أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/273.jpg?v=1763304641&w=220&q=100&f=webp

نجيب يماني

جودة الحياة المحلّية قبل العالمية.. يا أمانة جدة

أعلنت أمانة محافظة جدة عن انضمام المدينة رسمياً إلى «مبادرة جودة الحياة» العالمية (Quality of Life Initiative)، التي يشرف على تنفيذها برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية (UN-Habitat)، بدعم من مركز برنامج جودة الحياة في المملكة.

يأتي هذا الإعلان «ضمن خطوة استراتيجية تهدف إلى قياس ومتابعة جودة حياة السكان في جدة، وتبادل المعرفة والحلول والخبرات المبتكرة مع المدن الأعضاء الأخرى حول العالم، وتعزيز السياسات الحضرية التي تجعل من جدة مدينة أكثر شمولاً، واستدامة»، فضلاً عن «سعي الأمانة إلى تحقيق التكامل مع الجهات ذات العلاقة بما يسهم في تحسين البيئة المعيشية والاجتماعية والاقتصادية، تماشياً مع مستهدفات رؤية السعودية 2030».

وإنفاذاً لدعوة «الأمانة» لسكّان جدة إلى المبادرة بالمشاركة وإبداء آرائهم لتقييم تجاربهم المعيشية الحالية، وقياس مستويات الأمان، ومدى توفر الخدمات المحلية ومستوى جودتها، إلى جانب قياس مدى ارتباطهم بمجتمعاتهم، فإنّي آخذ بهذا الزمام وماضٍ به إلى تناول مظاهر عديدة تعمل في مجملها بعكس اتجاه مرامي جودة الحياة، وتذهب بعيداً عن الطرق المؤدية إلى هذه الغاية النبيلة، وهي مظاهر ليست طارئة، بل طال بها العهد في جدة العروس، يتوارثها أمين عن أمين، فشوّهت وجهها، وطمست هويتها، وبدّدت رونقها، ولزم الالتفات السريع إليها قبل التفكير في الانضمام إلى المبادرات العالمية، فما حاجة العروس إلى «ثوب» تتباهى به في معرض العالمية، إذا كانت في جوهرها تتغطى بأسمال بالية وخرق مهترئة..

أنظر إلى أيّ شارع من شوارعها، فلن ترى غير حفر ومطبات، كثير منها بفعل فاعل، تحت سمع وبصر «الأمانة»، ففي كل صباح نستيقظ على جرّافات وقد سُيّجت الطرق، وقفلت مداخلها ومخارجها بمصدات أسمنتية، لتبدأ رحلة الحفر، التي تستغرق أياماً وأسابيع، في مشاريع تطويرية لصالح جدة، وعند الفراغ منها يتم الدفن بشكل عشوائي، وإعادة طبقة أسفلت خفيفة «ملح» في عين مراقب الأمانة. وما هي إلا أيام وتظهر رقع الشوارع وأخاديد وحفر وشوارع مشوهة، بعضها منخفض وآخر مرتفع، ومع تعدد الشركات «الحافرة» و«الدافنة»، باتت الشوارع عبارة عن منخفضات ومرتفعات، وحفر ومصائد للسيارات، مطبات خطرة، لا أحد يأمن السقوط فيها مخبأة، أو مطمورة بالمياه، فيتعاظم الضرر على مركبتك، ويزداد أسفك وحزنك على مدينتك.. والمحصلة صور شائهة، ومناظر كالحة في وجه العروس..

ألم يكن في وسع «الأمانة» أن تلزم هذه الشركات بإعادة الطرق إلى سابق عهدها، كما وجدتها قبل عمليات الحفر والدفن العشوائي؟ لِمَ لا تشترط عليها مواصفات قياسية في السفلتة والرصف، وفق جدول منضبط، ومراقبة فورية؟!

إن قلّبت بصرك باتجاه حاويات القمامة فستجدها فاغرة فاهها، تنبعث منها الروائح الكريهة، والغازات الخانقة، تهبط عليها طوائف الذباب والحشرات، فتتوالد وتتكاثر، تشاركها القطط الضالة والغربان والفئران، حاويات فاضت قمامتها و«تفضلت» بقذارتها على أرضية الشارع، «عكّرت» الجو بالروائح النتنة، في انتظار جمع كيفما اتفق في آخر المساء، بعد أن يكون فات أوان تدارك الخلل البيئي الذي ندّ عنها وطفح..

أما إن نظرت إلى المجموع الشجري، فلا شك ستطالعك «البزروميا»، وقد استوطنت الشوارع كلها، بثمارها الكالحة، وأوراقها الكئيبة، فكل ما فيها لا يصلح لأن يكون منظراً تستأنس به مدينة تنشد العالمية، وتسعى لجودة الحياة..

فجذورها المقيتة لا تعترف بطبقات الإسفلت، تشوه وتخرب وتقلع الأرصفة

وتمتد في جوف الأرض مهددة البنية التحتية للمنازل والشوارع، أوراقها في تساقط مستمر، لتزيد من الأوساخ المتراكمة في الشوارع، ويتعاظم قبحها مع أي زخة من مطر، تغدو عطناً يزكم الأنوف، ومحضناً لتوالد البعوض..

أغصانها تتسلق أعمدة الكهرباء وتحجب إضاءتها وتحرق لمباتها فتظلم الشوارع وتبعث الكآبة وتذهب بجودة الحياة، تمتد في كافة الاتجاهات، بلا أدنى حرج من «مقص» التشذيب، جاعلة من ظلها موطناً للحشرات والهوام.. وناعق الغربان..

الغربان! هذه والله لوحدها مصيبة عظيمة، فأي مدينة تنشد جودة الحياة على مستوى عالمي، وهي تستيقظ على نعيق الغربان، وتقضي سحابة نهارها وهي تراقب هذا السرب النعّاب وهو يطوف بين أسقف الدور بلا حسيب، ويغطي سماء العروس بكالح سواده الأعتم؟!

حدائق الأمانة حفرت فيها الفئران والقوارض أخاديد وجعلتها مرتعاً ومسكناً تصطاف فيه وتشتي دون مضايقة أو محاسبة، فتخرج في وضح النهار، ورائق المساء فتهدّد حياة زوّار تلك الحدائق..

هذا بعض ما أصاب وجه «العروس» يا «أمانة» بكل أمانة، لا تزيّد فيه ولا اصطناع، ولا مبالغة فيه ولا جور، نقوله لوجه الحقيقة لا أكثر. فما يبذل من مجهود لا شك مقدّر بقدره، لكنّه دون المأمول قياساً بما يتوفّر من إمكانات أولاً، وبما رفعته رؤية المملكة 2030 من سقوف عالية في التوقعات المنضبطة بميسم الإنجاز المفارق لأضغاث الأحلام الفواتر، فموافقة التطلعات بجودة حياة تناسب الاشتراطات العالمية، تتطلّب التفاتاً بصيراً وعميقاً لمتطلبات ضرورية تبلغ بها «العروس» مكاناً يليق بها، لتخرج في تمام زينتها تباهي رصيفاتها، وعندها فقط سيكون لتلويحها بمنديل العالمية معنى يسرُّ ساكنيها، وزوّارها، ويبعث في خواطرهم اليقين بالاستحقاق الكامل لمزاحمة المدن الجميلة تيهاً وجمالاً ورونقاً.

منذ 19 ساعة

السكوت عن الجاهل حكمة !

ما أكثر الوجوه التي تُجيد اختلاق الضجيج، وما أقل العقول التي تُحسن صناعة الأثر.

هناك صنفٌ من الناس يعيش أسيراً لصورةٍ رسمها لنفسه، يحرص على تلميعها أكثر من حرصه على بناء حقيقتها، ويجتهد في إقناع الآخرين بعظمةٍ لا وجود لها إلا في خياله المريض. ذلك هو الإنسان الجاهل الذي يرتدي ثوب المعرفة، بينما عقله عارٍ من العلم، ويتدثر برداء الهيبة وروحه خاوية من الفضيلة.

يبلغ به الوهم مبلغاً يجعله يصدّق أكاذيبه، ويعشق صورته المتخيلة، ويحسب التصفيق دليلاً على عظمته. يضيق صدره بكل متفوق، ويبحث عن عيوبه، ويحاول التقليل من شأنه، ويتحدث عنه بحقد وغلٍ. يخاصم الأشخاص، ويترك الأفكار، ويستبدل البرهان بالسخرية، والحقائق بالاتهامات؛ ظناً منه أن تشويه الآخرين يرفع منزلته.

