجل التقرير هذا العام سطور مرحلة استثنائية من تاريخ الوطن، غير أن إشارة التقرير أن «المملكة تتقدّم من المرتبة 37 إلى 22 بمؤشر السعادة العالمي»، زادني سروراً، وملأني بهجة، فذاك ما أرجوه لوطني وبني وطني، خاصة الذين تأذوا في شبابهم، وساءهم في كهولتهم صنيع «الصحوة».

فما أعظم الرؤية وقد رفعت معدل السعادة إلى هذا المقام السامق، وأعادت ترتيب وجه المملكة كما ينبغي، فهل آن للعالم أن يعيد ثوابت ترتيبه للدول على مقياس التفريق بينه أولاً وثانياً وثالثاً..

فالمملكة برؤتها قمينة وجديرة بمكان الصدارة في عالمها الأول.

حفظ الله للوطن وأهله الملك سلمان وولي عهده الأمين محمد الخير

والحمد لله رب العالمين.

23:59 | 26-04-2026