أما العالِم فلا يحتاج إلى إعلان نفسه؛ لأن علمه يتحدث عنه، ولا يلهث خلف الأضواء، لأن أثره يسبق اسمه.

يعرف أن المعرفة بحر لا ساحل له، ولا يرى في الاعتراف بالجهل نقصاً، بل يعدّه أول أبواب العلم.

الجاهل يحسب الاعتراف بعدم المعرفة هزيمة، فيجيب عن كل سؤال، ويفتي في كل فن، ويتحدث في كل قضية، ولو كانت خارج حدود إدراكه الضيقة

يتحدث أكثر مما يسمع؛ لأن الكلام عنده وسيلة لإخفاء فراغ عقله وضحالة تفكيره، وأنه كتلة لحميّة جوفاء تمشي على الأرض. العالم يزداد تواضعاً كلما اتسعت معارفه، بينما يزداد الجاهل كبراً كلما ضاقت مداركه. يقيم صرحه على رمال الادعاء، ويستبدل الإنجاز بالكلام، والعمل بالاستعراض، والبرهان بالتهويل، يجيد تقبيل الكتوف ومسح الجوخ، يظن أن كثرة الحديث تغني عن قلة المعرفة، وأن رفع الصوت يعوّض ضعف الحجة، وأن المظاهر تستطيع أن تخفي خواء الباطن. ولأن الجهل يشعر صاحبه بالنقص، فيهرب من مواجهة نفسه إلى صناعة بطولةٍ وهمية.

يروي القصص التي تُضخّم قدره، ويضيف إلى سيرته ما لم يعشه، وينسب إلى نفسه إنجازات لم يشارك فيها، ويُكثر من ذكر علاقاته وألقابه وصوره، كأن القيمة تُشترى بالزينة الخارجية، لا بجوهر الإنسان.

يخشى العالِم الحقيقي؛ لأنه يكشف زيفه، ويهاب النقاش العلمي؛ لأن البرهان يهدم أوهامه، ويفضل الجلوس بين البسطاء الذين يصدّقون كل رواية مزخرفة، ويصفقون لمسرحيّته. يعيش عمره ممثلاً فوق مسرح الحياة، يخشى سقوط الستار، فيظهر تاريخه الحقيقي وأين كان.

الجاهل يظن أن الناس لا يميّزون بين الذهب المطلي والذهب الخالص، وينسى أن الزمن أمهر النقاد، وأن الأيام تمتحن الرجال امتحاناً لا تنفع فيه البلاغة الكاذبة، ولا تنقذ صاحبها الحيل والخدع.

ما أكثر الذين صعدوا سريعاً بأجنحة الادعاء، ثم هووا سريعاً بعدما سقطت الأقنعة.

ويبقى ميزان الناس عادلاً مهما طال الزمن؛ فالألقاب الزائفة تذبل، والأقنعة تتساقط، والأضواء تخفت، ولا تبقى إلا الأخلاق الكريمة. فالسنابل الممتلئة تنحني، والفارغة تبقى منتصبة. فالتواضع علامة الامتلاء، والغرور دليل الفراغ.

الجاهل يخدع الناس بعض الوقت، لكنه لا يستطيع أن يخدع الناس كل الوقت،

الحقيقة لا تموت، بل تنتظر بصبر حتى تسقط الأقنعة، فيظهر العالم بعلمه، ويُعرف المتواضع بخلقه، وينكشف الفهلوي الجاهل بوهمه، فيعود كل إنسان إلى حجمه الحقيقي، فلا يرفع المرء إلا علمه، ولا يخلده إلا أثره، ولا يمنحه الاحترام إلا صدقه.

00:03 | 9-07-2026

«الأخضر».. ظهور باهت وخيبة متوقعة!

بقدر ما يتعاظم فخرنا بالنتائج الباهرة التي يقدّمها منتخبا المغرب ومصر في مونديال كأس العالم 2026، تتعاظم في الدواخل مشاعر الخيبة والحرقة على المشاركة الهزيلة التي ظهر بها منتخبنا الوطني، بما لا يتوازى كليّاً، ولا يتّسق مع تجربة «الأخضر» بمشاركاته السبع الماضية، ولا الإمكانات المادية المتوفرة له، ولا سمعته في المحافل الدولية، ويزداد الأمر أسىً ومضاضة أن «الأخضر» تذيّل مجموعته، وتفوّق عليه فريق يعتبر «سنة أولى مونديال» منتخب الرأس الأخضر، الأقل تجربة، والأضعف إمكانات، ومن بلد يعتبر في عداد البلدان الفقيرة، والأنكى من ذلك أن «الأخضر» لم يكن يحتاج سوى فوز واحد ليعبر إلى دور الـ(32) الإقصائي، لكنه فشل، بكل أسف في ذلك، وعاد، ماسحاً خلفه ما تركه من سمعة في مونديال قطر.

وبعيداً عن «ردة الفعل» الآنية التي صاحبت الخروج المر، واستقالة رئيس الاتحاد السعودي لكرة القدم، فمن الواجب الذهاب عميقاً لاستقصاء الأسباب الجوهرية التي أفضت بالأخضر إلى هذا الحال المؤسف، فليس من الإنصاف تعليق هذه «الخيبة» وترحيلها إلى جهة واحدة، والاطمئنان إلى أننا وجدنا الحلّ، واهتدينا إلى الطريق الصحيح. فواقع الحال يشير بوضوح إلى تراكم سلسلة من الأخطاء والأسباب الكارثية التي مرت دون معالجة، وكانت محصلتها المنطقية ما انتهى بنا إلى هذه النتيجة الحتمية.

وبظني أنّ الانتقال الكبير في تركيبة دوري المحترفين السعوديين، بزيادة عدد المحترفين الأجانب قبل ثلاث سنوات، وبالتحديد في ديسمبر 2023، إلى 10 لاعبين ألقى بظلاله الكثيفة، وأثّر تأثيراً لا يستطيع أحد إنكاره، بأنّه السبب الرئيس فيما انتهى إليه حال منتخبنا الوطني، مع هذا العدد الكبير من اللاعبين، على نحو لم يشهده الدوري من قبل، وفتح الطريق أمام الأندية لاستقطاب من تشاء، في كافة المراكز من حراسة المرمى إلى الهجوم، والدفاع وفق إمكاناتها وقدراتها المالية، وما يفاض عليها من دعم وزارة الرياضة.

فمن الطبيعي أن لا يجد اللاعب السعودي مكانه الأساسي في التشكيلة الثابتة التي تخوض المباريات، بما يصقل موهبته، ويرفع من حساسية تعامله مع المباريات التنافسية، ويجعله قادراً على المنافسة والظهور بالمظهر اللائق الذي يعكس مقدار الاهتمام والعطاء الذي يحظى به.

قد يرى البعض أن هذا الوضع يضع اللاعب السعودي أمام تحدي إثبات نفسه ليكون جديراً بأحقية المشاركة، وهو قول يحمل شيئاً من الوجاهة، لكنه يناقضها في الوقت نفسه، فكيف بنادٍ يصرف ملايين الدولارات على لاعب أجنبي ليبقيه حبيس الدكة، إذ من الطبيعي أن اللاعب الأجنبي المُستجلب بمبالغ تفوق اللاعب الوطني، هو المفضل لدى المدرب، والمقدم عنده في التشكيلة لتنفيذ ما يطلبه منه، وهو ما لمسناه خلال المواسم الثلاثة الماضية، من انحسار مشاركة العنصر الوطني على حساب الأجنبي، والمحصلة من ذلك «ضمور» الموهبة السعودية في الملاعب، بل واختفاؤها.

لهذا رأينا المدرب السابق للأخضر إيرفي رينارد يتخبط في اختيار العناصر، يجمع ويطرح، يستدعي ويستبعد، يجرب ويفاضل، وكان ذلك دأبه ولم يتبقَ للمونديال سوى شهرين، فكان من الطبيعي أن يقال، قياساً على تجاربه الإعدادية، وفقدان «الأخضر» هويته الفنية المائزة له، وكانت تلك معالجة ضرورية، لكنها كانت متأخرة جدّاً، على الرغم من تعالي الأصوات منذ وقت مبكر بخطورة الموقف وعدم جدوى استدعاء رينارد، ولم تكن الاستعانة بدونيس أفضل حالاً، لقصر المدة الزمنية، فلم يتمكن من إيجاد توليفة متجانسة، فكانت المحصلة مشاركة عشوائية في كل تفاصيلها، واجتهادات شخصية داخل المعلب وخارجه، لا علاقة لها بكرة القدم الحديثة، المبنية على استراتيجيات وخطط ومدارس وأكاديميات، تعمل على نهج متصل، وبرؤية استشرافية تتجاوز المناسبات الآنية، وتنظر إلى أبعد من ذلك بكثير.

ولنا في تجربة اليابان آسيوياً، والمغرب ومصر عربياً وإفريقياً المثال الواجب قراءته بتمعّنٍ، ونتائجه الباهرة التي لمسناها في العطاء الذي قُدم، والهوية الفنية التي ظهرت في هذا المونديال وغيره.

ويكفي أن فريق غامبا أوساكا الياباني، الذي انتزع كأس آسيا 2 من أمام النصر في الأول بارك، لم يشارك معه في المباراة النهاية سوى ثلاثة محترفين، في مقابل النصر الذي شارك بأكثر من ضعف هذا العدد أو يزيد، وخسر اللقب.

إن زيادة عدد اللاعبين الأجانب في دوري المحترفين السعودي هي المسؤول الأول عن حال «الأخضر»، ولن ينصلح الحال إلا إذا تمت معالجة هذا الأمر على نحو يحقق المصلحة المرجوة من الزيادة، والآثار المترتبة عليها..

ورغم أن المشاركة الواسعة للعنصر الأجنبي في الدوري السعودي لها وجوه إيجابية، فقد رفعت أسهم الدوري في بورصة المتابعة والمشاهدة العالمية، وزاد رواجه في الإعلام العالمي، وأصبح محل رغبة للاعب الأجنبي، قياساً على المردود الفني والمالي الذي يفوق بكثير ما يحصل عليه في الدوريات الأوروبية خاصة، وهذا مستهدف مهم وضروري بالنظر إلى استعداد المملكة لاستضافة كأس العالم في العام 2034.

ولمّا كان من الصعوبة العدول عن هذا العدد، فلا بد من الذهاب إلى معالجات منطقية تضمن مشاركة اللاعب السعودي وصقله لصالح المنتخب من بوابة ناديه، فمثلاً يمكن سنّ تشريع يقضي بحتمية مشاركة كافة اللاعبين السعوديين بعدد دقائق محددة في مباريات الدوري، أو اصطناع دوري موازٍ تقصر فيه المشاركة على العنصر السعودي فقط، ويحفّز الفائز به بمقعد إضافي في المنافسات الآسيوية.

بدلاً عن اختيار ذلك من ترتيب جدول الأندية في دوري المحترفين، كما يمكن قصر المشاركة في دوري كأس خادم الحرمين الشريفين على العنصر السعودي فقط.

كل هذه المعالجات وغيرها يمكن أن تكون محل دراسة، يتنادى إليها ذوو الشأن والدربة والخبرة، والذهاب بعيداً في إيجاد منظومة رياضية تنقذ «أخضرنا» من هذا الحال البائس الذي وصل إليه.

00:07 | 6-07-2026

«الجينوم» ثورة تعيد تعريف المرض والإنسان..

تحت مظلة الرؤية القديرة، تتسارع المبادرات الكبرى من البرنامج الجيني السعودي إلى مركز الأبحاث الحيوية والتصنيع الجيني، في رحلةٍ علميةٍ تسعى لتوطين العلاجات الخلوية والجينية وتوفيرها محليًا، مما يعني تحقيق سيادة صحية واقتصادية بحلول عام 2030.

ذلك هو جوهر التحوّل الحقيقي أن تتحوّل المختبرات إلى أذرعٍ استراتيجية للأمن الوطني، وأن يصبح العلم ركيزةً من ركائز الاكتفاء الذاتي.

تداولت منصات التواصل الاجتماعي فيديو لمواطن في مقتبل العمر يتحدث بفرحة عامرة عن اكتشاف علاج لمرضه الجيني المزمن مرضى الهيموفيليا (نزف الدم الوراثي) بعد سنوات من المعاناة مع الحقن الوريدية التقليدية المتكررة والمجهدة،

أتاح له العلاج المناعي المبتكر في إطار دراسة بحثية بإشراف البروفيسور هزاع الزهراني في مستشفى الملك فيصل التخصصى ومركز الأبحاث نقلة نوعية في حياته.

حقنة بسيطة تحت الجلد في المنزل بدلاً من حقن الأوردة ويدوم مفعولها شهرًا كاملًا، منهيًا عهدًا طويلًا من التردد على المستشفيات والمعاناة مع الوصفات الطبية، محوّلًا حياته من مشقة وتوجس دائم إلى راحة تامة واستقرار صحي ونفسي جسّد المعنى الحقيقي لسعادة الإنسان وجودة حياته، وممارسة تفاصيلها باطمئنان، في تحوّل يصنع الأثر، وهو ما هدفت إليه الرؤية وصاحبها -حفظه الله-.

هذا الإنجازات وغيرها تعكس، الدعم الكبير والمبادرات النوعية لبرنامج تحول القطاع الصحي، كأحد الروافد الحيوية لرؤية السعودية القديرة.

تكتسب هذه الإنجازات الطبية قيمتها الحقيقية من ملامستها المباشرة لواقع المرضى، وهو ما يتضح في قصص النجاح الإنسانية التي يرويها أصحابها بعد رحلة علاج ناجحة، داخل الوطن.

تحوّلت الأمراض المستعصية، إلى مجرد عوارض عابرة يمكن القضاء عليها بدقة متناهية بعد دخول علم الجينوم إلى قلب الممارسة السريرية.

لم يعد المرض مجرد أعراض متناثرة أو ملاحظات سريرية للتشخيص، بل أصبح يُفهم من خلال بنيته الأساسية المتجذّرة في الجينات التي تُكوّن الإنسان وتحدد مساراته الصحية.

الجينوم البشري الخريطة البيولوجية الأولى للإنسان، يخزن التعليمات الوراثية التي تصنع الفروق الفردية وتكشف الاستعدادات المرضية، بما يُعرف بالطب الشخصي الدقيق، الذي يُوظِّف قراءة الشفرة الوراثية لفهم المرض بدقة.

مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الابحاث تمكّن من بناء بنية تحتية متقدمة للفحوص الجينية، تشمل قراءة الجينوم الكامل، وتحليل الموروثات الدوائية، والتشخيص الجيني للأمراض المعقدة والحالات المستعصية التي تعجز الفحوص التقليدية عن تفسيرها.

يقود هذا البرنامج العلمي الدكتور صلاح محمد صالح علي باز مدير قسم الطب الجينومي ورئيس برنامج الطب الشخصي الخبير في مجالات الطب الجيني التشخيصي، وتحليل الطفرات، وتطبيقات الجينوم في الممارسة السريرية، في منظومة متكاملة تشمل البحث والتشخيص والتطبيق العلاجي، تنعكس نتائجها على المنظومة الصحية الوطنية عبر خفض الوفيات الناتجة عن أمراض وراثية خطيرة، وتقليل الأخطاء الدوائية، وتعزيز قدرة الأطباء على اتخاذ قرارات مبنية على بيانات علمية دقيقة.

يتجه المركز إلى دمج الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات الجينية، وتطوير أبحاث العلاجات الجينية والخلوية، وتوسيع الفحوص الجينية السريرية لتشمل شرائح أوسع من المجتمع، بما ينسجم مع أهداف الرعاية الصحية في رؤية المملكة التى حرصت على توظيف التقنيات الذكية والروبوتية والعلاجات المناعية والجينية كاستراتيجية وطنية تضع صحة الإنسان وجودة حياته في المقام الأول، لتثبت أن العلم في أيدي علمائها وأطبائها هو السلاح الأقوى لتبديد غيوم المرض وصناعة غد واعد بالصحة والعافية.

أستشهد بكلمات خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- في تصدير تقرير الرؤية للعام 2025، «بلادنا تمضي نحو مستقبل أفضل مع منجزات رؤية 2030 منذ إطلاقها»، وهي كلمة صدق، ورؤية حق، تدعمها المنجزات الماثلة، وتعضدها العطاءات المنظورة، وتكشفها الأرقام التي لا تتجمل ولا تكذب، حفظ الله قيادتنا المباركة لما فيه خير البلاد والعباد

00:00 | 2-07-2026

واشنطن وطهران.. حرب التصريحات المتعاكظة..

لا أظنّ أنّ هناك حرباً عبر التاريخ، أربكت المشهد بقدر ما أربكته الحرب الجارية بين أمريكا وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، سواء أثناء احتدام المعارك وسعارها، وحتى ما يجري حالياً من حالة متأرجحة وقلقة،

بعد توقيع مذكرة التفاهم، تستمر المفاوضات على ذات النّقاط، التي تتضارب أقوال الطرفين حول التوصل إلى اتفاق بشأنها.

فالمتابع للمشهد سيلحظ بسهولة جنوح الجانب الإيراني نحو محو كلّ ما يصدر عن الجانب الأمريكي، وتحديداً ما يصدر على لسان الرئيس دونالد ترمب، الذي ما ينفكّ يبشّر العالم كلّ لحظة بأنّ إيران على وشك الانهيار، وأنّها ترغب في توقيع «أيّ اتفاق» مع واشنطن يخرجها من أزمتها المتفاقمة، وأنّها راضخة للشّروط الأمريكية بغير تحفّظ أو استدراك، في سياق يوشك أن يصل بالجميع إلى قناعة أن صيغة التفاهم بالمفهوم الأمريكي تقارب أن تكون «وثيقة استسلام»، أكثر من كونها وثيقة تفاهم لحلّ أزمة، وقف فيها صوت الرّصاص لحين، ولم يخفت فيها صوت التصريحات المتباينة حتى الآن..

ففي مقابل هذه السرديات الأمريكية تتعقّب السلطات الإيرانية، كلّ ما يصدر عن الرئيس ترمب، لتعلن نقيضه، لتظهره، في صلف بأنه غير قادر على إنفاذ إرادته عليها، وكأنها تحاول إقناع الداخل قبل الخارج بانتصار خرجت به من الحرب، وهو أمر يجافي الحقيقة، ويعاكس الواقع المُعاش والمنظور، مثل سرديات الانتصار التي أعلنها «حزب الله» في لبنان، و«حماس» في غزة، على تلال من الخراب والدمار وجثث القتلى.

ويمكن لأيّ متابع للأحداث ملاحظة هذه المعاكظات الإيرانية، خصوصاً في مسار التفاهمات، فلم تترك مواقيت التوقيع دون مشاغبة بنقائضها، وكذّبت تصريحات ترمب بشأن عدم فرض رسوم على عبور السفن عبر مضيق هرمز بعد انقضاء فترة الشهرين، ولو جاء الفرض سيكون من جهة واشنطن ولصالح خزينتها استيفاء لمنصرفاتها، السابقة والحالية واللاحقة!

ليجيء الرد الإيراني بإعلان مسارات خاصة وفق شروط فرضها «الحرس الثوري» وبمدد زمنية محددة..

فيما يخص موضوع الإفراج عن الأموال الإيرانية، بوصفه شرطاً من شروط المذكرة، استبق ترمب التصريح بتقييد حركة هذا المال وحصر إنفاقه في مواد غذائية من السوق الأمريكية لصالح المحتاجين في طهران، بما يشبه الوصاية عليها، فكان الرد الإيراني نقيضاً لذلك، وتأكيداً لحقها في المال وحرية التصرف فيه على النحو الذي تراه طهران..

أما الأمر الأكثر دهشةً وأدعى للاستغراب أنّ كلا الطرفين يتفقان على أنهما لم يناقشا موضوع «النووي الإيراني» وتطوير الصواريخ الباليستية الإيرانية، وإنما انحصر النقاش كله حول مضيق هرمز، ووضع بروتوكولات لتنظيم حركة الملاحة على هذا النحو الذي نشاهده اليوم، والذي يشي بأنّه إعلان بمحركات سياسية، يسعى كل طرف من خلاله أن يسجل نقاطاً، في طراد الكسب الإعلامي، والظهور بمظهر المنتصر، ودالة ذلك تُنظر في بطء حركة الملاحة، واحتياجها لزمن طويل حتى تعود إلى شيءٍ من طبيعتها السابقة..

والعجب من تأجيل موضوع النووي الإيراني والصواريخ الباليستية إلى أمد لاحق، بينما كانا هما الدافع الحقيقي الذي اندلعت بسببه هذه الحرب، واستهدفت فيه آلة التدمير الأمريكية والإسرائيلية مجتمعتين هذين المشروعين المهدّدين لسلامة وأمن المنطقة، بما حتّم أن يكون النقاش حولهما والاتفاق على ضرورة نسفهما من جذورهما مقدّم على أي تفاهمات أخرى، فما إغلاق مضيق هرمز إلا عرض جانبي لحرب جذرها الأساسي هو القضاء على أي إمكانية لحصول إيران على قنبلة نووية، وهو أمر لن يكون بمقدورنا الجزم به، والاطمئنان على تصريحات ترمب «المتضاربة» بشأنه، طالما بقيت كميات اليورانيوم المخصّب بحوزة إيران، مناقضة لتصريحاته باتفاقه مع إيران على ترحيل اليورانيوم المخصّب إلى واشنطن، أو تسليمه للإدارة الأمريكية ليصبح تحت تصرفها، وتارة نسمع عن ترحيله إلى روسيا.

والحقيقة التي لا جدال حولها أنه ما زال بحوزة إيران، وأنها طال الزمن أو قصر ستعيد المسرحية نفسها، والتهديد بتفاصيله، والحال كذلك مع مشروع تطوير الصواريخ الباليستية، و«كأنك يا أبو زيد ما غزيت»!

المشهد في مجمله يريك الشيء ونقيضه قبل أن تقوم من مكانك، وقبل أن تبرح جلستك وأنت تتابع الأخبار، فلا ثابت تبني عليه رؤية واستشرافاً، ولا حقيقة تمسك عليها لترسم أفقاً لحل منتظر يزيح عن هذه المنطقة الكابوس الذي جثم عليها..

ولكن بخلاف هذه الصورة المربكة يظل المشهد الخليجي الأكثر قدرة على رسم آفاق الحل المنطقي وفق المعطيات الماثلة، والتقديرات السليمة، ولعل هذا ما رشح بصورة إيجابية في الاجتماع الوزاري بين أمريكا ودول مجلس التعاون الذي انعقد أخيراً في المنامة، حيث اتفق الجميع على أن «تحقيق السلام والأمن الدائمين في المنطقة يتطلّب التصدي لجميع أشكال التهديدات الإيرانية، بما في ذلك صواريخها الباليستية وطائراتها المُسيّرة ودعمها للوكلاء في المنطقة».

كما شدّدوا على «أهمية إعادة فتح مضيق هرمز، وحرية الملاحة غير المشروطة وغير المقيّدة، بما في ذلك حق المرور العابر المكفول بموجب القانون الدولي، ورفض فرض أي رسوم أو ضرائب أو محاولات لفرض السيطرة على المضيق»، مؤكدين بشكل حاسم أن «أي تجارة واستثمار مع إيران مشروطة وقابلة للإلغاء، إذ تظلّ مرهونةً بالتزام إيران بمذكرة التفاهم والاتفاق النهائي، ووقف سلوكها المزعزع للاستقرار، وتهيئة الظروف اللازمة للتعاون الاقتصادي»..

في طوايا هذه الرؤية الخليجية المشتركة يكمن الحل الباتر للأزمة، وبغيره لن يكون ثمة حل ناجع.

00:01 | 29-06-2026

من الإنفاق إلى الأثر.. فلسفة التحوّل الصحي السعودي

‏⁧أشاد مجلس الوزراء‬⁩ الموقر بالمنجزات التي حققها برنامج تحوّل القطاع الصحي في بناء منظومة أكثر تكاملاً وكفاية تضع صحة الإنسان في صدارة أولوياتها؛ بتسهيل الوصول إلى الخدمات والرفع من مستوى جودتها، وتعزيز الرعاية الطبية الشاملة بمختلف جوانبها، والتوسع في نطاق المدن الصحية، إضافة إلى ترسيخ الوقاية وتمكين المجتمع من تبني أنماط حياة صحية مستدامة.

هذه المنجزات محصلة طبيعية، لرؤية المملكة القديرة التي أبدعتها عبقرية ولي العهد الأمين.

حين تدير بوصلة النظر باتّجاه هذا البرنامج تدرك الأفق البعيد الذي تستشرفه هذه الرؤية المباركة التي أولت عناية فائقة بصحة المواطن السّعودي، بوصفها أحد المرتكزات المهمة في تحسين جودة الحياة، آخذة بعين النظر أن الدول التي تملك رؤية واضحة للمستقبل لا تُقاس فيها الإنجازات بحجم المشروعات المنفذة فقط، وإنما بقدرتها على إحداث تغيير حقيقي ومستدام في حياة الإنسان.

من نول ومغزل هذا البرنامج الوضيء جاء تقرير برنامج تحول القطاع الصحي ليقدم صورة شاملة لما تحقّق على أرض الواقع..

ولمّا كان إيضاح كلِّ أمر، واستبانة خباياه، قريناً بذوي الاختصاص، ومنعقداً بأصحاب الدربة والمكنة فيه؛ فإنك ملتمسٌ في قراءة المستشار بالديوان الملكي الرئيس التنفيذي لمستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث الدكتور ماجد الفياض لهذا التقرير، تعكس ما تحقّق من منجزات ساهمت في بناء منظومة صحية أكثر كفاءةً وتكاملاً، تضع المريض في قلب الرعاية الصحية لتحقيق مستهدفات الرؤية.

التقرير يحكي قصة تحوّل وطني شامل أعاد صياغة مفهوم الرعاية الصحية وأدوارها وأهدافها، وفق مسار مدروس لبناء منظومة أكثر قدرة على الاستجابة لاحتياجات المجتمع وأكثر كفاءة في توظيف الموارد وأكثر شمولاً في تقديم الخدمات، وهو ما أكده الدكتور الفياض أن نجاح هذه الرحلة لا يرتبط بالمشروعات والبنى التحتية وحدها، وإنما بقدرة المنظومة على تحقيق أعلى درجات الكفاءة في الأداء، وأقصى مستويات التكامل بين مكوناتها، وأفضل تجربة ممكنة للمستفيد.

وتكتسب الكفاءة أهمية استثنائية في التجربة السعودية المعاصرة؛ لأنها تعني الانتقال من مفهوم الإنفاق على الخدمات إلى مفهوم تعظيم أثر الإنفاق.

فالهدف لم يعد زيادة الموارد وإنما ضمان توظيفها بأفضل صورة ممكنة لتحقيق نتائج صحية ملموسة.

هذا ما يفسره التقرير من تطوير للحوكمة وتحسين لإدارة الموارد ورفع لمستويات الأداء المؤسسي، لضمان استدامة المنجزات وتعظيم أثرها على صحة المجتمع.

أما التكامل الذي ركز عليه الدكتور الفياض، فيمثل أحد أهم التحولات البنيوية التي شهدها القطاع الصحي.

فالرعاية الصحية الحديثة لا يمكن أن تنجح في بيئة تتوزع فيها الأدوار، وتتباعد فيها الجهود، وتنعزل فيها المؤسسات عن بعضها بعضاً.

لذلك اتجهت المملكة إلى بناء منظومة مترابطة تتكامل فيها الجهات الصحية وتتشارك البيانات والخبرات والموارد، بما يحقق انسيابية الخدمة وجودتها ويجعل رحلة المريض أكثر سهولة ووضوحاً.

فالتقنية لم تعد مجرد أداة مساعدة، بل أصبحت محركاً أساسياً للتطوير وعنصراً محورياً في تحسين جودة الخدمات وتسريع الوصول إليها ورفع كفاءة اتخاذ القرار، والتركيز على الإنسان باعتباره محور العملية الصحية بأكملها.

وهذه تمثل جوهر التحوّل الحقيقي الذي تشهده المملكة. فالأنظمة التقليدية كانت تركّز على المؤسسة والخدمة والإجراءات، بينما يركز النموذج الجديد على الإنسان ذاته؛ على راحته وسلامته ورضاه وجودة تجربته الصحية منذ لحظة طلب الخدمة وحتى اكتمال رحلة الرعاية.

ومن هنا تتلاقى رؤية الدكتور الفياض مع ما ورد في التقرير حول تطوير نماذج الرعاية الصحية وتعزيز الخدمات الوقائية وتوسيع نطاق الوصول إلى الخدمات ورفع جودة الحياة.

المريض لم يعد مجرد رقم في سجلات المؤسسات الصحية، بل أصبح محور التخطيط وغاية التطوير ومقياس النجاح الحقيقي. فعلى سبيل المثال

التخصصي يجري 7% من إجمالي العمليات الجراحية باستخدام الروبوت، وفق التقرير السنوي لبرنامج تحوّل القطاع الصحي لعام 2025 «تحول يصنع الأثر»، بما يعزّز تجربة المريض ويدعم مستهدفات الرؤية القديرة.

الصحة لم تعد تُعرَّف بوصفها علاجاً للمرض بعد وقوعه، وإنما بوصفها منظومة متكاملة تهدف إلى الوقاية وتعزيز العافية ورفع مستوى جودة الحياة.

لذلك برز الاهتمام بالبرامج الوقائية والكشف المبكر والتوعية الصحية وأنماط الحياة السليمة، وهي استثمارات طويلة المدى في الإنسان.

رؤية المملكة جعلت الإنسان محور التنمية وهدفها النهائي، والقطاع الصحي يعد واحداً من أبرز النماذج التي تجسّد هذا التوجه على أرض الواقع.

فكل مؤشر وكل مشروع يتم تنفيذه، وكل خدمة يتم تطويرها، تصب في هدف واحد يتمثل في بناء مجتمع أكثر صحة وقدرة وإنتاجية.

المملكة لا تعمل على تطوير قطاع خدمي فحسب، بل تبني نموذجاً وطنياً متكاملاً للرعاية الصحية الحديثة، يقوم على كفاءة الأداء، وتكامل الجهود، ومحورية المستفيد، ويستند إلى رؤية استراتيجية تجعل صحة الإنسان وجودة حياته في مقدمة الأولويات.

وهكذا يصبح شعار «تحول يصنع الأثر» أكثر من مجرد عبارة تعريفية؛

بل إلى وصف دقيق لمسيرة وطن اختار أن يجعل الإنسان نقطة البداية وغاية الوصول، وأن يبني مستقبله الصحي على أسس من الكفاءة والتكامل والابتكار والاستدامة.

نبارك للقطاع الصحي والتخصصي هذه الإنجازات، وعشت يا وطني.

00:00 | 25-06-2026

المملكة.. بناء الثقة قبل الدعم والترميم

لم يكن الوضوح الذي اتّسم به حديث وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان، خلال مشاركته في الجلسة الحوارية بالمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، في العاصمة النمساوية فيينا يوم الأربعاء الماضي، معلقاً على مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، لم يكن وضوحه يحتمل أيّ لبس أو غموض في موقف المملكة، بل عبّر عن موقف دبلوماسي بالغ الذكاء، ودقيق الحساسية السياسية، بما حمل من رسائل، لا شكّ أنّها قد وصلت إلى بريد من يعنيهم الأمر، وتقصدهم الإشارة قصداً.

وهو موقف بقدر ما يؤكّد التزام المملكة بالدبلوماسية سبيلاً لحلّ القضايا بين الدول، يؤكد كذلك على أحقيتها في أن تكون حاضرة في تفاصيل هذه الجهود، وليست طرفاً «هامشياً» يتلقّى الأوامر والإحاطات الإعلامية والتعليمات بأيّ صيغة جاءت ليعلب دور المنفّذ. هذا ليس من شأن المملكة، ولا من ركائزها السياسية التي قامت عليها، ولا يتناسب والدور المركزي الذي تقوم به حيال القضايا كافة، خصوصاً الإقليمية ذات الاحتكاك المباشر بأمنها وسلامة أراضيها.

لهذا جاءت كلمة الوزير بالجة وواضحة بأن المملكة «ملتزمة بالدبلوماسية» في سياق قوله: «ذلك هو السبب نفسه الذي يجعلنا ننخرط بنشاط كبير في دعم نجاح المفاوضات القادمة، كما أن هذا هو السبب الذي سيدفعنا للعمل مع شركائنا في المنطقة لبدء حوار إقليمي لبناء محادثات حول كيفية التغلّب على أزمة الثقة التي فُقدت نتيجة هذا الصراع، وكيف يمكننا التطلع نحو مستقبل أفضل وضمان إمكانية معالجة بؤر التوتر المُحتملة من خلال الدبلوماسية بدلاً من المواجهة».

وهنا تكمن الإشارة المهمة، والرسالة التي لا بد أنها بلغت سمع من تعنيه، فالمملكة؛ ودول مجلس التعاون والأردن، أقحمتها إيران في هذه الحرب، باعتداءاتها السافرة التي من عماها لم تستثنِ حتى الأعيان المدنية؛ لهذا فإنّ مشاركة المملكة حالياً ومستقبلاً في حلّ هذه الأزمة عبر التفاوض والوسائل الدبلوماسية بما يخاطب جذورها أمر يتعدى مسألة الطلب العابر إلى الفرض المُحتم، فلا حلّ إلّا بمشاركة المملكة ووضع أجندتها في الاعتبار، وسماع رأيها بما يؤسّس لتعايش قائم على الاحترام المتبادل في المستقبل، وبخلاف هذا الحضور المنطقي، فإنّ التفاهمات كافة التي تنتج عن اللقاءات الثنائية وغيرها، بالغة ما بلغت من النجاح، فإنها لن تؤسس لسلام دائم في المنطقة. وما إشارة وزير الخارجية إلى دروس الاتفاق النووي السابق «الذي تجاهل أيضاً السياق الإقليمي تماماً»، إلا التفاتة لمن يتجاهلون أو يحيّدون حتمية حضور المملكة فيما يجري حالياً، وقد تجلّى ذلك في قوله: «إذا لم نعالج القضايا التي تهم المنطقة، فإنّ الخطر يكمن دائماً في أن يصبح أيّ اتفاق نووي أقل أماناً، ويتحوّل إلى مصدر للخلاف ومصدر للمخاطر بقدر ما يمثل معالجة للمسألة النووية».

أما الإشارة الأوقع أثراً فقد تمثّلت في إشارته إلى «عدم وجود أي معلومات أو فكرة حول الصندوق المزعوم لإعادة إعمار إيران»، في تعليقه على ما يتداول إعلامياً عن «بند في الاتفاقية تشارَك بموجبه عدد من دول المنطقة والعالم وشركاء الولايات المتحدة، في صندوق دعم عملية إعادة الإعمار في إيران، عقب التوصّل لاتفاق نهائي بين الولايات المتحدة وإيران»، ففي هذه الإشارة جوهر الموقف السعودي بوصفه «فعلاً» نافذاً، وليس «رد فعل» يتلقى التعليمات، كما أنه تضمن إضماراً بحقّ المملكة والدول المتضررة في جبر الضرر الذي وقع عليها، والذي لم يأتِ عليه الذكر، ولم تُقّدر حجم الضرر الذي وقع، ولا كيفية معالجته، قبل الزعم بأحقية إيران في إعادة إعمار ما دمرته الحرب. فإذا كانت هذه الحرب قد استهدفت البنى العسكرية والمشروع النووي الإيراني وفق الأجندة التي اندلعت بسببها، فكيف لها أن تطالب بإعادة إعمار ما سعت أصلاً لدماره، فكل المستهدفات التي طالتها الحرب في ايران كانت عسكرية، بينما أغلب المستهدفات في المملكة ودول الخليج كانت ذات طابع مدني، فأي الفريقين أحق بإعادة الإعمار؟!

لقد كان وزير الخارجية صوت المملكة الصادق والواضح والمُرتّب للأولويات حيال هذه الأزمة، من ضرورة فتح منافذ الحوار لإعادة الثقة التي بدّدتها إيران بمهاجمتها للسعودية ودول الخليج، وهي ثقة لن تبنى بالتفاهمات العجلى، والدعوات للترميم وإعادة التأهل. فواقع الحال يتعاضد مع تشديد وزير الخارجية في كلمته من حتمية وضرورة إجراء حوار حول كيفية إعادة بناء الثقة وإعادة بناء العلاقة مع إيران قبل أن يتم تناول أي مفهوم للتعاون الاقتصادي أو الاستثمار المتبادل مغلقاً باب المزايدة بالإشارة إلى أن «أولوية التنمية موجّهة اليوم للداخل السعودي»، آخذاً بزمام المبادرة في ذلك، غير متجاهل أدوار الجميع بحتمية العمل مع شركائنا في المنطقة لبدء حوار إقليمي لبناء محادثات حول كيفية التغلّب على أزمة الثقة التي فُقدت نتيجة هذا الصراع

وقرين بهذه الرسالة الواضحة، ما أوضحه الأمير فيصل بن فرحان من الرياض اعتماد المملكة على «نهج المسار المزدوج» بما يشمل بناء قدرات المملكة الدفاعية ضماناً لحقها واستعدادها في مواجهة التهديدات، فضلاً عن بناء مرونة من منظور لوجستي واقتصادي، وفق تصريح الوزير.

وفي هذا الكفاء والغناء لمن ألقى السمع وهو شهيد، كما أنه ومن هذه النقطة يبدأ الحل المستدام، والمعالجة التي لا تقبل تطفيفاً، ولا تترك أثراً لجرح غائر يعيد المنطقة إلى مربّعات التهييج والزعزعة وفرض الأجندات.

00:48 | 22-06-2026

من بادي الوقت هذا خالد الفيصل..

تتعدد الشخصيات التي تمر في حياة الأمم، غير أن قلّة قليلة منها تنجح في الجمع بين القيادة والإبداع، وبين الإدارة والثقافة، وبين صرامة القرار ورقة الإحساس.

من بين هذه النماذج المتفردة يبرز الأمير خالد الفيصل بوصفه واحداً من أكثر الشخصيات السعودية حضوراً وتأثيراً خلال العقود الأخيرة، فهو قائد إداري ترك بصماتٍ واضحةً في مسيرة التنمية، والنمو والثقافة والتعليم، وشاعر استطاع أن يحوّل التجربة الإنسانية إلى صور شعرية نابضة بالحكمة، وإنسان حمل هموم مجتمعه، وسعى إلى خدمة وطنه بعقل الدولة وقلب المبدع.

تمنح قصيدته الشهيرة (من بادي الوقت) مدخلاً بالغ الأهمية لفهم شخصيته، فهي لم تكن مجرد أبيات عذبة تتغنّى بتقلبات الأيام، وإنما جاءت أقرب إلى خلاصة تجربة طويلة مع الحياة والناس والمسؤولية.

يكاد القارئ يلمح بين سطورها رجلاً خبر النجاح والإخفاق، وشاهد تبدل الأحوال، وعرف أن الزمن لا يمنح أحداً عهداً دائماً بالرخاء أو الراحة.

يقول الأمير خالد بداية:

(من بادي الوقت هذا طبع الأيام

عذبات الأيام ما تمدي لياليها)

تكشف هذه الأبيات فلسفةً عميقةً في النظر إلى الحياة، تقوم على إدراك حقيقة التغيّر الدائم.

فالأيام الجميلة لا تستقر، والأحزان كذلك لا تدوم، وكل ما يمر بالإنسان خاضع لقانون التحوّل. وتلك النظرة ذاتها تُمثّل أحد أسرار نجاح القادة؛ لأن القيادة الحقيقية لا تقوم على الانفعال بالمكاسب المؤقتة أو الانكسار أمام العوائق العابرة، وإنما على فهم حركة الزمن واستيعاب طبيعة التحوّلات.

امتلك خالد الفيصل هذه الرؤية وهو يتولى مسؤولياته العامة في مناطق مختلفة من المملكة، وأسهم في دعم مشروعات التنمية والبنية التحتية والتعليم والثقافة، واضعاً نصب عينيه أن بناء الأوطان عملية تراكمية تحتاج إلى صبر طويل وإرادة لا تضعف أمام العقبات.

انعكست هذه الخبرة في شعره الذي جاء محملاً بمعاني التأمل والحكمة أكثر من كونه مجرد وصف للمشاعر العابرة.

وتظهر ملامح الإنسان المتأمل في قوله:

(أسري مع الهاجس اللي ما بعد نام

وأصور الماضي لنفسي وأسليها)

كلمات تكشف شخصيةً كثيرةَ المراجعة والتأمل، تستدعي الماضي لا لتعيش فيه، بل لتتعلم منه. والقائد الناجح هو الذي يجعل من التجربة مدرسة مفتوحة، يستخلص منها الدروس والعبر، ويحول أخطاء الأمس إلى جسور تعبر به نحو المستقبل.

وتزداد الحكمة وضوحاً في أحد أشهر أبيات القصيدة:

(إلى صفالك زمانك عل يا ظامي

اشرب قبل لا يحوس الطين صافيها)

يمثل هذا البيت قاعدة إنسانية وإدارية بالغة العمق. فالفرص لا تبقى متاحة إلى الأبد، واللحظات المواتية ينبغي استثمارها قبل أن تتغيّر الظروف. ومن يتأمل مسيرة خالد الفيصل يجد أن هذا المعنى كان حاضراً في مشروعاته ومبادراته التنموية والثقافية؛ إذ ارتبط اسمه بدعم المبادرات التي تستثمر الطاقات البشرية وتفتح آفاق الإبداع أمام الشباب، انطلاقاً من إيمان عميق بأن الأمم المتقدّمة هي التي تحسن استثمار الفرص قبل فواتها.

لا تقف القصيدة عند حدود التأمل الفردي، بل تمتد إلى فهم طبيعة العلاقات الإنسانية، كما في قوله:

(حتى وليفك ولو هيم بك هيام

سيور الأيام تجنح به عواديها)

هنا تتجلّى رؤية واقعية للحياة، رؤية تدرك أن البشر أسرى لظروفهم ومتغيّراتهم، وأن العلاقات مهما بلغت قوتها قد تتأثر بعواصف الزمن. وهذه الحكمة لا تنبع من التشاؤم، بل من معرفة عميقة بطبيعة الحياة. وقد أكسبت هذه النظرة صاحبها قدرة على التعامل مع الناس بوعي واتزان، بعيداً عن الأحكام المتسرعة والانفعالات المؤقتة.

ما يميّز خالد الفيصل هو نجاحه في تحقيق التوازن بين عالمين يظنهما البعض متناقضين عالم الإدارة وعالم الشعر.

فالمنصب الإداري يحتاج إلى الحزم والدقة والقدرة على اتخاذ القرار، بينما يحتاج الشعر إلى الخيال والوجدان ورهافة الإحساس. وقد استطاع أن يجمع بين الطرفين في شخصية واحدة، فبدا المسؤول المثقف، والشاعر العملي، والإنسان الذي يدرك أن التنمية لا تقتصر على بناء الطرق والمباني، بل تشمل أيضاً بناء الوعي والجمال والثقافة.

وقد تجلت هذه الرؤية في اهتمامه بالفنون والآداب والعمل الثقافي، وإيمانه بأن الثقافة عنصر أساسي في نهضة المجتمعات. فالأمم لا تنهض بالاقتصاد وحده، بل تحتاج إلى منظومة متكاملة تصنع الإنسان القادر على الإبداع والإنتاج والانتماء.

وتبقى (من بادي الوقت) أكثر من مجرد قصيدة شعبية جميلة؛ إنها وثيقة إنسانية تختصر تجربة رجل عاش الحياة بمختلف أوجهها، وتأمل حركة الزمن، وخبر المسؤولية، وأدرك أن البقاء الحقيقي لا يكون في المناصب ولا في الشهرة، وإنما في الأثر الذي يتركه الإنسان في وطنه وفي وجدان الناس.

يمكن القول إن خالد الفيصل لم يكن شاعراً يكتب الحكمة فحسب، بل كان قائداً حاول أن يطبّقها، وإنساناً سعى إلى تحويل رؤيته للحياة إلى عمل وإنجاز. ولذلك بقي حضوره ممتداً في الذاكرة السعودية والعربية بوصفه نموذجاً نادراً لرجل الدولة المثقف، الذي استطاع أن يجعل من الشعر صوتاً للحكمة، ومن الإدارة وسيلة لخدمة الإنسان والوطن.

00:00 | 18-06-2026

وزير الطاقة.. فلسفة الصّمت وحكمة التريّث..

في منتدى سانت بطرسبرغ الاقتصادي الدولي لعام 2026، كان وزير الطاقة الأمير عبدالعزيز بن سلمان، كالعهد به، صورة مجسّمة للمملكة في علو كعبها، ونائف مقامها، وسديد قولها، وبليغ حكمتها، جاءت كلماته رسائل بالغة الدقّة لقطاع الطاقة، فيها من التطمين ما أشاع الأمل وسط الترقّب الحذر، والمخاوف الجسام، ليعلنها بثقة مطلقة، وصوت جهير لا لبس فيه: «نحن مزوّد مرن للطاقة، كنّا وسنظلّ كذلك في جميع الظروف».

في طي هذه الكلمات تكمن نظرة المملكة الحكيمة والواعية لضبط ميزان الاقتصاد العالمي، وتغليب الخيار الأمثل في الحلول بضرورة تقدير الظروف وفق ما تقتضيه من معالجة تحفظ التوازن، وتبقي على معادلات الاقتصاد العالمي على إيقاع الانسجام والمنافع المتبادلة، غير غافلة على الإطلاق جسامة الواقع، بحسب تعبير الأمير عبدالعزيز ووصفه للأحداث الجيوسياسية الراهنة بأنّها تشتت الانتباه وتعرقل التركيز عن الأولويات الاستراتيجية للمملكة، وفي مقدمتها مستهدفات «رؤية 2030»

ورغم ذلك جاءت رسالة التطمين هذه لتؤكد مكانة المملكة، وقدرتها وحكمتها بتغليب خيار المصلحة العامة على المكاسب الضيقة، وامتدت الرسالة ذاتها لتشيع الطمأنينة في ربوع الوطن في مُجلّى قوله: «نحن مدينون لأنفسنا ولكلّ مواطن سعودي بأن نتحدى هذه البيئة الصعبة، ونواصل الالتزام بطموحاتنا،

فالمملكة تمتلك القدرة والثقة الكافية للتعامل مع التحديات وإظهار مرونتها الاقتصادية والتشغيلية أمام العالم».

هذه العبارات على إيجازها، تؤكد ما هو آكد وحاضر في أرض الواقع، الذي ساق له الوزير دليلاً ملموساً يتبدى «بنجاح البنية التحتية والمنظومة اللوجستية للمملكة في تحويل المآسي فرصاً، وإدارة موسم الحج بنجاح قياسي غير مسبوق رغم الاضطرابات الإقليمية المحيطة».

إن إشارة الوزير هذه ترتكز بشكل أساسي إلى إرثٍ أصبح «ماركة مسجلة» باسم المملكة، وكأنه يشير بطرف خفيٍّ إلى ما حقّقته المملكة ودوّنته في سجل الإنجاز العالمي إبّان جائحة كورونا، فجاء ترتيبها على إيقاع الحكمة، والقدرة، والمكنة، مثل ما يظهر اليوم مع هذه الأزمة، التي قادتها المملكة بذات النهج المُؤْثِر للصّمت، والناهض بأسباب العمل، وفي صمتها «كلام» وأيّ كلام..!

أما سمعت لوزير الطاقة في سانت بطرسبرغ، وهو يكشف سرَّ التزامه الصّمت طوال المدة الماضية، على الرغم من راجح مثقال كلمته في المحافل الدولية خصوصاً والأمر يتعلّق بأزمة الطاقة عالمياً، حيث جاء قوله على سُلّم الرّزانة، وإيقاع الرويّة «الوزير مطالب بالحفاظ على هدوئه وعدم الهلع لأن الذّعر يفقدك السيطرة على السرديّة.

أنوي الحفاظ على صمتي؛ لأن الصّمت في خضم المجاهيل الكثيرة هو رسالة وإقرار متواضع بأن الواقع يتبدّل بسرعة، وهو شكل من أشكال احترام الذّات والآخرين».

فما أعظمها من كلمات، وما أشرقه من تعبير عن الذات، فكأن الشاعر قد عناه بالقول

منّا الأناةُ وبَعضُ القومِ يحسَبُنا

أنا بِطاءٌ وفي إبطائِنا سِرَعُ

إن في كنانة المملكة الكثير لتجاوز هذه المرحلة العصبية التي يشهدها العالم، وخصوصاً فيما يتعلّق بأسواق النفط، وهو عين ما أشار إليه وزير الطاقة بقوله: هناك الكثير من الأجزاء والعوامل المتحرّكة، الكثير من الأمور المجهولة، والكثير من الأشياء التي نعتقد أنها أصبحت واقعاً، ولكن نستيقظ في اليوم التالي لنجد أن الواقع ليس واقعاً، وإنما حلم بعيد المنال، أو أمل متخيّل، أو أمنية.

لذا في هذه الظّروف التي يعتمد فيها المرء مجدّداً على المنطق ويقول إنه إذا لم تكن تعرف، فتحلَّ بالصّمت... فالتحلّي بالصّمت هو شكل من أشكال الرسائل، ألا ما أبلغ هذا الصمت، وما أبدع قيادة ترى أفقاً تتقاصر دونه بصائر الآخرين، فإذا أردت معادلاً إبداعياً لحكمة «الصمت»

فردّد مع الشاعر قوله:

نارُ الرَّويَّةِ نارٌ جِدُّ مُنضِجةٍ

وفي البديهةِ نارٌ ذاتُ تلويحِ

وقد يُفَضِّلُها قومٌ لعاجِلِها

لكِنَّه عاجِلٌ يمضي مع الرِّيحِ

القدرة على ضبط النفس عند الشّدائد والمحن والأزمات، ووسمها بميسم الحكمة والريث والروية، عنصر من أوجب الواجبات التي من المفترض أن يتحلّى بها أيّ مسؤول، ويتقيّد بها كلّ من ألقيت على عاتقه المهام الجسام، كونها تمثلّ الركيزة الأساسية لتجاوز كافة العقبات؛ إنْ لم يكن بكامل النّجاح، فلا أقلّ من أن يكون بأقلّ الأضرار وأهونها، متجاوزاً بهذه القدرة عقابيل الاستجابات الفورية في اندفاعها الفوّار، وانفعالها المستشطِّ وفق مترتبات ردِّ الفعل، فتأتي هذه القدرة التي يتمايز بها الناس ويتفاضلون، فتحيل هذه العواطف الجيّاشة إلى طاقة إيجابية بمحركات الصّمت الإيجابي، المحفّز على التفكير العميق، والمُغلّب للخيارات في مرآة التخطيط المنطقي، مع ترتيب الأولويات لتجاوز التحديات بوعي وثبات، وهي من المحامد التي صدح بها الشّعراء، ومن ذلك قولهم:

قد يُدرِكُ المتأنِّي بعضَ حاجَتِه

وقد يكونُ مع المُستَعجِلِ الزَّلَلُ

من منن الله العظيمة على هذه البلاد المباركة، أن أنعم عليها بقيادة راشدة في وعيها، حكيمة في قرارها، مقتصدة في قولها إلّا بمقدارِ ما يوصل الرسائل في بريد من تعنيهم.

هذه الحقبة الزاهرة عهد سلمان، وولي عهده الأمين، أدركت لهذه الحكمة معنى آخر مع «الرؤية»..

فانظر، وتأمّل العقبات والصعاب والشدائد التي واجهتها المملكة وآخرها الأزمة التي تعيشها المنطقة جرّاء الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وما ترتب عليها من اعتداءات سافرة وجهتها إيران إلى المملكة ودول الخليج العربي، فضلاً عن إغلاقها لمضيق هرمز، مما شكّل عائقاً أمام تدفّق حركة الملاحة الطبيعية، محدثة أزمة اقتصادية تجاوزت المحيط الإقليمي إلى العالمي تبعاً لتوقف إمداد النفط والمشتقات البترولية، فظلت المملكة طوال هذه الأزمة، وما زالت، ملتزمة بأقصى احتمال لضبط النفس، متّسمة بالحلم والأناة، ملتزمة صمتاً ذا دلالات ومعانٍ..

حفظ الله لنا هذه القيادة الحكيمة، وأدام علينا نعمة الأمن والأمان والاستقرار.

00:07 | 15-06-2026

خلف كل مبالغة صفعة خذلان!

يقول فيودور دوستويفسكي: «كيف أحتملتَ فكرةَ أنك وَضعتَ ثغرةً مُؤلمةً في صَدرِ أحدِهمْ سترافقه طوال حياته، ومضيتَ هكذا دون أن تكترثَ لشيء؟».

عبارة لا تُقرأ كجملة عابرة، بل كمرآة قاسية تُواجه الإنسان بحقيقته الأخلاقية، وتجرده من كل أعذار الزيف التي يختبئ خلفها.

إنها ليست سؤالاً موجّهاً إلى الآخر بقدر ما هي محاكمة صامتة للذات، استنطاقٌ لضميرٍ ربما اعتاد التملص، والكذب والتبرير والتعلل بأسباب واهية، ليوهم نفسه أنه نجا من تبكيت الضمير وعذابه، الفكرة أعمق من مجرد أذى عابر.

إنها تتحدث عن «ثغرة» وكأن القلب حصن، وكأن الكلمة الجارحة أو الفعل القاسي سهمٌ اخترق جدرانه، وترك فيه فجوة لا تُرمم بسهولة.

بعض الجراح لا تنزف دماً، لكنها تنزف عمراً كاملاً من الشعور بالآلام والخيبة والخذلان والندم، تعيد تشكيل نظرة الإنسان للحياة، وتغيّر ثقته بالآخرين، بل وربما بنفسه.

المخيف في عبارة دوستويفسكي ليس وقوع الأذى، فالبشر بطبيعتهم يخطئون، وإنما القدرة على المضي قدماً دون اكتراث بقلب موجوع أو نفس كسيرة

فمن خذلوك كأنهم قطعوا ذراعيك تستطيع أن تسامحهم ، لكن لا تستطيع أن تعانقهم. تلك البرودة، ذلك الانفصال بين الفعل ونتيجته، بين الجرح وصاحبه، هو ما يثير الرعب الحقيقي.

كأن الإنسان قد نجح في إسكات صوته الداخلي، أو أقنع نفسه بأن ما فعله عابر، بينما الطرف الآخر يحمل أثره كندبة خفية لا تزول.

الإنسان، في لحظات الغفلة أو الغضب أو الأنانية، قد يتحوّل إلى كائن قاسٍ دون أن يشعر.

كلمة واحدة قد تهدم ثقة، نظرة ازدراء قد تزرع شعوراً بالنقص، خذلان مفاجئ قد يعيد تشكيل علاقة كاملة مع العالم.

كل ذلك قد يصدر دون حساب دقيق للعواقب، وكأن الأرواح لا تتأثر، وكأن المشاعر لا تحتفظ بذاكرة طويلة.

دوستويفسكي، بعين الفيلسوف الذي يعرف خبايا النفس البشرية، يضعنا في مواجهة سؤالين هما الأخطر: كيف تعيش بعد أن تكون سبباً في ألم طويل الأمد؟

كيف تنام وقد تعلم أن أثراً منك يسكن صدر إنسان آخر؟

هنا يبدأ الصراع الحقيقي، صراع الإنسان مع ضميره، مع إدراكه أنه ليس بريئاً كما كان يظن.

العبارة تدعو إلى يقظة داخلية، إلى إعادة النظر في تفاصيل السلوك اليومي، إلى فهم أن العلاقات الإنسانية ليست مجرد تفاعلات عابرة، بل هي شبكة دقيقة من التأثيرات المتبادلة.

كل فعل يحمل بصمته، وكل كلمة قد تكون بداية قصة ألم أو شفاء.

ثمة بعد أخلاقي عميق يتسلل من بين الكلمات أن تكون خفيف الأثر، رحيم الحضور، حذر العبارة، القوة الحقيقية لا تكمن في القدرة على الجرح، بل في الامتناع عنه. والنضج لا يظهر في تجاهل الألم، بل في الإحساس به، حتى إن لم يكن ألمك.

نص يوقظ في النفس سؤالين لا ينبغي الهروب منهما: كم مرة كنّا نحن تلك الثغرة؟ وكم مرة مضينا دون أن نلتفت؟

الإجابة، مهما كانت موجعة، هي بداية الطريق نحو إنسان أكثر وعياً، أكثر رحمة، وأكثر استحقاقاً لأن يُسمى إنساناً.

‏ويضيف جبران خليل جبران على خطى المعلم فيودور دوستويفسكي

‏لا تبالغوا بالحب ولا تبالغوا بالاهتمام والاشتياق،‏ فخلف كل مبالغة صفعة خذلان.

00:00 | 11-06-2026